إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

[أبواب العمرة]

سقطت: البسملة لأبي ذرٍّ، وثبتت لغيره.
(1) (بَابُ العمرَةِ) بضمِّ العين مع ضمِّ الميم وإسكانها وبفتح العين وإسكان الميم، وهي في اللُّغة: الزِّيارة، وقِيل: القصد إلى مكانٍ عامرٍ، وفي الشَّرع: قصد الكعبة للنُّسك بشروطٍ مخصوصةٍ (وُجُوبِ العُمْرَةِ وَفَضْلِهَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت: ((باب وجوب العمرة وفضلها)) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: ((أبواب العمرة، باب وجوب العمرة وفضلها [1])) وسقط عنده عن غيره [2] «أبواب العمرة»، وللأَصيليِّ وكريمة: ((باب العمرة وفضلها)) حسب [3]، وسقط لابن عساكر «باب العمرة».
(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) ممَّا وصله ابن خزيمة والدَّارقطنيُّ والحاكم: (لَيْسَ) من خلق الله [4] (أَحَدٌ) من المُكلَّفين (إِلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ) واجبتان مع الاستطاعة [5].
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) ممَّا وصله إمامنا الشَّافعيُّ وسعيد بن منصورٍ، كلاهما عن سفيان بن عُيَيْنَةَ عن عمرو بن دينارٍ، سمعت طاوسًا يقول: سمعت ابن عبَّاسٍ يقول: والله (إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللهِ) عزَّ وجلَّ ({وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]) الضَّمير الأوَّل في قوله: «إنَّها [6] لقرينتها» للعمرة، والثَّاني: لفريضة الحجِّ، والأصل: لقَرينتُه؛ أي [7]: لَقرينةُ الحجِّ، لكن [8] قُصِد التَّشاكل فأُخرِج على هذا الوجه بالتَّأويل، فوجوب العمرة من عطفها على الحجِّ الواجب، وأيضًا إذا كان الإتمام واجبًا كان الابتداء واجبًا، وأيضًا معنى {أَتِمُّوا}: أقيموا، وقال الشَّافعيُّ فيما قرأته في «المعرفة» للبيهقيِّ: والذي هو أشبهُ بظاهر القرآن وأَوْلى بأهل العلم عندي، وأسأل الله التَّوفيق أن تكون العمرةُ واجبةً بأنَّ الله تعالى قرنها مع الحجِّ [9]، فقال تعالى: ({وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}) وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر قبل أن يحجِّ، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سنَّ إحرامها والخروج منها بطوافٍ وسعيٍ وحِلَاقٍ [10] وميقاتٍ، وفي الحجِّ زيادةُ عملٍ على العمرة، وظاهر القرآن أولى إذا لم تكن [11] دلالةٌ. انتهى. وقول التِّرمذيِّ عن الشَّافعيِّ أنَّه قال: العمرة سنَّةٌ، لا نعلم أحدًا رخَّص في تركها، وليس فيها شيءٌ ثابتٌ بأنَّها تطوُّعٌ، لا يريد به أنَّها ليست واجبةً؛ بدليل قوله: لا نعلم أحدًا رخَّص في تركها لأنَّ السُّنَّة التي يُراد بها خلاف الواجب يُرخَّص في تركها قطعًا، والسُّنَّة تُطلَق ويُراد بها: الطَّريقة، قاله الزَّين العراقيُّ. ومذهب الحنابلة: الوجوب كالحجِّ، ذكره الأصحاب، قال الزَّركشيُّ منهم: جزم به جمهور الأصحاب، وعنه: أنَّها سنَّةٌ، والمشهور عن المالكيِّة: أنَّ العمرة تطوُّعٌ [12]، وهو قول الحنفيَّة. لنا: ما سبق، وحديث زيد ابن ثابتٍ عند الحاكم والدَّارقطنيِّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحجُّ والعمرة فريضتان»، لكن قال الحاكم: الصَّحيح عن زيد بن ثابتٍ
ج3ص260
من قوله. انتهى. وفيه: إسماعيل بن مسلمٍ ضعَّفوه، وأخرج الدَّارقطنيُّ عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وأن تقيم الصَّلاة، وتؤتي الزَّكاة، وأن تحجَّ وتعتمر، قال الدَّارقطنيُّ: إسناده صحيحٌ، وحديثٌ [13] عن عائشة عند ابن ماجه [14] والبيهقيِّ وغيرهما بأسانيد صحيحةٍ: قالت: قلت: يا رسول الله؛ هل على النِّساء جهادٌ؟ قال: «نعم، جهادٌ لا قتال فيه: الحجُّ والعمرة»، وروى التِّرمذيُّ وصحَّحه: أنَّ أبا رَزِينٍ لقيط بن عامرٍ العقيليَّ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله؛ إنَّ أبي شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع الحجَّ ولا العمرة ولا الظَّعن؟ قال: «حجَّ عن أبيك واعتمر»، واحتجَّ القائلون بالسُّنِّيَّة: بحديث [15]: «بني الإسلام على خمسٍ» [خ¦8]، فذكر الحجَّ دون العمرة، وأجابوا عن ثبوتها في حديث الدَّارقطنيِّ: بأنَّها شاذَّةٌ، وبحديث الحجَّاج بن أرطأة عن محمَّد بن المنكدر عن جابرٍ عند التِّرمذيِّ _وقال: حسنٌ صحيحٌ_ قال: سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة: أواجبةٌ هي؟ قال: «لا، وإن تعتمر فهو أفضل»، لكن قال في «شرح المُهذَّب»: اتَّفق الحفَّاظ على أنَّه حديثٌ ضعيفٌ، ولا يغترَّ بقول التِّرمذيِّ فيه: حسنٌ صحيحٌ، وقال العلَّامة الكمال ابن الهمام في «فتح القدير»: إنَّه لا ينزل عن كونه حسنًا، والحسن حجَّةٌ اتِّفاقًا، وإن قال الدَّارقطنيُّ: الحجَّاج بن أرطأة لا يُحتَجُّ به فقد اتَّفقت الرِّوايات عن التِّرمذيِّ على تحسين حديثه هذا، وقد رواه ابن جريجٍ عن محمَّد بن المنكدر عن جابرٍ، وأخرجه الطَّبرانيُّ في «الصَّغير» والدَّارقطنيُّ بطريقٍ آخر عن جابرٍ، فيه يحيى بن أيُّوب وضعَّفه، وروى عبد الباقي ابن قانعٍ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحجُّ جهادٌ والعمرة تطوُّعٌ»، وهو أيضًا حجَّةٌ، وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: الحجُّ فريضةٌ والعمرة تطوُّعٌ، وكفى بعبد الله قدوةً، وتعدُّد طرق حديث التِّرمذيِّ الذي اتَّفقت الرِّوايات على تحسينه ترفعه إلى درجة الصَّحيح، كما أنَّ تعدُّد طرق الضَّعيف ترفعه إلى الحسن، فقام ركن المعارضة، والافتراض لا يثبت مع المعارضة لأنَّ المعارضة تمنعه من إثبات مقتضاه، ولا يخفى أنَّ المراد من قول الشَّافعيِّ: الفرض الظَّنِّيُّ هو الوجوب عندنا، ومقتضى ما ذكرناه: ألَّا يثبت مقتضى ما رويناه أيضًا للاشتراك في موجب المعارضة، فحاصل التَّقرير حينئذِ: تعارض مقتضيات الوجوب والنَّفل فلا يثبت، ويبقى مجرَّد فعله عليه الصلاة والسلام وأصحابه والتَّابعين، وذلك يوجب السُّنِّيَّة، فقلنا بها. انتهى. وأجاب القائلون بالاستحباب أيضًا عن الآية بأنَّه لا يلزم من الاقتران بالحجِّ أن تكون العمرة واجبةً، فهذا الاستدلال ضعيفٌ، وبأنَّ في قراءة الشَّعبيِّ: {{وَالعُمْرَةُ للهِ}} بالرَّفع، فَفَصَل بهذه القراءة عطفَ العمرة على الحجِّ ليرتفع الإشكال.
ج3ص261


[1] «وفضلها»: ليس في (د).
[2] في (ص): «من غير».
[3] «حسب»: ليس في (د).
[4] «من خلق الله»: ليس في (د) و(س).
[5] في (م): «من استطاع إليهما سبيلًا».
[6] «إنَّها»: ليس في (م).
[7] «لقرينته؛ أي: »: ليس في (د).
[8] في (د) و(م): «لكنَّه».
[9] في (د): «بالحجِّ».
[10] في (د): «وحلقٍ».
[11] في (د): «إن لم يكن».
[12] في هامش (ص): (بل سنَّةٌ مُؤكَّدةٌ عندهم، لا تطوُّعٌ، وفُرِّق بين السُّنَّة والتَّطوُّع عندهم). انتهى عجمي.
[13] «حديثٌ»: مثبتٌ من (م).
[14] في هامش (ص): (قوله: «ماجَهْ» قال ابن خلِّكان: بفتح الجيم وسكون الهاء، يحتمل _والله أعلم_ أنَّ «ما» رُكِّبت مع «جه» وهو اسم صوتِ زجرٍ للإبل كما قاله الرَّضيُّ، وصارت «ماجه» كلمةً واحدةً مبنيَّةً على السُّكون، ولم أجد من تعرَّض لذلك؛ فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمنِّي). انتهى عجمي.
[15] «بحديث»: ليس في (د).