إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده

15- وبه قال: (حَدَّثَنَا) وفي روايةٍ: ((أخبرنا)) (يَعْقُوبُ) أبو يوسفَ (ابْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثيرٍ الدَّورقيُّ العبديُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين المُهملَة وفتح اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، نسبةً إلى أمِّه، واسمه: إسماعيل بن إبراهيم بن سهمٍ البصريُّ الأسديُّ؛ أسد خزاعة، الكوفيُّ الأصل، المُتوفَّى ببغداد سنة أربعٍ وتسعين ومئةٍ (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) بضمِّ الصَّاد المُهمَلَة وفتح الهاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخرُه مُوحَّدةٌ، البُنانيِّ _بضمِّ المُوحَّدة وبالنُّون_ نسبةً إلى بُنانة؛ بطنٍ من قريشٍ، التَّابعيِّ كأبيه (عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية الأَصيليِّ: ((بن مالكٍ)) (عَنِ النَّبِيِّ) وفي رواية ابن عساكرَ: ((عن أنسٍ قال: قال النَّبيُّ)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) ولفظ متن هذا السَّند كما رواه ابن خزيمةَ في «صحيحه» عن يعقوبَ شيخ البخاريِّ بهذا الإسناد: «لا يؤمن أحدُكم حتَّى أكون أحبَّ إليه من أهله وماله»، بدل من «والده وولده».
وفي فرع «اليونينيَّة» هنا علامة التَّحويل: (ح: وَحَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ؛ بواو العطف على السَّند السَّابق العاري عن المتن، الموهمة لاستواء السَّندين في المتن الآتي، وليس كذلك؛ إذ لفظ متنه لم يذكره المؤلِّف مقتصرًا على لفظ رواية قتادة؛ نظرًا إلى أصل الحديث لا إلى خصوص ألفاظه؛ لكونها موافقةً للفظ أبي هريرةَ في الحديث السَّابق (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامةَ (عَنْ أَنَسٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكرَ وأبي الوقت: ((قال رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) الإيمانَ التَّامَّ (حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ) أبيه وأمِّه (وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) هو من باب عطف العامِّ على الخاصِّ، وهل تدخل النَّفس في عموم النَّاس؟ الظَّاهر: نعم، وقِيلَ: إضافة المحبَّة إليه تقتضي خروجه منهم؛ فإنَّك إذا قلت: جميع النَّاس أحبُّ إلى زيدٍ من غلامه؛ يُفهَم منه خروج زيدٍ منهم، وأُجِيب: بأنَّ اللَّفظ عامٌّ، وما ذُكِرَ ليس من المُخصَّصات، وحينئذٍ فلا يخرج، وقد وقع التَّنصيص بذكر النَّفس في حديث عبد الله بن هشامٍ الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦6632] والمُرَاد هنا: المحبَّة الإيمانيَّة؛ وهي اتِّباع المحبوب، لا الطَّبيعيَّة، ومن ثمَّ لم يحكم بإيمان أبي طالبٍ مع حبِّه له عليه الصلاة والسلام على ما لا يخفى، فحقيقة الإيمان لا تتمُّ ولا تحصل إلَّا بتحقيق إعلاء قَدْرِهِ ومنزلته على كلِّ والدٍ وولدٍ ومحسنٍ، ومن لم يعتقد هذا فليس بمؤمنٍ، وفي «المواهب اللَّدنيَّة بالمنح المحمَّديَّة» ممَّا جمعته في ذلك ما يشفي ويكفي.
ولمَّا ذَكَرَ المؤلِّف في هذا الباب أنَّ حبَّه عليه الصلاة والسلام من الإيمان أَرْدَفَه بما يُوجِدُ حلاوة ذلك، فقال:
ج1ص97