إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إنما كان يكفيك هكذا

338- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ) بفتح الحاء والكاف، ابن عُتَيْبَة؛ بضمِّ العين وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة وفتح المُوحَّدة (عَنْ ذَرٍّ) بفتح الذَّال المُعجَمة وتشديد الرَّاء، ابن عبد الله الهمْدانيِّ؛ بسكون الميم (عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى) بفتح الهمزة وسكون المُوحَّدة وبالزَّايِ المفتوحة مقصورًا، و«سعيدٍ» بكسر العين (عَنْ أَبِيهِ) عبد الرَّحمن، الصَّحابيِّ الخزاعيِّ الكوفيِّ (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) وفي رواية الطَّبرانيِّ: من أهل البادية (إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ) بفتح الهمزة؛ أي: صرت جنبًا (فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ) بضمِّ الهمزة، من الإصابة؛ أي: لم [1] أجده (فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ) العنْسيُّ؛ بالنُّون السَّاكنة، وكان من السَّابقين الأوَّلين، وهو وأبوه شهد المشاهد كلَّها، وقال عليه الصلاة والسلام: «إنَّ عمَّارًا مُلِىءَ إيمانًا» أخرجه التِّرمذيُّ، واستأذن عليه، فقال له: «مرحبًا بالطَّيِّب المُطيِّب»، وقال: «من عادى عمَّارًا عاداه الله، ومن أبغض عمَّارًا أبغضه الله»، له في «البخاريِّ» أربعة أحاديث، منها: قوله هنا (لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين (أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا) وللأَصيليِّ: ((إذ)) (كُنَّا فِي سَفَرٍ) ولـ «مسلمٍ»: في سريَّةٍ، وزاد [2]: فأجنبنا (أَنَا وَأَنْتَ) تفسيرٌ لضمير الجمع في: «كنَّا»، وهمزة «أَمَا» للاستفهام، وكلمة «ما» للنَّفي، وموضع «أنَّا كنَّا» نصبُ مفعولِ «تذكر» (فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ) أي: لأنَّه كان يتوقَّع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت، أو لاعتقاد أنَّ التَّيمُّم عن الحدث الأصغر لا الأكبر، وعمَّارٌ قاسه عليه (وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ) أي: تمَّرغت في التُّراب، كأنَّه لمَّا رأى أنَّ التَّيمَّم إذا وقع بدل الوضوء وقع على هيئة الوضوء، رأى [3] أنَّ التَّيمُّم
ج1ص370
عنِ الغسل يقع على هيئة الغسل (فَصَلَّيْتُ فَذَكَرْتُ ذلك لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) ولغير أبوَي ذَرٍّ والوقت [4] وابن عساكر: ((فذكرت [5] للنَّبيِّ)) بإسقاط لفظ: «ذلك» (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) وللأَصيليِّ: ((فقال صلى الله عليه وسلم)): (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ [6] هَكَذَا [7]) بالكاف بعد الهاء، وللحَمُّويي والمُستملي: ((هذا)) (فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم بِكَفَّيْهِ [8]) ولأبي ذَرٍّ: ((فضرب بكفَّيه)) (الأَرْضَ) وللأَصيليِّ: ((في الأرض)) (وَنَفَخَ فِيهِمَا) نفخًا؛ تخفيفًا [9] للتُّراب، وهو محمولٌ على أنَّه كان كثيرًا (ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ) إلى الرُّسغين [10]، وهذا مذهب أحمد فلا يجب عنده المسح إلى المرفقين، ولا الضَّربة الثَّانية للكفَّين، واستُشكِل: بأنَّ ما يمسح به وجهه يصير مُستعمَلًا، فكيف يمسح به كفَّيه؟ وأُجيب: بأنَّه يمكن أن يمسح الوجه ببعض الكفَّين، والكفَّين بباقيهما، والمشهور عند المالكيَّة: وجوب ضربتين والمسح إلى المرفقين، واختُلِف عندهم إذا اقتصر على الرُّسغين وصلَّى فالمشهور: أنَّه يعيد في الوقت، ومذهب أبي حنيفة والشَّافعيِّ _وصحَّحه النَّوويُّ رحمه الله_: وجوبُ [11] ضربةٍ لمسح وجهه، وأخرى ليديه، والمسح إلى المرفقين، قياسًا على الوضوء لحديث أبي داود: «أنَّه صلى الله عليه وسلم تيمَّم بضربتين؛ مسح بإحداهما وجهه». وروى الحاكم والدَّارقُطنيُّ عن ابن عمر عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال [12]: «التَّيمُّم ضربتان: ضربة للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين»، و«إلى» هنا بمعنى «مع»، والقياس على الوضوء دليلٌ على أنَّ المُراد بقوله في حديث عمَّارٍ: «وكفَّيه» أي: إلى المرفقين، وصحَّح الرَّافعيُّ الاكتفاء بضربةٍ لحديث الباب، والأوَّل أصحُّ مذهبًا، والثَّاني أصحُّ دليلًا، وأمَّا حديث الدَّارقُطنيِّ والحاكم: «التَّيمُّم ضربتان...» إلى آخره فالصَّواب وَقْفَه على ابن عمر، وأمَّا حديث أبي داود فليس بالقويِّ، وقضيَّة حديث عمَّار: الاكتفاء بمسح الوجه والكفَّين وهو قولٌ قديمٌ، قال في «المجموع»: وهو وإن كان مرجوحًا عند الأصحاب، فهو القويُّ في الدَّليل، كما قال الخطَّابيُّ: الاقتصار على الكفَّين أصحُّ في الرِّواية، ووجوب الذِّراعين أشبه بالأصول وأصحُّ في القياس، ولو كان التُّراب ناعمًا كفى وضع اليد عليه من غير ضربٍ، وفي الحديث: أنَّ مسح الوجه واليدين بدلٌ من [13] الجنابة عن كلِّ البدن، وإنَّما لم يأمره بالإعادة لأنَّه عمل أكثر ممَّا كان [14] يجب عليه في التَّيمُّم.
ورواة هذا [15] الحديث الثَّمانية ما بين خراسانيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وثلاثةٌ من الصَّحابة، وأخرجه المؤلِّف رحمه الله في «الطَّهارة»، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
ج1ص371


[1] في (ص): «ما».
[2] «وزاد»: ليس في (م).
[3] في (ص): «أي».
[4] زيد في غير (م): «والأصيليِّ»، وليس بصحيحٍ.
[5] في غير (د): «فذكرته»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[6] في هامش (ص): (قوله: «إنَّما كان يكفيك» والأصل: يكفيك مثل هذا، فقدَّم حرف التَّنبيه على الكاف، كما نبَّه عليه المعرب في قوله تعالى: {أَهَكَذَا عَرْشُكِ} [النَّمل: 42] حيث قال: فُصِلَ بحرف الجرِّ بين حرف التَّنبيه واسم الإشارة، والأصل: «أهكذا؟» أي: «أمثل هذا؟» ولا يجوز ذلك في غير الكاف، لو قلت: «أبهذا مررت؟»، و«لهذا فعلت؟» لم يجز أن يُفصَل بحرف الجرِّ بين «ها» و«ذا»، فلا نقول: «أها بذا مررت؟ أها لذا فعلت؟». انتهى. ثمَّ قال: قوله: «إنَّما كان يكفيك هكذا» يحتمل أنَّ اسم «كان» ضمير الشَّأن، و«هكذا» فاعل «يكفيك»، والجملة مُفسِّرةٌ لضمير الشَّأن؛ أي: إنَّما كان الشَّأن يكفيك مثل هذا الفعل المُشار إليه، ويحتمل أنَّ «هكذا» اسم «كان»، و«يكفيك» خبرها، وفيه ضميرٌ عائدٌ على اسم «كان»، وعلى الاحتمالين: يحتمل أن تكون الكاف اسمًا مضافًا لاسم الإشارة، ويحتمل أن يكون حرف جرٍّ، وهي ومجرورها صفةٌ لمحذوفٍ دلَّ عليه السِّياق، هو اسم «كان» أو فاعل «يكفي»). انتهى تقرير. الشَّيخ عليّ الأجهوري.
[7] في هامش (ص): (قوله: «هكذا»: «ها» حرف تنبيهٍ، و«الكاف» يحتمل أن يكون اسمًا على مذهب الأخفش والفارسيِّ؛ بمعنى «مثل» في محلِّ رفعِ فاعل «يكفيك»، وهو مضافٌ إلى اسم الإشارة، ويحتمل أن يكون حرف جرٍّ للتَّشبيه، وهي ومجرورها في محلِّ رفعٍ على الفاعليَّة، أو صفةٌ لفاعلٍ مُقدَّرٍ يدلُّ عليه السِّياق). انتهى تقرير.
[8] «بكفَّيه»: سقط من (د).
[9] في (ص) و(م): «خفيفًا».
[10] في هامش (ص): (قوله: «إلى الرُّسغين» بالضَّمِّ؛ منتهى الكفِّ عند المفصل، كذا في «التَّقريب»، وعبارة «المصباح»: الرُّسُغ من الإنسان: مفصلٌ ما بين الكفِّ إلى السَّاعد، والقدم إلى السَّاق، وضمُّ السِّين للإتباع لغةٌ، والجمع: أرساغٌ). انتهى.
[11] في (د): «يضرب».
[12] «قال»: سقط من (د).
[13] في غير (ص) و(م): «في».
[14] «كان»: سقط من (د).
[15] «هذا»: سقط من (د).