إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: صلى الله على محمد لقد نزلنا معه هاهنا ونحن يومئذ خفاف

1796- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ) غير منسوبٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وفي رواية كريمة: ((حدَّثنا أحمد بن عيسى)) وفي رواية أبي ذرٍّ: ((حدَّثنا أحمد بن صالحٍ)) والأوَّل: هو التُّستريُّ [1]، المصريُّ الأصل، والثَّاني: هو ابن الطَّبريِّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبدُ الله قال: (أَخْبَرَنَا عَمْرٌو) بفتح العين هو ابن الحارث (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) محمَّد بن عبد الرَّحمن المشهور بيتيم عروة بن الزُّبير (أَنَّ عَبْدَ اللهِ) بن كيسان (مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنهما (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ تَقُولُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِالْحَجُونِ) بفتح الحاء وضمِّ الجيم المُخفَّفة وسكون الواو آخره نونٌ، قال التَّقيُّ الفاسيُّ في «تاريخ البلد الحرام»: هو جبلٌ بالمُعلَّى [2]؛ مقبرة أهل مكَّة على يسار الدَّاخل إلى مكَّة ويمين الخارج منها إلى منًى، على مقتضى ما ذكر [3] الأزرقيُّ والفاكهيُّ في تعريفه لأنَّهما ذكراه في شقِّ مُعلَّى مكَّة اليمانيِّ؛ وهو الجهة التي ذكرناها، وإذا كان كذلك فهو يخالف ما يقوله النَّاس: من أنَّ الحجون: الثَّنيَّة التي يهبط منها إلى مقبرة المَعْلَى [4]، وكلام المحبِّ الطَّبريِّ يوافق [5] ما [6] يقوله [7] النَّاس، وكنت قلَّدته في ذلك ثمَّ ظهر لي أنَّ ما قاله الأزرقيُّ والفاكهيُّ أَوْلى لأنَّهما بذلك أدرى، وقد وافقهما على ذلك إسحاق الخزاعيُّ راوي «تاريخ الأزرقيِّ»، ولعلَّ الحَجُون على مقتضى قول الأزرقيِّ والفاكهيِّ والخزاعيِّ: الجبل الذي يُقال فيه قبر ابن عمر، أو الجبل المقابل له الذي بينهما الشِّعب المعروف بشعب العفاريت [8]. انتهى.
ومقول قول أسماء [9]: (صَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ) ولأبي ذرٍّ: ((على رسوله محمَّدٍ)) (لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَهُنَا، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافٌ) بكسر الخاء المعجمة، جمع خفيفٍ، ولـ «مسلمٍ»: خفاف الحقائب، جمع حقيبةٍ؛ بفتح المهملة وبالقاف [10] والمُوحَّدة: ما احتقب الرَّاكب خلفه من حوائجه في موضع الرَّديف (قَلِيلٌ ظَهْرُنَا) أي: مراكبنا (قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا، فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ) أي: بعد أن فسخنا الحجَّ إلى العمرة (وَالزُّبَيْرُ) بن العوَّام (وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على تعيينهما [11]، وكأنَّها سمَّت
ج3ص276
بعض من عرفته ممَّن لم يسق الهدي (فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ) أي: مسحنا بركنه، وكنَّت بذلك عن الطَّواف؛ إذ هو من لوازم المسح عليه [12] عادةً، والمراد غير عائشة لأنَّها كانت حائضًا (أَحْلَلْنَا) أي: بعد السَّعي، وحُذِف اختصارًا، فلا حجَّة فيه لمن لم يوجب السَّعي لأنَّ أسماء أخبرت أنَّ ذلك كان [13] في حجَّة الوداع. وقد جاء من طرقٍ أخرى صحيحةٍ: أنَّهم طافوا معه وسعوا، فيُحمَل ما أُجْمِلَ على ما بُيِّن، ولم يذكر الحلق ولا التَّقصير، فاستدلَّ به على أنَّه استباحة محظورٍ، وأُجيب: بأنَّ عدم ذكره هنا لا يلزم منه ترك فعله؛ فإنَّ القصَّة واحدةٌ، وقد ثبت الأمر بالتَّقصير في عدَّة أحاديث، وهذا كقوله: لمَّا زنى فلانٌ رُجِم، والتَّقدير: لمَّا أحصن وزنى رُجِم، فإن قلت: في «مسلمٍ»: وكان مع الزُّبير هديٌ فلم يحلَّ، وهو مغايرٌ لما هنا؛ لذكرها الزُّبير مع من أحلَّ، أجاب النَّوويُّ: بأنَّ إحرام الزُّبير بالعمرة وتحلُّله منها كان في غير حجَّة الوداع (ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنَ الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ).
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» أيضًا.
ج3ص277


[1] في هامش (ص): (قوله: «التُّستريُّ»: إنَّما نُسبِ لـ «تستر» لأنَّه كان يتَّجر إليها، تُوفِّي سنة 243هـ. «عينيٌّ»).
[2] في (ب) و(س): «بالمُعلَّاة».
[3] في (د): «ذكره».
[4] في (د): «المُعلَّاة».
[5] قوله: «ما يقوله النَّاس: من أنَّ الحَجُون... وكلام المحبِّ الطَّبريِّ يوافق» ليس في (م).
[6] في (د): «موافقٌ لِما».
[7] في (ص): «يقول».
[8] في (ب) و(س): «الجزَّارين».
[9] في (ص) و(م): «عائشة»، وليس بصحيحٍ.
[10] في (د): «والقاف».
[11] هما عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، والله أعلم.
[12] «عليه»: ليس في (د).
[13] «كان»: ليس في (م).