إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لأقضين بينكما بكتاب الله أما الوليدة والغنم فرد عليك

2695- 2696- وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمَّد بن عبد الرَّحمن ابن أبي ذئب قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعودٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) أنَّهما (قَالَا: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ) القرآن أو بحكم الله مطلقًا، والثَّاني أَولى؛ لأنَّ النَّفي والرَّجم ليسا في القرآن، نعم، يُؤخَذ من الأمر بطاعة الرَّسول في قوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] ونحوه، وفي حديث عبادة بن الصَّامت عند مسلم مرفوعًا: «خذوا عنِّي خذوا عنِّي، قد جعل الله لهنَّ سبيلًا، البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة، والثَّيِّب بالثَّيِّب جلد مئة والرَّجم» فوضَّح دخوله تحت السَّبيل المذكور في الآية فيصير التَّغريب في القرآن من هذا الوجه، لكنَّ زيادة الجلد مع الرَّجم منسوخٌ [1] بأنه صلَّى الله عليه وسلَّم رجَم من غير جلد، ولا ريب أنَّه عليه الصلاة والسلام إنَّما يحكم بكتاب الله، فالمراد: أن يفصل بينهما بالحكم الصَّرف لا بالصُّلح؛ إذ للحاكم أن يفعل ذلك برضا الخصوم (فَقَامَ خَصْمُهُ) هو في الأصل مصدر خصمه يخصمه، إذا نازعه وغالبه، ثمَّ أُطلِق على المخاصِم وصار اسمًا له، ولذا يُطلَق على الواحد والاثنين والأكثر بلفظ واحد، مذكَّرًا كان المخاصم أو مؤنَّثًا، لأنَّه بمعنى: ذو، كذا على قول البصريِّين في: رجل عَدْل ونحوه، قال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [ص: 21] وربما ثُنِّي وجُمِعَ؛ نحو: {لَا تَخَفْ خَصْمَانِ} [ص: 22] ولم يُسَمَّ هذا الخصم (فَقَالَ: صَدَقَ، اقْضِ) وللأَصيليِّ وأبوي الوقت وذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ والمُستملي: ((فاقضِ)) (بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: إِنَّ ابْنِي) لم يُسَمَّ (كَانَ عَسِيفًا) وفي «الشروط» [خ¦2724] «فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه. نعم» [2]، فاقضِ بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «قل» قال: «إنَّ ابني كان عسيفًا»، وظاهر هذه الرِّواية أنَّ القائل: «إنَّ ابني كان عسيفًا» هو الثَّاني لا الأوَّل، وجزم الكرمانيُّ: بأنَّه الأوَّل لا الثَّاني، ولعلَّه تمسَّك بقوله هنا. «فقال الأعرابيُّ: إن ابني» لكنْ قال الحافظ ابن حجرٍ: إنَّ قوله: «فقال الأعرابيُّ: إنَّ ابني» زيادةٌ شاذَّةٌ، وإنَّ المحفوظ في سائر الطُّرق غير ما هنا. انتهى. والعسيف _بالسِّين المهملة المخفَّفة والفاء_ أي: أجيرًا (عَلَى هَذَا) لم يقل: لهذا، ليُعلَم أنَّه أجير ثابتُ الأجرة عليه لكونه لابس العمل وأتمَّه (فَزَنَى) ابني (بِامْرَأَتِهِ) لم تُسَمَّ (فَقَالُوا لِي: عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ) أي: إن كان بكرًا واعترف (فَفَدَيْتُ ابْنِي مِنْهُ بِمِئَةٍ مِنَ الْغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ) أي: جارية «ومِنْ» في قوله: «منه» للبدليَّة، كما في قوله تعالى: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} [التَّوبة: 38] أي: بدل الآخرة (ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ) الصَّحابة الذين كانوا
ج4ص420
يفتون في عصره صلَّى الله عليه وسلَّم، وهم الخلفاء الأربعة وثلاثة من الأنصار أُبيُّ ابن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت، وزاد ابن سعد في «الطَّبقات»: عبد الرَّحمن بن عوف (فَقَالُوا: إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ) بإضافة «جلدُ» لـ «مئةٍ» في الفرع اليونينيِّ، وفي الفرع المقروء على الميدوميِّ: ((جلدٌ)) بالتنوين ((مئةً)) بالنَّصب على التمييز، وقال القاضي عياض: إنَّه رواية الجمهور، قال: وجاء عن الأَصيليِّ: ((جلدةُ مئةٍ)) بالإضافة مع إثبات الهاء، يعني: بإضافة المصدر إلى ضمير الغائب العائد على الابن، من باب: إضافة المصدر إلى المفعول، قال: وهو بعيدٌ، إلَّا أن ينصب «مئة» على التَّفسير، أو يضمر المضاف، أي: إلى [3] عدد مئة، أو نحو ذلك (وَتَغْرِيبُ عَامٍ) ونفي عن البلد الَّذي وقعت فيه الجناية [4] (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ) أي: بحكمه (أَمَّا الْوَلِيدَةُ) الجارية (وَالْغَنَمُ) اللَّذان افتديتَ بهما ابنك (فَرَدٌّ) أي: مردود (عَلَيْكَ) فأطلق المصدر على المفعول، ولأبوي الوقت وذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((فَتُرَدُّ)) على صيغة المجهول من المضارع، قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على أنَّ ما أُخِذَ بالمعاوضة الفاسدة يجب ردُّه، ولا يملك (وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ) بالإضافة فيهما، وزاد في «باب إذا رمى امرأته أو امرأة غيره بالزِّنى عند الحاكم» [خ¦6842] من حديث عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن ابن شهاب: «وجلد ابنه مئة وغرَّبه عامًا» (وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ لِرَجُلٍ) من أسلم _وهو بضمِّ الهمزة وفتح النُّون مصغَّرًا_ هو أُنَيس بن الضَّحَّاك الأسلميُّ [5] لا ابن مرثد ولا خادمه عليه الصلاة والسلام (فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا) أي: ائتها غدوةً أو امشِ إليها (فَارْجُمْهَا) أي: إن اعترفت كما في الرِّواية الأخرى [خ¦6633] (فَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ فَرَجَمَهَا) بعد أن اعترفت، وإنَّما خصَّ عليه الصلاة والسلام أُنَيسًا بهذا الحكم؛ لأنَّه من قبيلة المرأة، وقد كانوا ينفرون من حكم غيرهم، لكنْ في بعض الرِّوايات: «فاعترفت [6]، فأمر بها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فرُجِمَت» قال القرطبيُّ: وهو يدلُّ على أنَّ أُنَيسًا إنَّما كان رسولًا؛ ليسمع إقرارها، وأنَّ تنفيذ الحكم كان منه عليه الصلاة والسلام، ويُشْكِل عليه كونه اكتفى في ذلك بشاهد واحد. وأُجيبَ: بأنَّ قوله: «فاعترفت فأمر بها فرُجِمَت» هو [7] من رواية اللَّيث عن الزُّهريِّ، وقد رواه عن الزُّهريِّ مالك بلفظ: «فاعترفت فرجمها» لم يقل: «فأمر بها النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فرجمت» وعند التَّعارض فحديث مالك أَولى لما تقرَّر من ضبط مالك وخصوصًا في حديث الزُّهريِّ، فإنَّه من أعرف النَّاس به، فالظَّاهر أنَّ أُنَيسًا كان حاكمًا، ولئن سلَّمنا أنَّه كان رسولًا؛ فليس في الحديث نصٌّ على انفراده بالشَّهادة، فيحتمل أنَّ غيره شهد عليها.
وبقيَّة مباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في «كتاب الحدود» [خ¦6827] وقد سبق بعض الحديث في «باب الوكالة في الحدود» من «كتاب الوكالة» [خ¦2315] ومطابقته لما تُرجِم له [8] في قوله: «أمَّا الوليدة والغنم فردٌّ عليك» لأنَّه في معنى الصُّلح عمَّا وجب على العسيف من الحدِّ، ولم [9] يكن ذلك جائزًا في الشَّرع، فكان جورًا.
ج4ص421


[1] في (ب) و(س): «منسوخةٌ».
[2] «نعم»: سقط من (م).
[3] في (ب) و(س): «مضاف أي».
[4] في (م): «الخيانة».
[5] «الأسلميُّ»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[6] «فاعترفت»: سقط من (د).
[7] «هو»: ليس في (د1) و(ص).
[8] في (ب): «به».
[9] في (ص): «وإن لم».