متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

12- هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا جَامَعَ) الرجل امرأته أو أَمَته (ثُمَّ عَادَ) إلى جماعها مرَّةً أخرى ما يكون حكمه؟ وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ثمَّ عاود))؛ أي: الجماع، وهو أعمُّ من أن يكون لتلك المُجامَعة أو غيرها، (وَمَنْ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ) [1] ما حكمه؟ وأشار به إلى ما رُوِيَ [2] في بعض [3] طرق الحديث الآتي _إن شاء الله تعالى_ وإن لم يكن منصوصًا فيما أخرجه، وفي «التِّرمذيِّ» _وقال: حسنٌ صحيحٌ_: «أنَّه عليه الصلاة والسلام كان يطوف على نسائه في غسلٍ واحدٍ» ولم يختلفوا في [4] أنَّ الغسل بينهما لا يجب، واستدلُّوا لاستحبابه بين الجماعين بحديث أبي رافعٍ عند أبي داود والنَّسائيِّ: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه، قال: فقلت: يا رسول الله، ألا تجعله غسلًا [5] واحدًا؟ قال: «هذا [6] أزكى وأطيب»، واختُلِف هل يُستحَبُّ له أن يتوضَّأ عند وطء كلِّ واحدةٍ وضوءه للصلاة؟ فقال أبو يوسف: لا، وقال الجمهور: نعم، وحمله بعضهم على الوضوء اللُّغويِّ، فيغسل فرجه، وعُورِض: بحديث ابن خزيمة: «فليتوضَّأ وضوءه للصَّلاة»، وذهب ابن حبيبٍ والظَّاهريَّة إلى وجوبه لحديث [7] مسلمٍ: «إذا أتى أحدكم أهله ثمَّ أراد أن يعود؛ فليتوضَّأ»، وأُجيب بما في حديث ابن خزيمة: «فإنَّه أنشط للعود»، فدلَّ على أنَّ الأمر للإرشاد، وبحديث الطَّحاويِّ عن عائشة: أنَّه عليه الصلاة والسلام كان يجامع ثمَّ يعود ولا يتوضَّأ.

[1] في هامش (ص): «قوله: «في غسلٍ واحدٍ»؛ هي بمعنى: مع؛ أي: دار عليهنَّ مع إتيانه بغسلٍ واحدٍ، انتهى. ع ش».
[2] في (م): «وقع».
[3] «بعض»: ليس في (م).
[4] «في»: سقط من (د) و(م).
[5] «غسلًا»: سقط من (ص).
[6] في (د): «هكذا».
[7] في (ص): «بحديث».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(12) بابٌ [1] : إذا جامَعَ ثُمَّ عادَ [2] ، وَمَنْ دارَ علىَ نِسائِهِ في غُسْلٍ واحِدٍ

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي.
[2] في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عاود».






(12) [بَابُ إِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَادَ، وَمَنْ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ]


قوله في التَّرجمة: (في غَسْلٍ وَاحِدٍ): هو بالفتح: الفعل، ويجوز ضمُّها على أنَّه الماء، فإنَّه يحتمل، وعلى كلِّ تقدير؛ ففي كلٍّ منهما اللُّغتان، وقد تقدَّم.



12- هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا جَامَعَ) الرجل امرأته أو أَمَته (ثُمَّ عَادَ) إلى جماعها مرَّةً أخرى ما يكون حكمه؟ وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ثمَّ عاود))؛ أي: الجماع، وهو أعمُّ من أن يكون لتلك المُجامَعة أو غيرها، (وَمَنْ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ) [1] ما حكمه؟ وأشار به إلى ما رُوِيَ [2] في بعض [3] طرق الحديث الآتي _إن شاء الله تعالى_ وإن لم يكن منصوصًا فيما أخرجه، وفي «التِّرمذيِّ» _وقال: حسنٌ صحيحٌ_: «أنَّه عليه الصلاة والسلام كان يطوف على نسائه في غسلٍ واحدٍ» ولم يختلفوا في [4] أنَّ الغسل بينهما لا يجب، واستدلُّوا لاستحبابه بين الجماعين بحديث أبي رافعٍ عند أبي داود والنَّسائيِّ: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه، قال: فقلت: يا رسول الله، ألا تجعله غسلًا [5] واحدًا؟ قال: «هذا [6] أزكى وأطيب»، واختُلِف هل يُستحَبُّ له أن يتوضَّأ عند وطء كلِّ واحدةٍ وضوءه للصلاة؟ فقال أبو يوسف: لا، وقال الجمهور: نعم، وحمله بعضهم على الوضوء اللُّغويِّ، فيغسل فرجه، وعُورِض: بحديث ابن خزيمة: «فليتوضَّأ وضوءه للصَّلاة»، وذهب ابن حبيبٍ والظَّاهريَّة إلى وجوبه لحديث [7] مسلمٍ: «إذا أتى أحدكم أهله ثمَّ أراد أن يعود؛ فليتوضَّأ»، وأُجيب بما في حديث ابن خزيمة: «فإنَّه أنشط للعود»، فدلَّ على أنَّ الأمر للإرشاد، وبحديث الطَّحاويِّ عن عائشة: أنَّه عليه الصلاة والسلام كان يجامع ثمَّ يعود ولا يتوضَّأ.

[1] في هامش (ص): «قوله: «في غسلٍ واحدٍ»؛ هي بمعنى: مع؛ أي: دار عليهنَّ مع إتيانه بغسلٍ واحدٍ، انتهى. ع ش».
[2] في (م): «وقع».
[3] «بعض»: ليس في (م).
[4] «في»: سقط من (د) و(م).
[5] «غسلًا»: سقط من (ص).
[6] في (د): «هكذا».
[7] في (ص): «بحديث».





( ثمَّ عَادَ ) للكُشْمِيهنيِّ: «عاود».


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

(12) (باب إِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَادَ) الحديث إلى آخره.


هذا ((بابٌ)) ؛ بالتنوين: ((إذا جامع)) ؛ أي: المجامع امرأته أو أمته، كما للكشميهني، ((ثم عاد)) أي: إلى جماعها مرة أخرى، وجواب (إذا) محذوف؛ تقديره: ما يكون حكمه، وهو أولى من تقدير: جاز؛ لأنَّ عادة المؤلف أنَّه يطلق الترجمة، ويحيل الحكم على الأحاديث التي [1] تُذكر تحت الترجمة، كما لا يخفى؛ فافهم، وفي رواية الكشميهني: (عاود) ؛ من المعاودة؛ أي: جامع مرة أخرى، ((ومن دار)) عطف على قوله: (إذا جامع) ؛ أي: باب من دار؛ بالدالة المهملة: من الدوران ((على نسائه في غُسل)) بضمِّ الغين المعجمة ((واحد)) وجواب (من) محذوف أيضًا؛ تقديره: ما يكون حكمه، وهو أولى، وقد رجع العجلوني هنا إليه بعد أن ادَّعى في الأولى أنَّ الجواز أولى، وليس كذلك، كما علمت؛ فافهم.

وزعم ابن حجر أنَّ (عاد) أعم من أن يكون في ليلة أو غيرها، ورده صاحب «عمدة القاري» بأن الجماع في غير ليلة جامع فيها لا يسمى عودًا لا لغة ولا عرفًا، والمراد ههنا: أن يكون الابتداء والعود في ليلة واحدة أو يوم واحد، والدليل عليه حديث رواه أبو داود والنسائي عن أبي رافع: (أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه، وعند هذه، قال: فقلت: يا رسول الله؛ ألا تجعله غُسلًا واحدًا، قال: «هذا أزكى وأطيب») ، زاد في رواية: (وأطهر) انتهى.

وقد رمرم العجلوني على زعمه عبارة ابن حجر بما لا يخفى فساده، وزعم أنَّ في كلام «عمدة القاري» نظر، ولم يبيِّن وجهه، بل أحال ما ادَّعاه على اللغة والعرف، وزعم أنَّ الحديث واقعة حال فعلية لا تقتضي قصر الحكم عليها.

قلت: وهو ممنوع، فإنَّ الحديث ظاهر فيما قاله صاحب «عمدة القاري»، وهو عام يدل على أنَّ ذلك عادته عليه السلام، فهو يقتضي أنَّ جميع فعله هكذا، يدل لهذا قوله في الحديث: «هذا أزكى، وأطيب، وأطهر»، ومبنى هذا الفعل على السرور والصفا، كما لا يخفى على أهل الوفا، فما زعمه هذا الزاعم تعصب مردود؛ فافهم.

قال في «عمدة القاري»: (فإن قلت: ظاهر هذا الحديث ـ أي: حديث أبي رافع ـ يدل على أنَّ الاغتسال بين الجماعين واجب؟قلت: أجمع العلماء على أنَّه لا يجب بينهما، وإنَّما هو مستحب حتى إنَّ بعضهم استدل بهذا على استحباب الحديث؛ أي: بين الجماعين، على أنَّ أبا داود لمَّا روى هذا الحديث؛ قال: حديث أنس أصح من هذا، وحديث أنس رضي الله عنه رواه أبو داود أيضًا عنه قال: (كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يطوف على نسائه في غسل واحد) ، ورواه الترمذي أيضًا، وقال: حديث صحيح، وضعف ابن القطان حديث أبي رافع، وصححه ابن حزم، وعبارة أبي داود أيضًا تدل على صحته.

وأمَّا الوضوء بين الجماعين؛ فقد اختلفوا فيه؛ فعند الجمهور ليس بواجب، وقال ابن حبيب المالكي وداود الظاهري: إنَّه واجب.

قال ابن حزم: وهو قول عطاء، وإبراهيم، وعكرمة، والحسن، وابن سيرين، واحتجوا بحديث أبي سَعِيْد قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود؛ فليتوضأ بينهما وضوء»، أخرجه مسلم من طريق حفص، عن عاصم، عن أبي المتوكل عنه، وحمل الجمهور الأمر بالوضوء على الندب [/ص277/] والاستحباب لا الوجوب بما رواه الحافظ الطحاوي من طريق موسى بن عُقْبَة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يجامع، ثم يعود ولا يتوضأ) .

وقال أبو عمر: ما أعلم أحدًا من أهل العلم أوجبه إلا طائفة من أهل الظاهر.

قلت: روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن محارب بن دثار قال: سمعت ابن عمر يقول: (إذا أراد أن يعود؛ توضأ) ، وروي عن عمر بن الوليد قال: سمعت ابن محمَّد يقول: (إذا أراد أن يعود؛ توضأ) ، وروي أيضًا عن عطاء مثله.

وما نسب ابن حزم الوضوء إلى الحسن وابن سيرين؛ فيرده ما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن الحسن: أنَّه كان لا يرى بأسًا أن يجامع الرجل امرأته، ثم يعود قبل أن يتوضأ.

قال: وكان ابن سيرين يقول: لا أعلم بذلك بأسًا إنَّما قيل ذلك؛ لأنَّه أحرى أن يعود، كذا في «عمدة القاري».

قلت: يحتمل أنَّه رُوِيَ عنهما روايتان.

قلت: هذا الاحتمال بعيد؛ لقول ابن سيرين: لا أعلم بذلك بأسًا، وإنَّما قيل ذلك؛ لأنَّه أحرى أن يعود؛ أي: فهو لأجل نشاط النفس وتطيبها، ويدل لهذا حديث أبي رافع؛ لأنَّ فيه أنَّه (أزكى وأطيب) ؛ أي: للنفس، فإنَّه إذا فعل ذلك يكون أقبل للنفس، فهو دليل على أنَّه مستحب لا واجب، كما لا يخفى، ثم قال في «عمدة القاري»: (ونقل عن إسحاق ابن راهويه أنَّه حمل الوضوء المذكور على الوضوء اللغوي؛ حيث نقل عنه ابن المُنْذِر أنَّه قال: لا بد من غسل الفرج إذا أراد العود.

قلت: يرد هذا ما رواه ابن خزيمة من طريق ابن عيينة، عن عاصم في الحديث المذكور: «فليتوضأ وضوءه للصلاة»، وفي لفظ عنده: «فهو أنشط للعود»، وصحح الحاكم لفظ «وضوءه للصلاة»، ثم قال: هذه لفظة تَفرَّد بها عن شعبة، عن عاصم، والتفرد من مثله مقبول عند الشيخين.

فإن قلت: يعارض هذه الأخبار حديث ابن عباس قال عليه السلام: «إنَّما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصَّلاة»، قاله أبو عَوانة في «صحيحه».

قلت: لا يعارض؛ لأنَّ الحافظ الطحاوي قال: العمل على حديث الأسود عن عائشة رضي الله عنها.

وقال المقدسي والثقفي: هذا كله مشروع جائز، من شاء؛ أخذ بهذا، ومن شاء؛ أخذ بالآخر) انتهى كلام «عمدة القاري».

قلت: على أنَّ حديث ابن عباس وإن كان صحيحًا يحمل الأمر فيه على الفرضية للصلاة وهو يرد على من يقول بوجوب الوضوء قبل أن يعود؛ فافهم، والله أعلم.

[1] في الأصل: (الذي)، وليس بصحيح.