إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كذب إنما قنت رسول الله بعد الركوع شهرًا

1002- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) وللأَصيليِّ: ((عبد الواحد بنُ زيادٍ)) (قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) هو [1] ابن سليمان الأحول (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه (عَنِ الْقُنُوتِ) الظَّاهر أنَّ أنسًا ظنَّ أنَّ عاصمًا سأله عن مشروعيَّة القنوت (فَقَالَ) له: (قَدْ كَانَ الْقُنُوتُ) أي: مشروعًا، قال عاصم: (قُلْتُ) له: هل كان محلُّه (قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: قَبْلَهُ) أي: لأجل التَّوسعة لإدراك المسبوق، كذا قرَّره المهلَّب [2]، وهو مذهب المالكيَّة، وتعقَّبه ابنُ المُنيِّر بأنَّ هذا يأباه نهيُه عن إطالة الإمام في الرُّكوع ليدركه الدَّاخل، ونوقض بالفذِّ وإمام قومٍ محصورين (قَالَ) أي: عاصم، وللأَصيليِّ: ((قلت)): (فَإِنَّ فُلَانًا) قال الحافظ ابن حَجَرٍ: لم أقف على تسمية هذا الرَّجل صريحًا، ويُحتَمل أن يكون محمَّد بن سيرين بدليل روايته المتقدِّمة، فإنَّ فيها: سأل محمَّد بن سيرين أنسًا (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَنْكَ أَنَّكَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت عن المُستملي والحَمُّويي: ((كأنَّك [3] ) ) (قُلْتَ:) إنَّه (بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَقَالَ: كَذَبَ) أي: أخطأ إن كان أخبرك أنَّ القنوت بعد الرُّكوع دائمًا، أو أنَّه في جميع الصَّلوات، وأهل الحجاز يطلقون الكذب على ما هو أعمُّ من العمد والخطأ (إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا).
وقد أخرج ابن ماجه بإسنادٍ قويٍّ، من رواية حميدٍ عن أنسٍ: سُئِلَ عن القنوت فقال: «قبل الرُّكوع وبعده»، وعند ابن المنذر عنه: أنَّ بعض الصَّحابة قنت قبل الرُّكوع، وبعضهم بعده، ورجَّح الشَّافعيُّ أنَّه بعده [4] لحديث أبي هريرة الآتي إن شاء الله تعالى.
قال أنس: (أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّ أنَّه عليه الصلاة والسلام (كَانَ بَعَثَ قَوْمًا) من أهل الصُّفَّة (يُقَالُ لَهُمُ) ولأبي ذرٍّ: ((لها)) وضبَّب عليها في «اليونينيَّة» [5]: (الْقُرَّاءُ) حال كونهم (زُهَاءَ) بضمِّ الزَّاي وتخفيف الهاء ممدودًا، أي: مقدار (سَبْعِينَ رَجُلًا، إِلَى قَوْمٍ من الْمُشْرِكِين) أهل نجدٍ من بني عامرٍ، وكان رأسهم أبو براء [6] عامر بن مالكٍ المعروف بملاعب
ج2ص233
الأسنَّة ليدعوهم إلى الإسلام ويقرؤوا عليهم القرآن، فلمَّا نزلوا بئر معونة قصدهم عامر بن الطُّفيل في أحيائهم رعلٍ وذكوان وعُصَيَّة، فقاتلوهم، فلم ينج منهم إلَّا كعب بن زيدٍ الأنصاريِّ، وذلك في السَّنة الرَّابعة من الهجرة (دُونَ أُولَئِكَ) المدعوِّ عليهم المبعوث إليهم [7] (وَكَانَ بَيْنَهُمْ) أي: بين بني عامر المبعوث إليهم (وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم عَهْدٌ) فغدروا [8]، وقتلوا القرَّاء (فَقَنَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) في الصَّلوات الخمس (شَهْرًا) متتابعًا (يَدْعُو عَلَيْهِمْ) أي: في [9] كلِّ صلاةٍ إذا قال: «سمع الله لمن حمده» من الرَّكعة الأخيرة، رواه أبو داود والحاكم. واستنبط منه: أنَّ الدُّعاء على الكفَّار والظَّلَمَة لا يقطع الصَّلاة.
ورواة هذا الحديث الأربعة كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والسُّؤال والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦4090] و«الجنائز» [خ¦1300] و«الجزية» [خ¦3170] و«الدَّعوات» [خ¦6394]، ومسلم في «الصَّلاة».
ج2ص234


[1] «هو»: ليس في (ب).
[2] في هامش (ص): (قوله: ابن المهلَّب بن أبي مقرن، مالكيٌّ، اختصر «البخاريَّ» وشَرَحه). انتهى عجمي.
[3] في (د): «بأنَّك».
[4] في (ص) و(م): «بعد».
[5] قوله: «وضبَّب عليها في اليونينيَّة» ليس في (د) و(م).
[6] «أبو براء»: ليس في (د).
[7] «المبعوث إليهم»: ليس في (د).
[8] في (د): «فغدروهم».
[9] زيد في (د) و(م): «دُبُر».