إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن رسول الله سئل: أي العمل أفضل؟

26- وبالسَّند السَّابق أوَّلَ هذا التَّعليق إلى المؤلِّف قال رحمه الله تعالى: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) نسبةً إلى جدِّه لشهرته به، وإنما اسمُ أبيه: عبدُ الله اليربوعيُّ التَّميميُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى في ربيع الآخر سنة سبعٍ وعشرين ومئتين (وَ) كذا حدَّثنا (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنقريُّ _بكسر الميم_ السَّابق (قَالَا) بالتثنية: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ السَّابق (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريُّ (عَنْ سَعِيدِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ) بضمِّ الميم وكسر المثنَّاة التَّحتيَّة، والفتح فيها أشهر وكان يكرهه، ابن حَزْنٍ؛ بفتح المُهمَلَة وسكون الزَّاي، إمام التَّابعين في الشَّرع، وفقيه الفقهاء، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو أربعٍ أو خمسٍ وتسعين، وهو زوج بنت أبي هريرة، وأبوه وجدُّه صحابيَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) عبد الرَّحمن [1] بن صخرٍ رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم سُئِلَ) بالبناء للمفعول [2] في محلِّ رفعٍ خبرُ «أنَّ»، وأُبهِم السَّائل وهو أبو ذَرٍّ، وحديثه في «العتق» [خ¦2518]: (أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟) أي: أكثر ثوابًا عند الله تعالى، وهو مبتدأٌ وخبرٌ (قَالَ) ولغير الأربعة وكريمة: ((فقال)) صلى الله عليه وسلم: هو (إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟) أي: أيُّ شيء أفضلُ بعد الإيمان بالله ورسوله؟ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: هو (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) لإعلاء كلمة الله أفضلُ لبذله نفسَه (قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا) أفضلُ؟ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: هو (حَجٌّ مَبْرُورٌ) أي: مقبولٌ، أي: لا يخالطه إثمٌ، أو لا رياءَ فيه، وعلامة القبول: أن يكون حاله بعد الرُّجوع خيرًا ممَّا قبله، وقد وقع هنا الجهاد بعد الإيمان، وفي حديث أبي ذّرِّ: لم يَذْكُرِ الحجَّ وذَكَرَ العتقَ [خ¦2518] وفي حديث ابن مسعودٍ بدأ بالصَّلاة ثمَّ البرِّ ثم الجهادِ [خ¦2782] وفي الحديث السَّابق [خ¦10] ذكر السَّلامة من اليد واللِّسان، وكلُّها في «الصَّحيح»، وقد أُجِيب: بأنَّ اختلاف الأجوبة في ذلك لاختلاف الأحوال والأشخاص، ومن ثمَّ لم يذكر الصَّلاة والزَّكاة والصِّيام في حديث هذا الباب، وقد يُقَال: خير الأشياء كذا، ولا يُرَاد أنَّه خيرٌ من جميع الوجوه في جميع الأحوال والأشخاص، بل في حالٍ دون حالٍ، وإنَّما قدَّم «الجهادَ» على «الحجِّ» للاحتياج إليه أوَّل الإسلام، وتعريف «الجهاد» باللَّام دون «الإيمان» و«الحجِّ»: إمَّا لأنَّ المُعرَّف بلام الجنس كالنَّكرة في المعنى، على أنَّه وقع في «مُسنَد الحارث بن أبي [3] أسامة»: «ثمَّ جهادٌ» بالتَّنكير، هذا من جهة النَّحو، وأمَّا من جهة المعنى [4] فلأنَّ «الإيمان» و«الحجَّ» لا يتكرَّر وجوبُهما فَنُوِّنا للإفراد، و«الجهاد» قد يتكرَّر فَعُرِّفَ، والتَّعريف للكمال.
وفي إسناد هذا الحديث أربعةٌ كلُّهم مدنيُّون، وفيه شيخان للمؤلِّف، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ باختلافٍ بينهم في ألفاظه.
ج1ص110


[1] في (م): «عبد الله».
[2] في (م): «للمجهول».
[3] «أبي»: سقط من (م).
[4] في (ل): «وأمَّا في المعنى».