إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: يتركون المدينة على خير ما كانت

1874- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة
ج3ص333
الحمصيُّ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) ولأبي الوقت: ((عن سعيد بن المُسيَّب)): (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: يَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة في «يتركون» في فرع [1] «اليونينيَّة»، وبالفوقيَّة على الخطاب في غيره، قال الحافظ ابن حجرٍ: الأكثر على الخطاب، والمراد بذلك: غير المخاطبين، لكنَّهم من أهل البلد، أو من نسل المخاطبين، أو من نوعهم، قال: ورُوِي بياء الغيبة، ورجَّحه القرطبيُّ، قال في «المصابيح»: وفي كلام القرطبيِ إشعارٌ ما [2] بأنَّ رواية البخاريِّ ليست بتاء الخطاب. انتهى. وقد ثبت [3] بتاء الخطاب، فلا عبرة بما يشعِره كلام القرطبيِّ.
(عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ) من العمارة وكثرة الأثمار [4] وحسنها، وفي «أخبار المدينة» لعمر بن شَبَّة: أنَّ ابن عمر أنكر على أبي هريرة [5] قوله: «خير ما كانت»، وقال: إنَّما قال صلى الله عليه وسلم: «أعمر ما كانت» وأنَّ أبا هريرة صدَّقه على ذلك (لَا يَغْشَاهَا) بالغين المعجمة: لا يسكنها (إِلَّا الْعَوَافِ) بفتح العين المهملة والواو آخره [6] فاءٌ من غير ياءٍ، جمع عافيةٍ: التي تطلب أقواتها، ولأبي ذرٍّ: ((إلا عوافي)) بحذف «ال» وبالمُثنَّاة التَّحتيَّة بعد الفاء (_يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ_) بنصب ياء «عوافي»، قال القاضي عياضٌ: هذا جرى في العصر الأوَّل وانقضى، وقد تُرِكت المدينة على [7] أحسن ما كانت حين انتقلت الخلافة منها إلى الشَّام، وذلك خيرُ ما كانت للدِّين لكثرة العلماء بها، وللدُّنيا لعمارتها واتِّساع حال أهلها، وذكر الإخباريُّون في بعض الفتن التي جرت في المدينة [8]: أنَّه رحل عنها أكثر النَّاس وبقيت أكثر ثمارها للعوافي، وخلت مدَّةً، ثمَّ تراجع النَّاس إليها، وقال النَّوويُّ: المختار أنَّ هذا التَّرك يكون في آخر الزَّمان عند قيام السَّاعة، ويوضِّحه قصَّة الرَّاعِيَين، فقد وقع عند مسلمٍ: «ثمُّ يُحشَر راعيان»، وفي «البخاريِّ»: «أنَّهما آخر من يُحشَر» [خ¦1874] وقال أبو عبد الله الأبيُّ: وهذا لم يقع، ولو وقع لتواتر، بل الظَّاهر أنَّه لم يقع بعد، ودليل المعجزة يوجب القطع بوقوعه في المستقبل إن صحَّ الحديث، وأنَّ الظَّاهر أنَّه بين يدي نفخة الصَّعق كما يدلُّ عليه موت الرَّاعِيَين. انتهى. ومراده بالرَّاعِيين المذكوران [9] في قوله: (وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه؛ أي: آخر من يموت فيُحشَر لأنَّ الحشر بعد الموت، ويحتمل أن يتأخَّر حشرهما لتأخُّر موتهما، ويحتمل أنَّ آخر من يُحشَر إلى المدينة؛ أي: يُساق إليها؛ كما في لفظ رواية مسلمٍ (رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ) بضمِّ الميم وفتح الزَّاي المعجمة: قبيلةٌ من مضر (يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ يَنْعِقَانِ) بكسر العين المهملة وبعدها قافٌ، ماضيه [10] «نعَق» بفتحها؛ أي: يصيحان (بِغَنَمِهِمَا) ليسوقاها، وذلك عند قرب السَّاعة وصعقة الموت (فَيَجِدَانِهَا) أي: يجدان المدينة (وُحُوشًا) بالجمع؛ أي: ذات وحوشٍ لخلوِّها من سكَّانها، ولغير الأربعة: ((وحشًا)) بالإفراد؛ أي: خاليةً ليس بها أحدٌ، والوحش من الأرض: الخلاء، وقد يكون وحشًا بمعنى: وحوشٍ، وأصل الوحش: كلُّ شيءٍ توحَّش من الحيوان، وجمعه وحوشٌ، وقد يُعبَّر بواحده عن جمعه، وحينئذٍ فالضَّمير للمدينة، وعن ابن المرابط: أنَّه للغنم؛ أي: انقلبت الغنم وحوشًا، والقدرة صالحةٌ، أو المعنى: أنَّ الغنم صارت متوحِّشةً تنفر من أصوات الرُّعاة، وأنكره القاضي وصوَّب النَّوويُّ الأوَّل.
(حَتَّى إِذَا بَلَغَا) أي: الرَّاعيان (ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ) التي كان يُشيَّع إليها ويُودَّع عندها وهي من جهة الشَّام (خَرَّا) بفتح المعجمة وتشديد الرَّاء؛ أي: سقطا (عَلَى وُجُوهِهِمَا) ميتين، ثمَّ إنَّ قوله: «وآخر من يُحشَر...» إلى آخره، يحتمل أن يكون حديثًا آخر غير الأوَّل لا تعلُّق له به، وأن يكون من بقيَّته، وعليهما يترتَّب الاختلاف السَّابق عن عياضٍ والنَّوويِّ، والله أعلم، وقد أخرج الحديثَ مسلمٌ.
ج3ص334


[1] «فرع»: ليس في (ص).
[2] «ما»: ليس في (د).
[3] في (د): «ثبتت».
[4] في (د): «وكثرة الأشجار»، وفي غير (س): «وكثرة الأثمار».
[5] زيد في (د): «في».
[6] في غير (د) و(س): «وآخره».
[7] زيد في غير (د): «ما»، وليس بصحيحٍ.
[8] في (د): «بالمدينة».
[9] في (د): «المذكورين»، وليس بصحيحٍ.
[10] في غير (د): «ماضي»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.