إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت

(7) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ) المتلف وغيره؛ كزيادته أو نحو ذلك، كَشَيْنٍ فاحشٍ في عضوٍ ظاهرٍ (أَوِ الْمَوْتَ) من استعماله الماء (أَوْ خَافَ الْعَطَشَ) لحيوانٍ محترمٍ من نفسه
ج1ص377
أو رفيقه [1] ولو في المُستقبَل (تَيَمَّمَ) وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((يتيمَّم)) أي: مع وجود الماء.
(وَيُذْكَرُ) ممَّا وصله الدَّارقُطنيُّ (أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشمٍ القرشيَّ السَّهميَّ، أمير مصر، أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمانٍ، وكان لا يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حياءً منه، وله في «البخاريِّ» ثلاثة أحاديث رضي الله عنه (أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ) في غزوة ذات السَّلاسل (فَتَيَمَّمَ) وصلَّى بأصحابه الصُّبح (وَتَلَا) بالواو، وللأَصيليِّ: ((فتلا)): ({وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}) أي: بإلقائها إلى التَّهلكة ({إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] فَذُكِرَ) بضمِّ الذَّال (لِلنَّبِيِّ) وللأَصيليِّ: ((فَذَكَرَ ذلك)) أي: عمروٌ للنَّبيِّ (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم فَلَمْ يُعَنِّفْ) أي: عمرًا، وحُذِف المفعول للعلم به، قال الحافظ ابن حجرٍ: وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فلم يعنِّفه)) بضمير المفعول، وعزاها في الفرع لابن عساكر؛ أي: لم يلُمْه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدم التَّعنيف تقريرٌ، فيكون حجَّةً على تيمُّم الجنب، وقد روى هذا التَّعليق أيضًا أبو داود والحاكم، لكن من غير ذكر «التَّيمُّم». نعم؛ ذكر أبو داود أنَّ الأوزاعيَّ روى عن حسَّان بن عطيَّة هذه القصَّة، فقال فيها: «فتيمَّم»، وعلَّقه المؤلِّف بصيغة التَّمريض لكونه اختصره، ورواه عبد الرَّزَّاق من وجهٍ آخر عن عبد الله بن عمروٍ ولم يذكر «التَّيمُّم» [2]، ولم يقل عمروٌ الآية وهو جنبٌ وإن أوهمه ظاهر السِّياق، وإنَّما تلاها بعد رجوعه للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كما يدلُّ عليه سياق حديث أبي داود، ولفظه: فقال _أي: النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم_: «يا عمرو؛ صلَّيت [3] بأصحابك وأنت جنبٌ؟» فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إنِّي سمعت الله يقول: {وَلَا تَقتُلُوا أَنفُسَكُمْ...} الآيةَ.
وفي الحديث: جواز صلاة المتيمِّم بالمتوضِّئ، والتَّيمُّم لمن يتوقَّع من استعمال الماء الهلاك.
ج1ص378


[1] في هامش (ص): (قوله: «أو رفيقه»: في نسخةٍ: «رقيقه» بقافين، والأولى أَوْلى؛ لأنَّها أعمُّ). انتهى.
[2] قوله: «ورواه عبد الرَّزَّاق من وجهٍ آخر عن عبد الله بن عمروٍ ولم يذكر التَّيمُّم» سقط من (ص).
[3] في هامش (ص): (قوله: «صلَّيت...» إلى آخره: قال في «التُّحفة»: صريحٌ في تقريره على إمامته، وحينئذٍ فإنْ قِيلَ: بلزوم الإعادة أشكل بأنَّ من تلزمه لا تصحُّ إمامته، أو بعدم لزومها أشكل بأنَّ المتيمِّم للبرد تلزمه الإعادة، وقد يُجاب: بأنَّه إنَّما يفيد صحَّة صلاته، وأمَّا صحَّة صلاتهم خلفه فهي واقعة حالٍ، محتملةٌ أنَّهم لم يعلموا بوجوب الإعادة حال الاقتداء، فجاز اقتداؤهم لذلك، وحينئذٍ فلا إشكال أصلًا). انتهى تقريره.