إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء

(6) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ) مبتدأٌ وصفته، والخبر قوله: (وَضُوءُ الْمُسْلِمِ يَكْفِيهِ منِ [1] الْمَاءِ) أي: يغنيه عند عدمه حقيقةً أو حكمًا، وقد روى أصحاب «السُّنن» نحوه مع زيادة: «وإن لم يجدِ الماء عشر سنين» وصحَّحه التِّرمذيُّ وابن حبَّان والدَّارقُطنيُّ.
(وَقَالَ الْحَسَنُ) البصريُّ ممَّا هو موصولٌ عند عبد الرَّزَّاق بنحوه: (يُجْزِئُهُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مهموزًا؛ أي: يكفيه (التَّيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ) أي: مدَّة عدم الحدث، وهو عند سعيد بن منصورٍ بلفظ: التَّيمُّم بمنزلة الوضوء، إذا تيمَّمت [2] فأنت على وضوءٍ حتَّى تُحدِث، وفي مُصنَّف حمَّاد بن سلمة عن يونس بن [3] عبيدٍ عن الحسن قال: يصلِّي الصَّلوات كلَّها بتيمُّمٍ واحدٍ مثل الوضوء [4] ما لم يحدث، وهو مذهب الحنفيَّة لترتُّبه على الوضوء، فله حكمه، وقال الأئمَّة الثَّلاثة: لا يصلِّي إلَّا فرضًا واحدًا لأنَّه طهارة ضرورة [5] بخلاف الوضوء، فقد صحَّ فيما قاله البيهقيُّ عن ابن [6] عمر: «إيجاب التَّيمُّم لكلِّ فريضةٍ»، قال: ولا نعلم له مخالفًا من الصَّحابة، نعم؛ روى ابن المنذر عن ابن عبَّاسٍ: أنَّه لا يجب، والنَّذر كالفرض، والأصحُّ صحَّة جنائز مع فرضٍ لِشَبَهِ صلاة الجنازة بالنَّفل في جواز التَّرك، وتعينها عند انفراد المُكلَّف عارضٌ، وقد أُبيح عند الجمهور بالتَّيمُّم الواحد النَّوافل مع الفريضة، إلَّا أنَّ مالكًا اشترط تقدُّم الفريضة.
(وَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ) مَنْ كان متوضِّئًا، وهذا وصله البيهقيُّ وابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ، وهو مذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ وأبي حنيفة والجمهور؛ خلافًا للأوزاعيِّ، قال: لضعف طهارته. نعم؛ لا تصحُّ ممَّن [7] تلزمه الإعادة، كمقيمٍ تيمَّم لعدم الماء عند الشَّافعيَّة.
(وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ: (لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى السَّبَخَةِ) بالمُهمَلة والمُوحَدة والخاء المُعجَمة المفتوحات: الأرض المالحة التي لا تكاد تنبت (وَ) كذا (التَّيَمُّمِ) [8] بالجر عطفًا على سابقه [9] (بِهَا) واحتجَّ ابن خزيمة لذلك بحديث عائشة رضي الله عنها: أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت دار هجرتكم
ج1ص373
سبخةً ذات نخلٍ» يعني: المدينة، قال: وقد سمَّى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينة: «طيبة» فدل على أنَّ السَّبخة داخلةٌ في الطِّيب، ولم يخالف في ذلك إلَّا إسحاق بن رَاهُوْيَه.
ج1ص374


[1] في غير (د) و(م): «عن».
[2] في غير (ب) و(س): «توضَّأت» والمثبت موافقٌ لما في «الفتح» (1/532).
[3] في غير (م): «عن»، وهو تحريفٌ.
[4] في (م): «كالوضوء».
[5] في (م): «ضروريَّة».
[6] «ابن»: سقط من (ص).
[7] في (م): «لمن».
[8] في هامش(ص): (قوله: «وكذا التَّيمُّم» أي: وكذا لا بأس بالتَّيمُّم، فـ «التَّيمُّم» مجرور عطفًا على «الصَّلاة» كما نُقِل عن البرهان الحلبيِّ، لكنَّ ظاهر كلام الشَّارح يقتضي أنَّه مرفوعٌ على الابتداء وما بعده خبرٌ، والجملة مستأنفةٌ). انتهى عجمي.
[9] «بالجرِّ عطفًا على سابقه»: مثبتٌ من (م).