إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر

1090- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسْنَدِيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتِ: الصَّلَاةُ) بالإفراد (أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَانِ [1] ) أي: لمن أراد الاقتصار عليهما، و«الصَّلاة» مبتدأٌ، و«أوَّل» بدلٌ منه، أو مبتدأٌ ثانٍ خبره «ركعتان»، والجملة خبر المبتدأ الأول، ويجوز نصب لفظ «أوَّل» على الظَّرفيَّة، و«الصَّلاة» مبتدأ والخبر محذوفٌ، أي: فُرِضت ركعتين في أوَّل فرضها، وأصل الكلام: الصَّلاة فُرِضت ركعتين في أوَّل أزمنة فرضها، فهو ظرفٌ للخبر المُقَدَّر، و«ما»: مصدريَّة، والمضاف محذوفٌ كما تقرَّر، ولغير أبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((ركعتين)) بالياء نصبٌ على الحال السادِّ مسدَّ الخبر، وللكُشْمِيْهَنِيِّ _كما في «الفرع»، ولم يعرفها صاحب «المصابيح»_: ((الصَّلوات)) بالجمع، واستشكلها [2] من حيث اقتصار عائشة رضي الله عنها معها على قولها: «ركعتين»؛ لوجوب التَّكرير في مثله، وقد وُجِدَتْ في روايةِ كريمةَ، وهي من رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ركعتين ركعتين)) بالتَّكرير، وحينئذٍ فزال الإشكال، ولله الحمد.
(فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ) قال النَّوويُّ: أي: على جواز الإتمام (وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ) على سبيل التَّحتُّم، وقد استدلَّ بظاهره الحنفيَّة على عدم جواز الإتمام في السَّفر على أنَّ القصر عزيمةٌ لا رُخصةٌ، ورُدَّ بقوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: 101] لأنَّه يدلُّ على أنَّ الأصل الإتمام لأنَّ القصر إنَّما يكون عن تمامٍ سابقٍ، ونفيُ الجُناح [3] يدلُّ على جوازه دون وجوبه، فإن قلتَ: فما الجواب عن تقييد الآية بالخوف؟ أجيب: بأنَّها وإن دلَّت بمفهوم المُخالفة على أنَّه لا يجوز القصر في غير حالة الخوف، لكن من شرط مفهوم المخالفة إن لم يخرج مَخرَج الأغلب فلا اعتبار بذلك الشَّرط كما في الآية فإنَّ الغالب من أحوال المسافرين [4] الخوف. انتهى. وقال البيضاويُّ: شريطة [5] باعتبار الغالب في ذلك الوقت ولذلك لم يعتبر مفهومها، وقد تظاهرت السُّنن على جوازه أيضًا في حال الأمن، أي: في السَّفر، ولا حاجة في القصر [6] إلى تأويل الآية كما أَوَّلَه الحنفيَّةُ نُصرَةً لمذهبهم بأنَّهم ألِفوا الأربع، فكان مَظِنَّةً لأن يخطر ببالهم أنَّ عليهم نقصانًا في القصر، فسُمِّي الإتيان بها قصرًا على ظنِّهم، ونُفِيَ الجُناح فيه لتطييب أنفسهم بالقصر، قاله البيضاويُّ. ورأيته في بعض شروح «الهداية»، ويؤيِّد القول بالرُّخصة حديثُ: «صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم» لأنَّ الواجب لا يُسمى رُخْصَةً، وقولُ عائشة المرويُّ عند البيهقيِّ بإسنادٍ صحيحٍ: يا رسول الله، قَصرتُ وأتممتُ، وأفطرتُ وصُمُت، قال: «أحسنتِ يا عائشة»، وحديث الباب من قولها غير مرفوعٍ، فلا يُستَدَلُّ به، كما أنَّها لم تشهد زمان [7] فرض الصَّلاة، وتُعُقِّبَ بأنَّه ممَّا لا مجال للرَّأي فيه فله حكم الرفع، ولئن سلَّمنا أنَّها لم تشهد فرض الصَّلاة، لكنَّه مرسلُ صحابيٍّ، وهو حُجَّةٌ لاحتمال أخذها له عنه عليه الصلاة والسلام، أو عن أحدٍ من أصحابه ممَّن أدرك ذلك، وأجاب في «الفتح»: بأنَّ الصَّلواتِ فُرِضت ليلةَ الإسراء ركعتين ركعتين إلَّا المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة عقب الهجرة إلَّا الصُّبح، كما روي من طريق الشَّعبيِّ عن مسروقٍ عن عائشة قالت: «فُرِضَتْ صلاة الحَضَر والسَّفر ركعتين ركعتين، فلمَّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة [8]، واطمأنَّ زِيْدَ في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتُرِكَتْ صلاة الفجر لطول القراءة فيها، وصلاة المغرب لأنَّها وتر النهار» رواه ابنا خُزيمة وحِبَّان وغيرهما، ثمَّ بعد أن استقرَّ فرض الرُّباعيَّة خُفِّف منها في السَّفر عند نزول قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: 101]، وبهذا تجتمع الأدلة، ويؤيِّده أنَّ في «شرح المسند»: أنَّ قصر الصَّلاة كان في السَّنة الرَّابعة من الهجرة.
(قَالَ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ) بن الزُّبير: (مَا) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((فما)) (بَالُ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (تُتِمُّ) _بضمِّ أوَّله_ الصَّلاة؟ (قَالَ:
ج2ص294
تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ) بن عفَّان رضي الله عنه من جواز القصر والإتمام، فأخذ بأحد الجائزين وهو الإتمام، أو أنَّه كان يرى القصر مُختصًّا بمن كان سائرًا، وأمَّا من أقام في مكانٍ في أثناء سفره فله حُكم المقيم فيتمُّ فيه، والحجَّة فيه ما رواه أحمد بإسنادٍ حسنٍ عن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير قال: لمَّا قدم علينا معاوية حاجًّا صلَّى بنا الظُّهر ركعتين بمكَّة، ثمَّ انصرف إلى دار النَّدوة، فدخل عليه مروان وعمرو بن عثمان فقالا: لقد عِبْتَ أمر ابن عمِّك لأنَّه كان قد أتمَّ الصَّلاة، قال: وكان عثمان حيث أتمَّ الصَّلاة إذا قدم مكَّة يُصلِّي بها الظُّهر والعصر والعشاء أربعًا أربعًا، ثم إذا خرج إلى منًى وعرفة قَصَرَ الصَّلاة، فإذا فرغ من الحجِّ، وأقام بمنًى أتمَّ الصَّلاة، وهذا القولُ رجَّحَه في «الفتح» [9] لتصريح الرَّاوي بالسَّبب، وقيل غير ذلك ممَّا يطول ذكرُه.
ورواة حديث الباب ما بين بخاريٍّ ومكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: تابعيٌّ عن تابعيٍّ عن صحابيَّةٍ، وفيه [10]: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّلاة»، وتقدَّم شيءٌ من مباحثه فيها.
ج2ص295


[1] في غير (د) و(س): «ركعتين».
[2] في (ص): «استشكل».
[3] في (د) و(م): «الحرج».
[4] في (د): «المسافر».
[5] في (د) و(م): «شرطه».
[6] «في القصر»: ليس في (م).
[7] «زمان»: سقط من (د).
[8] «المدينة»: ليس في (د).
[9] في (د) و(ص): «رجَّحه النَّووي».
[10] «وفيه»: سقط من غير (ب) و(س).