إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي

335- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المُهمَلة وتخفيف النُّون، زاد الأَصيليُّ: ((هو العَوَقِيُّ)) بفتح العين المُهمَلة والواو وكسر القاف، الباهليُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي روايةٍ: ((أخبرنا)) (هُشَيْمٌ) [1] بضمِّ الهاء وفتح المُعجَمة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، ابن بشيرٍ _بفتح المُوحَّدة وكسر المُعجَمة_ الواسطيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثمانين ومئةٍ.
(ح) مُهمَلةٌ للتَّحويل _كما مرَّ_: (قَالَ) أي: البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: ((وحدَّثنا)) (سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون المُعجَمة، أبو عثمان البغداديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ) المذكور (قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ) بفتح السِّين المُهمَلة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره راءٌ، ابن أبي سيَّارٍ وَردان [2] الواسطيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة، زاد في غير رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر كما في الفرع: ((هو ابن صهيبٍ)) (الْفَقِيرُ) لأنَّه كان يشكو فقار ظهره، الكوفيُّ، أحد مشايخ أبي حنيفة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي روايةٍ: ((حدَّثنا)) (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ: أُعْطِيتُ) بضمِّ الهمزة (خَمْسًا) أي: خمس خصالٍ، وعند مسلمٍ من حديث أبي هريرة: «فُضِّلتُ [3] على الأنبياء بستٍّ [4] » ولعلَّه اطلَّع أوَّلًا على بعض ما اختُصَّ به، ثمَّ اطَّلع على الباقي، وإلَّا فخصوصيَّاته عليه الصلاة والسلام كثيرةٌ، والتَّنصيص على عددٍ لا يدلُّ على نفيِ ما عداه، وقد استوفيتُ من الخصائص جملةً كافيةً مع مباحثَ وافيةٍ في كتاب [5]: «المواهب اللَّدنيَّة بالمنح المحمَّدية» ولله الحمد، وفي حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عند أحمد [6]: أنَّه صلى الله عليه وسلم قال ذلك عام غزوة تبوك (لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ) من الأنبياء (قَبْلِي) زاد في حديث ابن عبَّاسٍ: «لا أقولهنَّ فخرًا»، وظاهر الحديث أنَّ كلَّ واحدٍ من الخمس لم يكن لأحدٍ قبله، وهو كذلك (نُصِرْتُ) بضمِّ النُّون وكسر الصَّاد (بِالرُّعْبِ) بضمِّ الرَّاء: الخوف يُقذَف في قلوب أعدائي (مَسِيرَةَ شَهْرٍ) جعل الغاية شهرًا لأنَّه لم يكن بين بلده وبين أحدٍ من أعدائه أكثر منه (وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ) كلُّها (مَسْجِدًا) بكسر الجيم: موضع سجود، لا يختصُّ السُّجود منها [7] بموضعٍ دون آخر، أو [8] هو مجازٌ عنِ المكان المبنيِّ للصَّلاة، وهو من مجاز التَّشبيه؛ إذِ المسجد حقيقةٌ عرفيَّة في المكان المبنيِّ للصَّلاة، فلمَّا جازتِ الصَّلاة في الأرض كلِّها كانت كالمسجد في ذلك، فأُطلِق عليها اسمه، فإن قلت: أيُّ داعٍ إلى العدول عن حمله على حقيقته اللُّغويَّة وهي موضع السُّجود؟ أجاب في «المصابيح» بأنَّه إن بُنِيَ على قول سيبويه _أنَّه إذا أُرِيد به [9] موضع السُّجود؛ قِيلَ: مسجَدٌ؛ بالفتح فقط_ فواضحٌ، وإن جُوِّز الكسر فيه فالظَّاهر أنَّ الخصوصيَّة هي كون الأرض محلًّا لإيقاع الصَّلاة بجملتها لا لإيقاع السُّجود فقط، فإنَّه لم يُنقَل عنِ الأمم الماضية أنَّها كانت تخصُّ السُّجود بموضعٍ دون موضعٍ. انتهى. نعم؛ نُقِلَ ذلك في رواية عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا: «وكان من قبل إنَّما يصلُّون في كنائسهم» وهذا نصٌّ في موضع النِّزاع، فثبتت [10] الخصوصيَّة، ويؤيِّده ما أخرجه البزَّار من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما نحو حديث الباب، وفيه: «ولم يكن من الأنبياء أحدٌ يصلِّي حتَّى يبلغ محرابه»، وعموم ذكر الأرض في حديث الباب مخصوصٌ بما نهى الشَّارع عن [11] الصَّلاة فيه، ففي حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه مرفوعًا: «الأرض كلُّها مسجدٌ إلَّا المقبرة والحمَّام» رواه أبو داود، وقال التِّرمذيُّ: حديثٌ فيه اضطرابٌ، ولذا [12] ضعَّفه غيره، وفي حديث ابن عمر عند التِّرمذيِّ وابن ماجه: نهى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُصلَّى في سبعة مواطن: «في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطَّريق وفي الحمَّام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله عزَّ وجلَّ». قال التِّرمذيُّ: إسناده ليس بالقويِّ [13]، وقد تُكلِّم في زيد بن جبيرة من قِبَلِ حفظه [14] (وَ) جُعِلَت ليَ الأرض (طَهُورًا) بفتح الطَّاء على المشهور، واحتجَّ به مالكٌ وأبو حنيفة على جواز التَّيمُّم بجميع أجزاء الأرض، لكن في حديث حذيفة عند مسلمٍ: «وجُعِلت لنا الأرض كلُّها مسجدًا، وجُعِلَت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء»، وهو خاصٌّ فيُحمَل العامُّ عليه، فتختصُّ الطَّهوريَّة
ج1ص367
بالتُّراب، وهو قول الشَّافعيِّ وأحمد في الرِّواية الأخرى عنه، ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ: «التُّربة» على خصوصيَّة التَّيمُّم بالتُّراب، فقال: تربة كلِّ مكانٍ ما فيه من ترابٍ أو غيره، وأُجيب: بأنَّه ورد في [15] الحديث المذكور بلفظ: «التُّراب» رواه ابن خزيمة وغيره، وفي حديث عليٍّ عند أحمد والبيهقيِّ بإسنادٍ حسنٍ: «وجُعِلَ التُّراب لي طهورًا» (فَأَيُّمَا رَجُلٍ) كائنٍ (مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ) جملةٌ في موضع جرٍّ صفةٌ لـ «رجلٍ»، و«أيُّ»: مبتدأٌ فيه معنى الشَّرط، زِيد عليها «ما» لزيادة التَّعميم، و«رجلٍ» مضافٌ إليه، وفي رواية أبي أمامة عند البيهقيِّ: «فأيُّما رجلٍ من أمَّتي أتى الصَّلاة فلم يجد ماءً [16]؛ وجد الأرض طهورًا ومسجدًا» وعند أحمد: «فعنده طهوره ومسجده» (فَلْيُصَلِّ) خبر المبتدأ؛ أي: بعد أن يتيمَّم، أو حيث أدركته الصَّلاة (وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنائِمُ) جمع: غنيمةٍ، وهي ما حُصِّل من الكفَّار بقهرٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ كمسلمٍ: ((المغانم)) بميمٍ قبل الغين (وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي) لأنَّ منهم من لم يُؤذَن له في الجهاد أصلًا، فلم يكن له مغانمُ، ومنهم من أُذِنَ له فيه لكن كانتِ الغنيمة حرامًا عليهم بل تجيء نارٌ تحرقها (وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ) العظمى، أو لخروج من في قلبه مثقال ذرَّةٍ من إيمانٍ، أو التي لأهل الصَّغائر والكبائر، أو من ليس له عملٌ صالحٌ إلَّا التَّوحيد، أو لرفع الدَّرجات في الجنَّة، أو في إدخال قومٍ الجنَّة بلا حسابٍ (وَكَانَ النَّبِيُّ) غيري (يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ) المبعوث إليهم (خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً) قومي وغيرهم من العرب والعجم والأسود والأحمر، وفي رواية أبي هريرة عند «مسلمٍ»: «وأُرسِلت إلى الخلق كافَّةً» وهي أصرح الرِّوايات وأشملها، وهي مؤيِّدةٌ لمن ذهب إلى إرساله عليه الصلاة والسلام إلى الملائكة كظاهر آية «الفرقان» {لِيَكُونَ لِلعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1].
ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وبغداديٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والتَّحويل من سندٍ إلى آخر، وأخرجه أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦438] ببعضه، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الطَّهارة» و«الصَّلاة».
ج1ص368


[1] في هامش (ص): (قوله: «هُشَيْمٌ» وكنيته أبو خازمٍ؛ بالخاء المُعجَمة والزَّايِ، جاء رجلٌ من العراق يذاكر مالكًا الحديث، فقال مالكٌ: وهل بالعراق أحدٌ يحسن يحدِّث إلَّا ذاك الواسطيُّ؟ يعني: هشيمًا، وهو أحد أئمَّة الحديث، وقال ابن عونٍ: مكث هشيمٌ يصلِّي الصبح بوضوء العشاء الآخرة قبل أن يموت عشر سنين).
[2] في هامش (ص): (قوله: «وَردان» بفتح الواو، ويُكنَّى أبا الحكَم؛ بفتح الكاف). انتهى.
[3] في هامش (ص): (قوله: «فُضِّلت» قال ابن عبَّادٍ: حيث صرَّح صلى الله عليه وسلم بسبب تفضيله عليه السلام على الأنبياء فذاك ظاهرٌ، وأمَّا إذا قال: «أعطاني الله كذا»، أو «خصَّني بكذا» فلا يكون هذا سببًا لفضله، كما ورد: أنَّ الماء نبع من بين أصابعه عليه السلام، ونبع الماء من الحجر لموسى، فإذا قُوبِل بينهما كانت معجزته عليه السلام أعظم من معجزة موسى؛ لأنَّ الله تعالى قال: {وَإِنَّ مِنَ الحِجَارَةِ} [البقرة: 74]، فلا يجوز لنا أن نأخذ الفضيلة من هذا لعدم تصريحه عليه السلام بذلك، قال: لأنَّ الله لا يرضى بما لم يقله، وكذلك المُفضَّل والمُفضَّل عليه، قال رحمه الله: ولا أقول هذا بمنزلة من هدم قصرًا وبنى آخر، بل هو بمثابة من بنى القصرين جميعًا). انتهى تقرير العلَّامة البابليِّ.
[4] «بستٍّ»: سقط من (م).
[5] في (ب) و(س): «كتابي».
[6] «عند أحمد»: سقط من (د)، والحديث في المسند (7068).
[7] في (ص) و(م): «منه».
[8] في (ص) و(م): «و».
[9] «به»: ليس في (ص).
[10] في (ب) و(س): «فتثبت».
[11] في (م): «من».
[12] في (د): «وكذا».
[13] في (د): «إسناده ليِّنٌ، ليس بذاك القويِّ»، وفي (م): «بذاك القويِّ».
[14] قوله: «وعموم ذكر الأرض في حديث... في زيد بن جبيرة من قبل حفظه» سقط من (ص).
[15] «في»: ليس في (م).
[16] في (م): «الماء».