إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب أمور الإيمان

(1) هذا (باب أُمُورِ الإِيمَانِ) بالإضافة البيانيَّة؛ لأنَّ المُرَاد بيان الأمور التي هي الإيمان؛ لأنَّ الأعمال عند المؤلِّف هي الإيمان، أو بمعنى: «اللَّام» أي: باب الأمور الثَّابتة للإيمان في تحقيق حقيقته وتكميل ذاته، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: ((أمرُ الإيمان)) بالإفراد على إرادة الجنس (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «أمورِ [1] » وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((عزَّ وجلَّ)) بدل قوله «تعالى»: ({لَيْسَ الْبِرُّ}) وهو اسمٌ لكلِّ خيرٍ وفعلٍ مَرْضِيٍّ ({أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ}) قال القاضي ناصر الدِّين البيضاويُّ: أي: ليس البرُّ مقصورًا على أمر القبلة، أو ليس البرُّ ما أنتم عليه؛ فإنَّه منسوخٌ ({وَلَكِنَّ الْبِرَّ}) الذي ينبغي أن يُهتَمَّ به ({مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ}) القرآنِ أو أعمَّ ({وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ}) تعالى أو حبِّ المال ({ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى}) المحاويج منهم، ولم يقيِّده لعدم الإلباس ({وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ}) المسافر أو الضَّيف ({وَالسَّائِلِينَ}) أي: الذين ألجأَتْهمُ الحاجة إلى السُّؤال ({وَفِي الرِّقَابِ}) أي: تخليصها بمعاونة المُكاتَبين، أو فكِّ الأسارى، أو ابتياع الرِّقاب لعتقها ({وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ}) المفروضتين، والمُرَاد بـ {آتَى الْمَالَ} بيانُ مصارِفِها ({وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا}) عطفٌ على {مَنْ آمَنَ} ({وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ}) نُصِبَ على المدح، ولم يُعطَف لفضل الصَّبر على سائر الأعمال، وعن الأزهريِّ [2]: {البَأْسَاءِ} في الأموال؛ كالفقر، و{الضَّرَّاءِ} في الأنفس؛ كالمرض ({وَحِينَ الْبَأْسِ}) وقتَ مجاهدة العدوِّ ({أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا}) في الدِّين واتِّباع الحقِّ وطلب البرِّ ({وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] ) عن الكفر وسائر الرَّذائل، والآية _كما ترى_ جامعةٌ للكمالات الإنسانيَّة بأَسْرِها، دالَّةٌ عليها صريحًا أو ضمنًا، فإنَّها [3] بكثرتها وتشعُّبها منحصرةٌ في ثلاثةِ أشياءَ: صحَّةِ الاعتقادِ، وحسنِ المُعاشَرَةِ، وتهذيبِ النَّفسِ، وقد أُشِير إلى الأوَّل بقوله: {مَنْ آمَنَ}... إلى: {والنَّبِيِّينَ} وإلى الثَّاني بقوله: {وَآتَى المَالَ}... إلى: {وَفِي الرِّقَابِ} وإلى الثَّالث بقوله: {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ}... إلى آخرها؛ ولذلك وُصِفَ المُستجمِع لها بالصِّدق نظرًا إلى إيمانه واعتقاده، وبالتَّقوى اعتبارًا لمُعاشرَته للخَلْق ومُعاملَته مع الحقِّ، وإليه أشار عليه الصلاة والسلام بقوله: «مَنْ عمل بهذه الآية فقدِ استكمل الإيمان»، وهذا وجه استدلال المؤلِّف بهذه الآية ومُناسبَتها لتبويبه، وفي حديث أبي ذَرٍّ عند عبد الرَّزَّاق بسندٍ رجالُهُ ثقاتٌ: أنَّه سأل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فتلا عليه هذه الآية، ولم يذكره المؤلِّف لأنَّه ليس على شرطه، وقد سقط في رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ «{وَلَكِنَّ الْبِرَّ}...» إلى آخر الآية، وسقط لابن عساكرَ «{وَالْيَوْمِ الآخِرِ}».
ثمَّ استدلَّ المؤلِّف لذلك أيضًا بآيةٍ أخرى فقال: ({قَدْ أَفْلَحَ}) أي: فاز
ج1ص91
({الْمُؤْمِنُونَ} الآيَةَ [المؤمنون: 1] ) بإسقاط واو العطف لعدم الإلباس، قال في «الفتح»: ويحتمل أن يكون ساقه تفسيرًا لقوله: {هُمُ الْمُتَّقُونَ} تقديره: المتَّقون هم الموصوفون بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ} وفي رواية الأَصيليِّ: ((وَ {قَدْ أَفْلَحَ})) بإثبات الواو، وفي رواية ابن عساكرَ: ((وقوله: {قَدْ أَفْلَحَ})) قلت: وفيهما ردٌّ لمِا قاله في «الفتح» من احتمال التَّفسير [4]، والآية يجوز فيها النَّصبُ؛ بتقدير: اقرأ، والرَّفعُ مبتدأٌ حُذِفَ خبرُه.
ج1ص92


[1] في (ل): «الأمور».
[2] في (ص) و(م): «الزُّهريِّ»، وهو تحريفٌ.
[3] في (ص): «كأنَّها».
[4] قوله: «قلت: وفيهما ردٌّ لمِا قاله في الفتح من احتمال التَّفسير» ليس في (ص) و(م).