متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

6- (باب مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ)؛ بكسر الحاء المُهْمَلَة، وتخفيف اللَّام، لا بتشديدها [والجيم] [1] ، ولأبي عَوانة في «صحيحه» عن يزيد بن سنان عن أبي عاصمٍ: كان يغتسل من حلابٍ، فيأخذ غرفةً بكفَّيه [2] ، فيجعلها على شقِّه الأيمن ثمَّ الأيسر، وهو الذي يردُّ على من ظنَّ أنَّ الحِلَاب ضربٌ من الطِّيب، ويؤيِّده قوله بعد: (أَوِ الطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ) إذِ العطف يقتضي التَّغاير، وقد عقد المؤلِّف الباب لأحد الأمرين: الإناء والطِّيب؛ حيث أتى بـ: «أو» الفاصلة دون «الواو» الواصلة، فوفَّى بذكر أحدهما؛ وهو «الإناء»، وكثيرًا ما يترجم ثمَّ لا يذكر في بعضه حديثًا لأمورٍ سبق التَّنبيه عليها، ويحتمل أن يكون أراد بـ: «الحلاب»: الإناء الذي فيه الطِّيب، يعني: أنَّه يبدأ تارةً بطلب ظرف الطِّيب؛ وتارةً بطلب نفس الطِّيب، لكن في روايةٍ: ((والطِّيب))؛ بإسقاط الألف.

[1] «والجيم»: سقط من سائر النُّسخ.
[2] في (د): «بيديه».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(6) بابُ [1] مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ [2] أَوِ الطِّيبِ [3] عِنْدَ الغُسْلِ [4]

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي.
[2] بهامش اليونينية: الحِلاب والمِحْلَب: الإناء الذي تُحلَب فيه ذواتُ الألبان. (ن، ق)
[3] في رواية [عط] : «والطِّيبِ».
[4] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«الغَسْلِ».





( باب مَنْ بَدَأَ بِالْحِلاَبِ )

بحاء مهملة مكسورة، قيل: هذا من أوهام البخاري؛ لأنَّه ظَنَّ أَنَّ الحلاب نَوع مِنَ الطِّيْب فَبَوَّبَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هو إنَاء صُبَّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ماء، والحلابُ والمحلب الإناءُ الذي يحلب فيه.

وروي خارج «الصحيح» بالجيم المضمومة واللام المشددة، وفسر بماء الورد، وقال صاحب «النهاية»: يحتمل أن يكون البخاري أراد الجلاب، ولهذا ترجم البخاري به وبالطيب، ولكن الذي يروى في كتابه إنَّما هو بالحاء وهو بها أشبه؛ لأن الطيب لمن يغتسل بعد الغسل أليق منه قبله وأولى؛ لأنَّه إذا بدأ به ثم اغتسل أذهبه الماء.


(6) (باب: مَنْ بَدَأَ بِالْحِلاَبِ أَوِ الطِّيبِ قَبْل [1] الْغُسْلِ) هذا مما وَهَّموا البخاريَّ فيه [2] ؛ فإنه ظنَّ أن الحِلاب _ بكسر المهملة _ نوعٌ من الطيب، فبوَّبَ عليه، وإنما هو إناءٌ صُبَّ فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ماء، وروي خارج «الصحيح» بجيم مضمومة وتشديد اللام، وفسر بماء الورد.

وفي «نهاية ابن الأثير»: يحتمل أن يكون البخاري أراد هذا، ولكن المروي في كتابه إنما هو بالحاء .

قلت: فإذن لا وجه لاحتمال إرادته [3] ((الجلاب)) بالجيم.

[1] في المتن: ((عند)) .
[2] في (د): ((فيه البخاري)).
[3] في (م) و(ج): ((المراد به)).





قوله: (بَاب مَنْ بَدَأَ): هو بالهمز في آخره، من الابتداء.

قوله: (بِالحِلَابِ [1] أَو الطِّيبِ): (الحِلَاب) ؛ بكسر الحاء المهملة، وتخفيف اللَّام، وفي آخره باء بواحدة [2] ؛ وهو إناء يُملأُ قدر حلبة ناقة، ويقال له: المِحلب أيضًا، وفي هذا الحديث: (فأُتِيَ [3] بِشَيْءٍ نَحْوَ الحِلَابِ) ؛ يعني: بإناء، وهو المِحْلَب، قال في «المطالع»: ترجم البخاريُّ عليه بـ (باب الطِّيب عند الغسل) يدل على أنَّه عنده ضربٌ من الطِّيب، وهذا لا يعرف، وإنَّما المعروف حَبُّ المَحْلَب -بفتح الميم واللَّام-: نوع من العقاقير الهنديَّة يقع في الطِّيب، وقد رواه بعضهم في غير «الصَّحيحين»: (بشيء نحو الجُلَّاب) ، قال الأزهريُّ: الجُلَّاب؛ بالجيم: ماء الورد، وهو فارسيٌّ معرَّب، [والصَّواب ما بدأنا به، انتهى، وفي «النهاية»: في (الجيم): («دعا بشيء مثل الجُلَّاب وأخذ بكفِّه»: قال الأزهريُّ: أُراه أراد بالجُلَّاب: ماء الورد، وهو فارسيٌّ معرَّب] [4] ، والله أعلم) [5] ، ثُمَّ ذكره في (الحاء) ، فقال: (مثل الحلاب، وقد رويت بالجيم، وتقدَّم ذكرها، قال الأزهريُّ: قال أصحاب المعاني: الحلاب: هو ما تحلب فيه الغنم؛ كالمحلب سواء، فصُحِّف؛ يعْنُون: أنَّه كان يغتسل في ذلك الحلاب؛ أي: يضع فيه الماء الذي يغتسل منه [6] ، واختار الجُلَّاب بالجيم، وفسَّره بماء الورد [7] ، [وفي هذا الحديث في كتاب «البخاريِّ» إشكال، وربَّما ظُنَّ أنَّه تأوَّله على الطِّيب، فقال: «باب من بدأ بالحلاب والطِّيب عند الغسل»، وفي بعض النُّسخ: «أو الطِّيب»، ولم يذكر في الباب غير هذا الحديث: «أنَّه كان إذا اغتسل دعا بشيء نحو الحلاب»، وأمَّا مُسْلِم؛ فجمع الأحاديث الواردة في] [8] هذا المعنى في موضع واحد، وهذا الحديث منها، وذلك [من فعْله يَدُلُّك على أنَّه أراد الآنِية والمقادير، والله أعلم، ويحتمل أن يكون البخاريُّ ما أراد إلَّا الجُلَّاب بالجيم؛ ولهذا تَرْجَم] [9] الباب به، وبالطِّيب، ولكن الذي يُروى في كتابه إنَّمَا هو بالحاء، وهو بها أشبه؛ لأنَّ الطِّيب لمن يغتسل بعد الغسل أليق به قبله وأولى؛ لأنَّه إذا بدأ به ثُمَّ اغتسل؛ أذهبه الماء) [10] انتهى.

وللنَّاس كلام كَثِير في ذلك، ويكفي هذا مع أنَّه طويل، والله أعلم. [/ج1ص114/]

قوله: (عِنْدَ الغَسْلِ): هو بفتح الغين: الفعل، ويجوز ضمُّها [11] ، وقد تقدَّم.

[1] في هامش (ق): (ظن البخاري أنَّ الحلاب هو الطيب؛ فلهذا جعله ترجمة، الحلاب والمحلب الذي يحلبه فيه الألبان) .
[2] في (ب): (موحدة) .
[3] كذا في النسخ، وفي «اليونينيَّة» و (ق): (فدعا) .
[4] ما بين معوفين سقط من (ب) .
[5] «النهاية» مادَّة (جلب) .
[6] في النسخ: (فيه) ، والمثبت موافق لما في «النهاية» (*) .
[7] في (ج): (وفسرها الورد) .
[8] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[9] ما بين معقوفين سقط من النسخ، واستُفيد من «النهاية» مادَّة (حلب) .
[10] «النهاية» مادَّة (جلب) .
[11] في (أ) و (ب): (فتحها) ، والتصحيح من (ج) .






6- (باب مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ)؛ بكسر الحاء المُهْمَلَة، وتخفيف اللَّام، لا بتشديدها [والجيم] [1] ، ولأبي عَوانة في «صحيحه» عن يزيد بن سنان عن أبي عاصمٍ: كان يغتسل من حلابٍ، فيأخذ غرفةً بكفَّيه [2] ، فيجعلها على شقِّه الأيمن ثمَّ الأيسر، وهو الذي يردُّ على من ظنَّ أنَّ الحِلَاب ضربٌ من الطِّيب، ويؤيِّده قوله بعد: (أَوِ الطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ) إذِ العطف يقتضي التَّغاير، وقد عقد المؤلِّف الباب لأحد الأمرين: الإناء والطِّيب؛ حيث أتى بـ: «أو» الفاصلة دون «الواو» الواصلة، فوفَّى بذكر أحدهما؛ وهو «الإناء»، وكثيرًا ما يترجم ثمَّ لا يذكر في بعضه حديثًا لأمورٍ سبق التَّنبيه عليها، ويحتمل أن يكون أراد بـ: «الحلاب»: الإناء الذي فيه الطِّيب، يعني: أنَّه يبدأ تارةً بطلب ظرف الطِّيب؛ وتارةً بطلب نفس الطِّيب، لكن في روايةٍ: ((والطِّيب))؛ بإسقاط الألف.

[1] «والجيم»: سقط من سائر النُّسخ.
[2] في (د): «بيديه».





( باب: مَنْ بَدَأَ بِالْحِلاَبِ أو الطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ ) قال ابن حجر: مطابقة هذه التَّرجمة لحديث الباب أشكل أمرها قديمًا وحديثًا، فمنهم من نسب البخاريَّ إلى الوهم، وأنَّه ظنَّ أنَّ الحلاب طِيب، وإنَّما هو إناء قدر ما يحلب فيه. ففي «صحيح ابن خزيمة» و«ابن [/ج1ص369/] حبَّان»: «كان يغتسل من حلاب».

ومنهم من ضبطه على غير المعروف في الرِّواية لتتَّجه المطابقة كالأزهريِّ قال: صحَّف من ضبطه بالمهملة وتخفيف اللَّام، وإنَّما هو بضمِّ الجيم وتشديد اللَّام: ماء الورد فارسيٌّ معرَّب، ووهَّمَه في ذلك جماعةٌ، منهم: القرطبيُّ والنَّوويُّ.

ومنهم من تكلَّف له توجيهًا من غير تغيير كالمحبِّ الطَّبريِّ قال: لم يُرِدِ البخاريُّ بقوله: ( الطِّيب ) ما له عرف طيب، وإنَّما أراد تطييب البدن بإزالة ما فيه من وسخ وقذر، وأراد بالحلاب: الإناء الذي يغتسل منه، يبدأ به فيوضع فيه ماء الغسل، قال: و ( أو ) في قوله ( أو الطِّيب ) بمعنى الواو، ومُحصَّل ما ذكره أنَّه يحمله على إعداد ماء الغسل ثمَّ الشُّروع في التَّنظيف قبل الشُّروع في الغسل.


(6) (بابُ مَن بدأ بالحِلاب أو الطِّيب عند الغُسل) [1]

[1] ما بين قوسين زيادة من هامش (ر).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

هذا ((باب)) حكم ((من)) ؛ أي: الذي ((بدأ بالحِلاب أو الطيب عند الغُسل)) ؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ أي: من الجنابة، قال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري»: واستشكل القوم مطابقة هذه الترجمة لحديث الباب، فافترقوا ثلاث فرق:

الفرقة الأولى: قد نسبوا البخاري إلى الوهم، والغلط منهم إلا الإسماعيلي، فإنه قال في «مستخرجه»: (يرحم الله أبا عبد الله؛ يعني: البخاري من ذا الذي يسلم من الغلط، سبق إليه قلبه أن الحلاب طيب، وأي معنى للطيب عند الاغتسال قبل الغسل؟ وإنما الحلاب: إناء يحلب فيه، وسمي محلبًا أيضًا، وهذا الحديث له طرق يتأمل المتأمل بيان ذلك حيث جاء فيه: (كان يغتسل من حلاب) ، ورواه هكذا أيضًا ابن خزيمة وابن حبان، وروى أبو عوانة في «صحيحه» عن يزيد بن سنان، عن أبي عاصم بلفظ: (كان يغتسل من حلاب فيأخذ غرفة بكفيه، فيجعلها على شقه الأيمن، ثم الأيسر) ؛ كذا الحديث، فقوله: (يغتسل) ، وقوله: (غرفة) أيضًا مما يدل على أن الحلاب: إناء الماء، وفي رواية لابن حبان والبيهقي: (ثم يصب على شق رأسه الأيمن) ، والطيب لا يعبر عنه بالصب، وروى الإسماعيلي من طريق بندار عن أبي عاصم بلفظ: (كان إذا أراد أن يغتسل من الجنابة دعا بشيء دون الحلاب، فأخذ بكفه فبدأ بالشق الأيمن ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه ماء، فأفرغ على رأسه) ، فلولا قوله: (ماء) ؛ لأمكن حمله على الطيب قبل الغسل، ورواية أبي عَوانة أصرح من هذه، ومن هؤلاء الفرقة ابنُ الجوزي حيث قال: غلط جماعة في تفسير الحلاب؛ منهم: البخاري، فإنَّه ظنَّ أن الحلاب شيء من الطيب.

والفرقة الثانية: منهم الأزهري: قالوا: هذه تصحيف، وإنما هو الجُلَّاب؛ بضمِّ الجيم، وتشديد اللام؛ وهو ماء الورد، فارسي معرب.

والفرقة الثالثة: منهم الطبري: قالوا: لم يرد البخاري بقوله: (أو الطيب) ما له عرف طيب، وإنما أراد تطييب البدن وإزالة ما فيه من وسخ ودرن ونجاسة إن كانت، وإنما أراد بالحلاب: الإناء الذي يغتسل منه يبتدأ به فيوضع فيه ماء الغسل، قال الطبري: وكلمة (أو) في قوله: (أو الطيب) بمعنى الواو، كذا ثبت في بعض الروايات، ثم قال إمام الشارحين: أقول وبالله التوفيق: لا يظن أحد أن البخاري أراد بالحلاب ضربًا من الطيب؛ لأنَّ قوله: (أو الطيب) يدفع ذلك، ولم يرد إلا الإناء يوضع فيه ماء، قال الخطابي: الحلاب: إناء يتَّسع قدر حلبة ناقة، والدليل على أن الحلاب ظرف: قول الشاعر:

~صاح هل رأيت أو سمعت براع رد في الضرع ما بقي في الحلاب

وقال القاضي عياض: الحلاب والمِحلب؛ بكسر الميم: وعاء ملؤه قدر حلب الناقة، ومن الدليل على أن المراد من الحلاب غير الطيب: عطفُ (الطيب) عليه بكلمة (أو) ، وجعله قسيمًا له، وبهذا يندفع ما قاله الإسماعيلي: إن البخاري سبق إلى قلبه أن الحلاب طيب وكيف يسبق إلى قلبه ذلك، وقد عطف (الطيب) عليه، والمعطوف غير المعطوف عليه، وكذلك دعوى الأزهري التصحيف غير صحيحة؛ لأنَّ المعروف في الرواية بالمهملة والتخفيف، وكذلك أنكر عليه أبو عبيد الهروي، وقال القرطبي: الحِلاب؛ بكسرالمهملة، وقد وهم من ظنه من الطيب، وكذا من قاله بضمِّ الجيم على أن قوله بتشديد اللام غير صحيح؛ لأنَّ في اللغة الفارسية: ماء الورد هو جُلَاب؛ بضمِّ الجيم، وتخفيف اللام، وأصله: كُلَاب، فكلٌّ بضمِّ الكاف: الصماء، وبسكون اللام: اسم للورد عندهم، وآب؛ بمد الهمزة، وسكون الموحدة: اسم للماء؛ لأنَّ عندهم أنَّ المضاف إليه يتقدم على المضاف، وكذلك الصفة تتقدم على الموصوف، وإنما الجلَّاب بتشديد اللام؛ فاسم [/ص267/] للمشروب.

فإن قلت: إذا ثبت أنَّ الحلاب اسم للإناء؛ فالمذكور في الترجمة شيئان؛ أحدهما: الإناء، والآخر: الطيب، وليس في حديث الباب ذكر الطيب، فلا يطابق الحديث الذي فيه إلا بعض الترجمة؟

قلت: قد عقد الباب؛ لأحد الأمرين حيث جاء بـ (أو) الفاصلة دون (الواو) الواصلة، فوفى بذكر أحدهما على أنَّه كثيرًا يذكر في الترجمة شيئًا ولا يذكر في الباب حديثًا متعلقًا به لأمر يقتضي ذلك.

فإن قلت: ما المناسبة بين ظرف الماء والطيب؟

قلت: من حيث أنَّ كلًّا منهما يقع في مبدأ الغسل، ويحتمل أيضًا أنَّه أراد بالحلاب: الإناء الذي فيه الطيب؛ يعني به: تارة يطلب ظرف الطيب، وتارة يطلب نفس الطيب، كذا قاله الكرماني، ولكن يرد عليه ما رواه الإسماعيلي من طريق مكي بن إبراهيم عن حنظلة في هذا الحديث: (كان يغتسل بقدح) بدل قوله: (بحلاب) ، وزاد فيه: (كان يغسل يديه، ثم يغسل وجهه، ثم يقول بيديه ثلاث غرف) انتهى كلام «عمدة القاري» رحمه الله تعالى.