إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرةً

1788- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ) بالفاء الأنصاريُّ المدنيُّ البخاريُّ، يُقال له: ابن صُفَيراء (عَنِ الْقَاسِمِ) بن [1] محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا) حال كوننا (مُهِلِّينَ) ولأبي ذرٍّ: ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلِّين)) (بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَحُرُمِ الْحَجِّ) بضمِّ الحاء والرَّاء: الحالات والأماكن والأوقات التي للحجِّ (فَنَزَلْنَا سَرِفَ) بفتح السِّين المهملة وكسر الرَّاء آخره فاءٌ وحذف المُوحَّدة، ولأبوي ذرٍّ والوقت: ((بسرف)) ولابن عساكر: ((فنزلنا منزلًا)) (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَصْحَابِهِ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا) أي: حجَّته (عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا) يفسخ الحجَّ إلى العمرة، وفي غير هذه الرِّواية [خ¦1572] أنَّ قوله عليه الصلاة والسلام لهم ذلك كان بعد دخوله مكَّة، فيحتمل التَّعدُّد، والعزيمة وقعت أخيرًا كما مرَّ قريبًا (وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجَالٍ) بالجرِّ عطفًا على المجرور (مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي قُوَّةٍ الْهَدْيُ) بالرَّفع اسم «كان» (فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً) مستقلَّةً لأنَّهم كانوا قارنين، و«عمرةً»: بالنَّصب خبر «كان» (فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يوم التَّروية كما في «مسلمٍ» (وَأَنَا أَبْكِي) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ لأَصْحَابِكَ مَا قُلْتَ، فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ) بضمِّ الميم مبنيًّا للمفعول، و«العمرةَ»: نُصِب بنزع الخافض، أي: من العمرة (قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ: لَا أُصَلِّي) لمانع الحيض، وهو من ألطف الكنايات (قَالَ: فَلَا يَضرّكِ) بضمِّ المعجمة وتشديد الرَّاء، أو بكسر الضَّاد وسكون الرَّاء، ولم يضبط ذلك في «اليونينيَّة» ولا في «فرعها» [2] (أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كُتِبَ عَلَيْكِ) بضمِّ كاف «كُتِب» مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: ((كَتَبَ اللهُ عليك)) (مَا كُتِبَ عَلَيْهِنَّ) من الحيض وغيره (فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ) بتاء التَّأنيث، ولأبي الوقت: ((في [3] حجِّك)) وعزاها في «الفتح» لأبي ذرٍّ (عَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِهَا) [4] أي: العمرة (قَالَتْ: فَكُنْتُ) في حجِّي [5] كما أمرني عليه الصلاة والسلام (حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ مِنًى [6]، فَنَزَلْنَا الْمُحَصَّبَ) وهو الأبطح، أي: بعد أن طَهُرت من الحيض وطافت للإفاضة (فَدَعَا) صلى الله عليه وسلم (عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بن أبي بكر الصِّدِّيق [7] رضي الله عنهما (فَقَالَ: اخْرُجْ بِأُخْتِكَ الْحَرَمَ) أي: من الحرم، فنصبه [8] على نزع الخافض، قال في «الفتح»: وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((من الحرم)) قال: وهو أوضح، والمرادُ الإخراجُ من أرض الحرم إلى الحلِّ (فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ) من التَّنعيم (ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا) فارجعا، فإنِّي (أَنْتَظِرْكُمَا هَهُنَا) يعني: المُحصَّب، قالت عائشة: (فَأَتَيْنَا) أي: بعد أن فرغنا من الاعتمار وتحلَّلنا (فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) إلى المُحصَّب، وللإسماعيليِّ: «من آخر اللَّيل» وهو أوفق ببقيَّة [9] الرِّوايات، وهذا لا تخالفه الرِّواية السَّابقة [خ¦1762] فلقيته مصعدًا وأنا منهبطةٌ، أو العكس لأنَّه كان خرج بعد ذهابها ليطوف للوداع فلقيها وهو صادرٌ بعد الطَّواف، وهي راحلةٌ لطواف عمرتها، ثمَّ لقيته بعد ذلك وهو بمنزله بالمُحصَّب، ويحتمل أنَّ لقاءه لها كان حين انتقل من المُحصَّب كما عند عبد الرَّزَّاق: أنَّه كره أن يقتدي النَّاس بإناخته بالبطحاء، فرحل حتَّى أناخ على ظهر العقبة، أو من ورائها ينتظرها، فيحتمل أن يكون لقاؤه لها كان في هذا الرَّحيل، وأنَّه المكان الذي عيَّنه لها في رواية الأسود [خ¦1762] حيث قال لها: موعدُكِ مكانَ كذا وكذا، قال في «الفتح»: وهذا تأويلٌ حسنٌ.
(فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فَرَغْتُمَا) من
ج3ص272
عمرتكما؟ قالت: (قُلْتُ: نَعَمْ) فرغنا (فَنَادَى بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) طواف الوداع، وهذا من عطف الخاصِّ على العام لأنَّ النَّاس أعمُّ من الطَّائفين ومن الذين لا طواف وداعٍ عليهم كالحائض [10]، أو هو صفةٌ لـ «النَّاس»، ويجوز توسُّط العاطف بين الصِّفة والموصوف لتأكيد لصوقها بالموصوف؛ نحو: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قَلَوبِهِم مَرَضٌ} [الأنفال: 49] قال سيبويه: هو مثل: مررت بزيدٍ وصاحبك إذا أردت بـ «صاحبك»: زيدًا، وقال الزَّمخشريُّ: في قوله تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} [الحجر: 4] جملةٌ واقعةٌ صفةً لـ «قريةٍ»، والقياسُ ألَّا تتوسَّط الواو بينهما، كما في قوله تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} [الشُّعراء: 208] وإنَّما توسَّطت لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف؛ كما يقال في الحال: جاءني زيدٌ عليه ثوبٌ، وجاءني وعليه ثوبٌ. انتهى. وتعقَّبه أبو حيَّان فقال: وافقه على ذلك أبو البقاء، قال: وهذا الذي قاله الزَّمخشريُّ وتبعه فيه أبو البقاء لا نعلم أحدًا قاله من النَّحويِّين، وهو مبنيٌّ على أنَّ ما بعد «إلَّا» يجوز أن يكون صفةً، وهم [11] قد منعوا ذلك، قال الأخفش: لا يُفصَل بين الصِّفة والموصوف بـ «إلَّا» قال: ونحو: «ما جاءني رجلٌ إلَّا راكبٌ» تقديره: إلَّا رجلٌ راكبٌ، وفيه قبحٌ لجعل [12] الصِّفة كالاسم، وقال أبو عليٍّ الفارسيُّ: تقول: ما مررت بأحدٍ إلَّا قائمًا، «قائمًا»: حالٌ من «أحدٍ»، ولا يجوز: إلَّا قائمٌ لأنَّ «إلَّا» لا تعترض بين الصِّفة والموصوف، وقال ابن مالكٍ _وقد ذكر ما ذهب إليه الزَّمخشريُّ من قوله: في نحو: ما مررت بأحدٍ إلَّا زيدٌ خيرٌ منه: إنَّ الجملة بعد «إلَّا» صفةٌ لـ «أحدٍ»_ إنَّه مذهبٌ لم يُعرَف لبصريٍّ ولا كوفيٍّ [13]، فلا يُلتَفت إليه. انتهى. قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا كلُّه مبنيٌّ على صحَّة هذا السِّياق، والذي يغلب عندي أنَّه وقع فيه تحريفٌ، وأنَّ [14] الصَّواب: فارتحل النَّاس ثمَّ طاف بالبيت...إلى آخره، وكذا وقع عند أبي داود من طريق أبي بكرٍ الحنفيِّ عن أفلح بلفظ: فأذَّن في أصحابه بالرَّحيل فارتحل فمرَّ بالبيت قبل صلاة الصُّبح فطاف به حتَّى خرج، ثمَّ انصرف متوجِّهًا إلى المدينة. ولـ «مسلمٍ»: فآذن في أصحابه بالرَّحيل فخرج فمرَّ بالبيت فطاف به قبل صلاة الصُّبح، فيحتمل أنَّه أعاد [15] طواف الوداع [16] لمَّا رجع من الأبطح.
(ثُمَّ خَرَجَ) عليه الصلاة والسلام (مُوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ) بضمِّ الميم وفتح الواو وتشديد الجيم المكسورة؛ كذا [17] في الفرع وغيره [18]، ولابن عساكر: ((متوجِّهًا)) بزيادة تاءٍ كما في «اليونينيَّة» أيضًا، فالأولى: من التَّوجيه؛ وهو الاستقبال تلقاء وجهه، والثَّانية: من التَّوجُّه من باب «التَّفعُّل»، وموضع التَّرجمة من قوله [19]: «فلتهلَّ بعمرةٍ...» إلى آخره؛ من حيث [20] كونه اكتفى فيه بطواف العمرة عن طواف الوداع.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف [خ¦1560] أيضًا، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا النَّسائيُّ.
ج3ص273


[1] «بن»: سقط من (ب).
[2] قوله: «أو بكسر الضَّاد وسكون الرَّاء... اليونينيَّة ولا في فرعها» ليس في (م).
[3] «في»: ليس في (د) و(م).
[4] في (م): «يرزقكيها».
[5] في (د): «حجَّتي».
[6] قوله: «قَالَتْ: فَكُنْتُ في حجِّي... حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ مِنًى» سقط من (ص).
[7] «الصِّدِّيق»: ليس في (د).
[8] في (د): «بنصبه».
[9] في (د): «لبقيَّة».
[10] في (د): «كالحُيَّض».
[11] «هم»: ليس في (ص) و(م).
[12] في (د): «جعل»، وفي (ص): «لجعلك».
[13] في (د): «لكوفيٍّ».
[14] «أنَّ»: ليس في (د).
[15] في (ص): «طاف».
[16] زيد في (ص): «ثانيًا».
[17] في (ب) و(س): «كما».
[18] في (م): «في «اليونينيَّة» وغيرها».
[19] «قوله»: مثبتٌ من (م).
[20] «حيث»: ليس في (د).