إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله

25- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن عبد الله، ولابن عساكرَ: ((المُسنَدِيُّ)) بضمِّ الميم وفتح النُّون، وسبق (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ) بفتح الرَّاء وسكون الواو، واسمه: (الْحَرَمِيُّ) بفتح الحاء والرَّاء المُهمَلَتَين وكسر الميم وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، بلفظ النِّسبة، تثبت فيه «ال» وتُحذَف، وليس نسبةً إلى الحرَم كما تُوهِّم (ابْنُ عُمَارَةَ) بضمِّ العين المُهمَلَة وتخفيف الميم، ابن أبي حفصة نابتٍ _بالنُّون_ العتكيُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة إحدى وثمانين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بالقاف، زاد الأَصيليُّ: ((يعني: ابن زيد بن عبد الله بن عمر)) كما في فرع «اليونينيَّة» كهي [1] (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) محمَّد بن زيد بن عبد الله (يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب عبد الله رضي الله عنهما، فواقدٌ هنا روى عن أبيه عن جدِّ أبيه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ: أُمِرْتُ) بضمِّ الهمزة لِمَا لم يُسمَّ فاعلُه (أَنْ) أي: أمرني الله بأنْ (أُقَاتِلَ النَّاسَ) أي: بمقاتلة النَّاس، وهو من العامِّ الذي أُرِيدَ به الخاصُّ، فالُمرَاد بـ «النَّاس»: المشركون من غير أهل الكتاب، ويدلُّ له رواية النَّسائيِّ بلفظ: «أُمِرتُ أن أقاتلَ المشركين»، أو المراد: مقاتلة أهل الكتاب (حَتَّى) أي: إلى أن (يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَ) حتَّى (يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) المفروضة بالمُداوَمَة على الإتيان بها بشروطها (وَ) حتَّى (يُؤْتُوا الزَّكَاةَ) المفروضة، أي: يعطوها لمستحقِّيها، والتَّصديق برسالته عليه الصلاة والسلام يتضمَّن التَّصديق بكلِّ ما جاء به، وفي حديث أبي هريرة في «الجهاد» الاقتصار على قول: «لا إله إلَّا الله» [خ¦2946] فقال الطَّبريُّ: إنَّه عليه الصلاة والسلام قاله في وقت قتاله للمشركين أهل الأوثان [2] الذين لا يقرُّون بالتَّوحيد، وأمَّا حديث الباب ففي قتال [3] أهل الكتاب المقرِّين بالتَّوحيد، الجاحدين لنبوَّته عمومًا وخصوصًا، وأمَّا حديث أنسٍ في أبواب «أهل [4] القبلة»: «وصلَّوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا» [خ¦392] فيمن دخل الإسلام ولم يعمل الصَّالحات [5]؛ كترك الجمعة والجماعة فيُقاتَل حتَّى يذعن لذلك (فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ) أو أعطَوا الجزية، وأطلق على القول «فعلًا» لأنَّه فعل اللِّسان أو هو [6] من باب تغليب الاثنين على الواحد (عَصَمُوا) أي: حفظوا ومنعوا (مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) فلا تُهدَرُ دماؤهم ولا تُستَباح أموالُهم بعد عصمتهم بالإسلام بسببٍ من الأسباب (إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ) من قتل نفسٍ، أو حدٍّ، أو غرامةٍ بمتلفٍ، أو ترك صلاةٍ (وَحِسَابُهُمْ) بعد ذلك (عَلَى اللهِ) في أمر سرائرهم، وأمَّا نحن فإنَّما نحكم بالظَّاهر، فنعاملهم بمُقتضَى ظواهر أقوالهم وأفعالهم، أو المعنى: هذا القتال وهذه العصمة إنَّما هما باعتبار أحكام الدُّنيا المتعلِّقة بنا، وأمَّا أمور الآخرة من الجنَّة والنَّار والثَّواب والعقاب فَمُفَوَّضَةٌ إلى الله تعالى، ولفظة: «على» مشعرةٌ بالإيجاب فظاهره غير مُرَادٍ، فإمَّا أن يكون المُرَاد: وحسابهم إلى الله، أو لله، أو أنَّه يجب أن يقع، لا أنَّه تعالى يجب عليه شيءٌ؛ خلافًا للمعتزلة القائلين بوجوب الحساب عقلًا، فهو من باب التَّشبيه له [7] بالواجب على العباد في أنَّه لا بدَّ من وقوعه، واقتصر على الصَّلاة والزَّكاة لكونهما أُمًّا للعبادات البدنيَّة والماليَّة، ومن ثمَّ كانت الصَّلاة عماد الدِّين، والزَّكاة قنطرة الإسلام.
ويُؤخَذ من هذا الحديث: قبول الأعمال الظَّاهرة، والحكم بما يقتضيه الظَّاهر، والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم؛ خلافًا لمن أوجب تعلُّم الأدلَّة، وترك تكفير أهل البدع المقرِّين بالتَّوحيد الملتزمين للشَّرائع، وقبول توبة الكافر من غير تفصيلٍ بين كفرٍ ظاهرٍ أو باطنٍ.
وفيه: رواية الأبناء عن الآباء، وفيه التَّحديث والعنعنة والسَّماع، وفيه الغرابة مع اتِّفاق الشَّيخين على تصحيحه؛ لأنَّه تفرَّد بروايته شعبةُ عن واقدٍ، قاله ابن حبَّان، وهو عن شعبةَ عزيزٌ، تفرَّد بروايته عنه حَرَمِيٌّ المذكور، وعبدُ الملك بن الصَّبَّاح، وهو عزيزٌ عن حَرَمِيٍّ، تفرَّد به عنه
ج1ص108
المُسْنَديُّ، وإبراهيمُ بن محمَّد بن عرعرةَ، ومن جهة إبراهيم أخرجه أبو عوانة وابن حبَّان والإسماعيليُّ وغيرهم، وهو غريبٌ عن عبد الملك، تفرَّد به عنه أبو غسَّان مالكُ بن عبد الواحد شيخُ مسلمٍ، وليس هو في «مُسنَد أحمد» على سعته، قاله الحافظ ابن حجرٍ، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦523] كما سيأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته.
ج1ص109


[1] «كهي»: سقط من (س).
[2] في (م): «الأديان»، وهو تحريفٌ.
[3] «قتال»: سقط من (س).
[4] «أهل»: سقط من (م).
[5] في (ل): «بالصالحات».
[6] «هو»: سقط من (م).
[7] «له»: سقط من (ب).