إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أما بعد فإني أتيت النبي قلت أبايعك على الإسلام

58- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ؛ بفتح السِّين الأولى نسبةً إلى سَدُوس بن شيبان البصريُّ المعروف بعارمٍ؛ بمُهمَلَتين، المختلط بأخرةٍ، المُتوفَّى بالبصرة سنة أربعَ عَشْرَة ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين والنُّون، الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ) بكسر العين المُهمَلَة وبالقاف، ابن مالكٍ الثَّعلبيِّ؛ بالمثلثة والمُهمَلَةَ، الكوفيِّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وعشرين ومئةٍ، أنَّه (قال: سمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) البَجَلِيَّ الأحمسيَّ الصَّحابيَّ المشهور، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين، وله في «البخاريِّ» عشرةُ أحاديث، أي: سمعت كلامه، فالمسموع هو الصَّوت والحروف، فلمَّا حذف هذا؛ وقع ما بعده تفسيرًا له؛ وهو قوله: (يَقُولُ) قال البيضاويُّ في تفسير قوله تعالى: {إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 193] أوقع الفعل على المُسمِع وحذف المسموع لدلالة وصفه عليه، وفيه مبالغةٌ ليست في إيقاعه على نفس المسموع (يَوْمَ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة، أُضِيفَ إلى قوله: (مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) سنة خمسين من الهجرة، وكان واليًا على الكوفة في خلافة معاوية، واستناب عند موته ولده عروة، وقِيلَ: استناب جريرًا ولِذَا خطب، وقد (قَامَ فَحَمِدَ الله) أي: أثنى عليه بالجميل عقب قيامه، وجملة «قام» لا محلَّ لها من الإعراب لأنَّها استئنافيَّةٌ [1] (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) ذَكَرَه بالخير [2]، أوِ الأوَّل وصفٌ بالتَّحلِّي بالكمال، والثَّاني وصف بالتَّخلِّي عن النَّقائص، وحينئذٍ فالأولى إشارةٌ إلى الصِّفات الوجوديَّة، والثَّانية إلى الصِّفات العدميَّة، أي: التَّنزُّهات [3] (وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللهِ) أي: الزموه (وَحْدَهُ) أي: حال كونه منفردًا (لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْوَقَارِ) أي: الرَّزانة؛ وهو بفتح الواو والجرِّ عطفًا على «اتِّقاء» [4] أي: وعليكم بالوقار (وَالسَّكِينَةِ) أي: السُّكون (حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ) بدلَ أميرِكم «المغيرة» المُتوفَّى (فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة، أي: المدَّة القريبة من الآن، فيكون الأمير زيادًا إذ ولَّاه معاوية بعد وفاة المغيرة الكوفة، أو المُرَاد الآن حقيقةً، فيكون الأمير جريرًا بنفسه لِمَا رُوِيَ أنَّ المغيرة استخلف جريرًا على الكوفة عند موته، وإنَّما أمرهم بما ذكره مُقدِّمًا لتقوى الله تعالى لأنَّ الغالب أنَّ وفاة الأمراء تؤدِّي إلى الاضطراب والفتنة، ولاسيَّما ما كان عليه أهل الكوفة إذ ذاك من مخالفة ولاة الأمور، ومفهوم الغاية من «حتَّى» هنا، وهو أنَّ المأمور به؛ وهو الاتِّقاء به [5] ينتهي بمجيء الأمير ليس مُرَادًا، بل يلزم [6] عند مجيء الأمير بطريق الأَوْلى، وشرط اعتبار مفهوم المُخالَفَة ألَّا يعارضه مفهوم المُوافَقَة (ثُمَّ قَالَ) جريرٌ: (اسْتَعْفُوا) بالعين المُهمَلَة، أي: اطلبوا العفوَ (لأَمِيرِكُمْ) المُتوفَّى من الله تعالى (فَإِنَّهُ) أي: الأمير، والفاء للتَّعليل (كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ) عن ذنوب النَّاس، فالجزاء من جنس العمل، وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر: ((استغفروا لأميركم)) بِغَيْنٍ مُعجَمَةٍ وزيادة راءٍ (ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ) بالبناء على الضَّمِّ ظرفُ زمانٍ حُذِفَ منه المُضَاف إليه ونُوِيَ معناه، وفيه معنى الشَّرط تلزم الفاء في تاليه، والتَّقدير: أمَّا بعدَ كلامي هذا (فَإِنِّي [7] أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قُلْتُ) لم يأتِ بأداة العطف؛ لأنَّه بدل اشتمالٍ [8] من «أتيت»، أوِ استئنافٌ، وفي رواية أبي الوقت: ((فقلت له: يا رسول الله)) (أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلَامِ، فَشَرَطَ) صلى الله عليه وسلم (عَلَيَّ) بتشديد الياء، أي: الإسلام (وَالنُّصْحِ) بالجرِّ عطفًا على قوله: «الإسلامِ»، وبالنَّصب عطفًا على المُقدَّر [9]، أي: شرط عليّ الإسلامَ، وشرط النَّصح (لِكُلِّ مُسْلِمٍ) وكذا لكلِّ ذمِّيٍّ بدعائه إلى الإسلام، وإرشاده إلى الصَّواب إذا استشار، فالتَّقييد بـ «المسلم» من حيث الأغلب (فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا) المذكور من الإسلام والنُّصح (وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ) أي: مسجد الكوفة إن كانت خطبته ثَمَّ، أو أشار به إلى المسجد الحرام، ويؤيِّده ما في رواية الطَّبرانيِّ بلفظ: «وربِّ الكعبة» تنبيهًا على شرف المُقسَم به ليكون أقرب إلى القلوب [10] (إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ) فيه إشارةٌ إلى أنَّه وَفَّى بما بايع به النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وأنَّ كلامه عارٍ عن الأغراض الفاسدة، والجملة جواب القسم مُؤكَّدٌ بـ «إنَّ» و«اللَّام»، والجملةِ الاسميَّة (ثُمَّ اسْتَغْفَرَ)
ج1ص152
الله (وَنَزَلَ) عن المنبر، أو قعد من قيامه لأنَّه خطب قائمًا؛ كما مرَّ.
وهذا الحديث من الرُّباعيَّات، ورواته ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ وواسطيٍّ، مع التَّحديث والسَّماع والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الشُّروط» [خ¦2714]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «البيعة» و«السِّيَر» و«الشُّروط»، والله أعلم.
ج1ص153


[1] في (ص): «مستأنفة».
[2] في (ص): «بجميل».
[3] في (س) و(ص): «التَّنزيهات».
[4] «على اتِّقاء»: سقط من (ص) و(م).
[5] «به»: سقط من (س).
[6] في (م): «يستلزم».
[7] قوله: «والتَّقدير: أمَّا بعدَ كلامي هذا؛ فَإِنِّي» سقط من (ص).
[8] «اشتمال»: سقط من (ص) و(م).
[9] في (م): «المقدرة».
[10] في (س): «القبول».