متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

257- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) التَّبوذكيُّ، وزاد أبوا الوقت وذَرٍّ وابن عساكر: ((ابن إسماعيل))، (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زيادٍ، البصريُّ، (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران، (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) بسكون العَيْن، (عَنْ كُرَيْبٍ) بالتَّصغير (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ) بنت الحارث أمُّ المؤمنين رضي الله عنها: (وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَاءً لِلْغُسْلِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ)، كذا بالتَّثنية للكُشْمِيْهَنِيِّ، وللحَمُّويي [1] والمُستملي: ((يده)) (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا)، الشَّكُّ [2] من الأعمش أو من [/ج1ص319/] ميمونة، (ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ)؛ جمع: ذكرٍ، على غير قياسٍ؛ فرقًا بينه وبين الذَّكَر خلاف الأنثى، وعبَّر بلفظ الجمع وهو واحدٌ؛ إشارةً إلى تعميم غسل الخصيتين وحواليهما معه، كأنَّه جعل كلَّ جزءٍ من هذا المجموع كذكَرٍ في حكم الغسل، قال النَّوويُّ: ينبغي للمغتسل من نحو إبريقٍ أن يتفطَّن لدقيقةٍ؛ وهي: أنَّه إذا استنجى؛ يعيد غسل محلِّ الاستنجاء بالغسل [3] ، بنيَّة غسل الجنابة؛ لأنَّه إذا لم يغسل الآن ربَّما غفل عنه بعد ذلك، فلا يصحُّ غسله؛ لتركه بعض البدن، فإنْ تذكَّر؛ احتاج لمسِّ فرجه فينتقض وضوءه، أو يحتاج إلى تكلُّف لفِّ خرقةٍ على يده، انتهى. (ثُمَّ مَسَحَ) عليه الصلاة والسلام (يَدَهُ) بالإفراد (بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ)؛ بالتَّثنية، (ثُمَّ أَفَاضَ) الماء (عَلَى جَسَدِهِ)، يتناول المرَّة فأكثر، ومن ثمَّ تحصل المُطابقَة بين الحديث والتَّرجمة، قال ابن بطَّالٍ: ولم يذكر في الإفاضة كميَّةً، فحُمِلَ على أقلِّ ما يمكن، وهو الواحد [4] ، والإجماع على وجوب الإسباغ والتَّعميم لا العدد، (ثُمَّ تَحَوَّلَ) عليه الصلاة والسلام (مِنْ [5] مَكَانِهِ، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ).

ورواة هذا الحديث ستَّةٌ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أصحاب الكتب السِّتَّة [6] .

[1] في (م): «ولأبي ذَرٍّ والحَمُّوي».
[2] في (م): «بالشَّكِّ».
[3] «بالغسل»: مثبتٌ من (م).
[4] في (د): «واحدٌ».
[5] في (د): «عن».
[6] في غير (م): «الخمسة»، وقد أخرجه ابن ماجه.





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

257-. حدَّثنا مُوسَىَ [1] ، قالَ: حدَّثنا عَبْدُ الواحِدِ، عن الأَعْمَشِ، عن سالِمِ بنِ أَبِي الجَعْدِ، عن كُرَيْبٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قالَ:

قالتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ماءً لِلْغُسْلِ [2] ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ [3] مَرَّتَيْنِ _أَوْ: ثَلَاثًا_، ثُمَّ أَفْرَغَ علىَ شِمالِهِ، فَغَسَلَ مَذاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفاضَ علىَ جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ.

[1] في رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت زيادة: «بن إسماعيل».
[2] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«لِلْغَسْلِ».
[3] في رواية [عط] ورواية أبي ذر عن الحَمُّويي والمُستملي: «يده» بالإفراد.





257- ( مَذَاكِيرَهُ ) جمعه مع أنَّه ليس في الجسد منه إلا واحد باعتبار ما يتصل به، وقيل: إنه من الجمع الذي لا واحدَ له كعبابيد وأبابيل. [/ج1ص111/]


257# (مَذَاكِيرَهُ) جَمَعَه مع أنه ليس في الجسد منه إلا واحد باعتبارِ تسميةِ كل جزءٍ منه باسم الكل، ثم هو جمعُ ذَكَرٍ [1] على غير قياس، كأنهم فرقوا بين العضو حيث جمع هكذا، وبين الفحل؛ حيث جُمع [2] على [3] ذكور، وذُكران، وقيل: هو جمعٌ لا واحدَ له؛ كأبابيل.

@%ج1ص148%

[1] في (ج) زيادة: ((يأتي)).
[2] ((هكذا وبين الفحل حيث جُمع)): ليست في (د).
[3] ((على)): ليست في (ق).





257- قوله: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ): تقدَّم مرَّات أنَّ هذا هو التَّبُوْذَكيُّ، وتقدَّم بعض ترجمته، والكلام على نسبته.

قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ): هذا هو ابن زياد العبديُّ مولاهم، البصريُّ، تقدَّم، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (عن الأَعْمَشِ): تقدَّم أنَّه سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ أبو محمَّد الكاهليٌّ الإمام.

قوله: (لِلغَسْلِ): هو بفتح الغين: الفعل، وهو في أصلنا مضمومها، وهي لغة، تقدَّمت.

قوله: (مَذَاكِيرَهُ): هو جمع ذكر على غير قياس، وقد جمعه مع أنَّه ليس في الجسد منه إلَّا واحد، وذلك باعتبار ما يتَّصل به، وقيل: إنَّه من الجمع الذي لا واحد له؛ كعباديد، وشماطيط [1] .

[1] في (ج): (وشماميط) ، وهو تحريفٌ.





لا تتوفر معاينة

257- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى) التَّبوذكيُّ، وزاد أبوا الوقت وذَرٍّ وابن عساكر: ((ابن إسماعيل))، (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زيادٍ، البصريُّ، (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران، (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) بسكون العَيْن، (عَنْ كُرَيْبٍ) بالتَّصغير (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ) بنت الحارث أمُّ المؤمنين رضي الله عنها: (وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَاءً لِلْغُسْلِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ)، كذا بالتَّثنية للكُشْمِيْهَنِيِّ، وللحَمُّويي [1] والمُستملي: ((يده)) (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا)، الشَّكُّ [2] من الأعمش أو من [/ج1ص319/] ميمونة، (ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ)؛ جمع: ذكرٍ، على غير قياسٍ؛ فرقًا بينه وبين الذَّكَر خلاف الأنثى، وعبَّر بلفظ الجمع وهو واحدٌ؛ إشارةً إلى تعميم غسل الخصيتين وحواليهما معه، كأنَّه جعل كلَّ جزءٍ من هذا المجموع كذكَرٍ في حكم الغسل، قال النَّوويُّ: ينبغي للمغتسل من نحو إبريقٍ أن يتفطَّن لدقيقةٍ؛ وهي: أنَّه إذا استنجى؛ يعيد غسل محلِّ الاستنجاء بالغسل [3] ، بنيَّة غسل الجنابة؛ لأنَّه إذا لم يغسل الآن ربَّما غفل عنه بعد ذلك، فلا يصحُّ غسله؛ لتركه بعض البدن، فإنْ تذكَّر؛ احتاج لمسِّ فرجه فينتقض وضوءه، أو يحتاج إلى تكلُّف لفِّ خرقةٍ على يده، انتهى. (ثُمَّ مَسَحَ) عليه الصلاة والسلام (يَدَهُ) بالإفراد (بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ)؛ بالتَّثنية، (ثُمَّ أَفَاضَ) الماء (عَلَى جَسَدِهِ)، يتناول المرَّة فأكثر، ومن ثمَّ تحصل المُطابقَة بين الحديث والتَّرجمة، قال ابن بطَّالٍ: ولم يذكر في الإفاضة كميَّةً، فحُمِلَ على أقلِّ ما يمكن، وهو الواحد [4] ، والإجماع على وجوب الإسباغ والتَّعميم لا العدد، (ثُمَّ تَحَوَّلَ) عليه الصلاة والسلام (مِنْ [5] مَكَانِهِ، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ).

ورواة هذا الحديث ستَّةٌ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أصحاب الكتب السِّتَّة [6] .

[1] في (م): «ولأبي ذَرٍّ والحَمُّوي».
[2] في (م): «بالشَّكِّ».
[3] «بالغسل»: مثبتٌ من (م).
[4] في (د): «واحدٌ».
[5] في (د): «عن».
[6] في غير (م): «الخمسة»، وقد أخرجه ابن ماجه.





257- ( فَغَسَلَ يَدَهُ ) للكُشْمِيهنيِّ: «يديه».

( مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا ): الشَّكُّ من الأعمش.

( مَذَاكِيرَهُ ): جمع ذكر على غير قياس، وقيل: جمع مذكار، وكأنَّهم فرَّقوا بين العضو وبين خلاف الأنثى، وقيل: جمع لا واحد له، وجُمِعَ مع أنَّه ليس في الجسد إلَّا واحد بالنَّظر لما يتَّصل به.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

257- وبالسَّند قال: ((حدثنا موسى بن إسماعيل [1] ) ) : هو التَّبُوذكي، وفي رواية: الاقتصار على (موسى) فقط ((قال: حدثنا عبد الواحد)) : هو ابن زياد البصري، ((عن الأعمش)) : هو سليمان بن مهران، ((عن سالم)) ؛ بالسين المهملة ((بن أبي الجَعْد)) ؛ بفتح الجيم، وسكون العين المهملة، ((عن كُريب)) ؛ بضمِّ الكاف: مولى ابن عباس، ((عن ابن عباس)) رضي الله عنهماأنَّه ((قال: قالت مَيمُونة)) ؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية: بنت الحارث زوج النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وخالة ابن عباس: ((وضعت للنبيِّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم ماء للغُسل)) ؛ بضمِّ الغين المعجمة من الجنابة؛ أي: لأجل أن يغتسل فيه منها، ((فغسل يديه)) ؛ بالتثنية للكشميهني، وفي رواية المستملي والحَمُّوي: بالإفراد ((مرتين أو ثلاثًا)) ؛ بالشك، والظاهر أنَّه من ميمونة، ولذا قال الكرماني: (الشك من ميمونة) ، وزعم ابن حجر أنَّ الشك من الأعمش؛ كما سيأتي من رواية أبي عَوانة عنه، وغفل الكرماني، فقال: (الشك من ميمونة) .

واعترضه إمام الشارحين فقال: (قلت: هذا مرَّ في باب «من أفرغ بيمينه على شماله في الغسل»، ولفظه: «فغسلها مرة أو مرتين»، قال سليمان: «لا أدري أذكر الثانية أم لا؟»، وسليمان هو الأعمش، ولكن الشك ههنا بين مرتين أو ثلاثًا، وهناك بين مرة أو مرتين، فعلى هذا: تعين الشك من الأعمش، ولكن موضعه مختلف) انتهى.

قلت: ولما كان موضعه مختلفًا؛ تبين أنَّ الشك ليس من الأعمش ههنا، أمَّا هناك؛ فالشك منه؛ كما قال صاحب «عمدة القاري» على أنَّ هذا الحديث ليس له تعلق بالحديث الذي سبق من رواية أبي عَوانة، وفي الحديث ههنا التصريح بمرتين أو ثلاث [2] ، وهناك بالمرة أو المرتين، ولا شك أنَّ بين الحديثين اختلافًا [3] ، فدل ذلك على أنَّ الشك ليس من الأعمش، وتعين أنَّ الشك من ميمونة، وهو ظاهر السياق؛ فافهم.

وبهذا ظهر أنَّ الكرماني لم يغفل، بل الغافل الذاهل ابن حجر، فإنَّه لم يفرق بين الحديثين مع اختلاف ألفاظهما وتباينهما في اللفظ والمعنى، وليس هذا شأن أهل الحديث؛ فليحفظ.

((ثم أفرغ على شِماله)) ؛ بكسر الشين المعجمة، ضد اليمين، وبالفتح: ضد الجنوب، ((فغسل مذاكيره)) : هو جمع ذكر على خلاف القياس؛ كأنَّهم فرقوا بين الذكر الذي هو خلاف الأنثى، والذكر الذي هو الفرج في الجمع.

وقال الأخفش: (هو جمع لا واحد له؛ كأبابيل) .

قلت: قيل: إنَّ الأبابيل جمع أبول؛ كعجاجيل جمع عجول، وقيل: هو جمع مذكار، ولكنهم لم يستعملوه وتركوه، والنكتة في ذكره بلفظ الجمع الإشارة إلى تعميم غسل الخصيتين وحواليهما؛ كأنَّه جعل كل جزء من هذا المجموع كذكر في حكم الغسل، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»؛ فافهم.

((ثم مسح)) أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((يده)) بالإفراد؛ أي: الشمال ((بالأرض)) مبالغة في إزالة ما عساه يكون عليها، وفيه حذف؛ أي: ثم غسلها، كما دلت عليه الروايات السابقة، ويأتي التصريح به في باب (المضمضة والاستنشاق) ، وعند مسلم في هذا الحديث: (فغسل فرجه وما أصابه، ثم مسح يده بالحائط أو الأرض، ثم غسلها) ، ((ثم مضمض واستنشق)) : كل واحدة بثلاث غرفات، فلو فعلهما مرة واحدة؛ سقط الفرض وترك السنة، ويكفي الشرب عبًّا عن المضمضة لا مصًّا؛ لأنَّ المجَّ _وهو طرح الماء من الفم_ ليس بشرط على الصحيح، وقيل: إنَّه شرط، وأمَّا الشرب مصًّا؛ فلا يجزئه، كما صرَّح به في «البحر».

ولو كان سنُّه مجوفًا، أو بين أسنانه طعام، أو درن رطب؛ يجزئه؛ لأنَّ الماء لطيف يصل إلى كل موضع غالبًا، كذا في «التجنيس».

وذكر الإمام الحسامي: أنَّه إذا كان في أسنانه كوَّات فيها طعام؛ لا يجزئه ما لم يخرجه، ويجري عليها الماء.

وفي «المعراج»: (الأصح أنَّه يجزئه) .

قال في «البحر»: (فالاحتياط أن يخرجه) انتهى.

ويفترض غسل ما تحت الدرن الذي في الأنف، قال في «فتح القدير»: (والدرن اليابس في الأنف؛ كالخبز الممضوغ والعجين يمنع) انتهى؛ أي: إيصال الماء إلى ما تحته؛ فلا بد من إخراجه، وهذا غير الدرن المجتمع تحت الأظفار، وقيد باليابس لما في «شرح الدرر»: أنَّ الدرن الرطب اختلف فيه المشايخ، كما في «القنية» عن «المحيط»، والمعتمد إخراجه أيضًا؛ لأنَّه لزج غالبًا لا يصل الماء إلى ما تحته، ولو نسي المضمضة والاستنشاق في الغسل وصلى، ثم تذكر؛ فلو صلى نفلًا؛ لم يعد؛ لعدم صحة شروعه، وأمَّا لو صلى فرضًا؛ فيلزمه قضاؤه؛ لعدم انعقاده، كذا في «منهل الطلاب».

((وغسل وجهه)) : وإن اكتحل بكحل نجس؛ لا يجب غسله، كما في «الدر المختار»، لكن في «الخادمي»: (ينبغي غسله زجرًا، ولعدم الحرج؛ للقلة) انتهى.

قلت: بل، لا ينبغي غسله لما قالوا: إذا جرى الدم في العين لا يجب غسله، ودعوى عدم الحرج ممنوعة للضرر؛ لأنَّ العين شحم، فيخشى عليها من الماء انجماده فيقع في العمى، وهو حرج مدفوع بالنص، كذا في «منهل الطلاب».

((و)) غسل ((يديه)) ؛ بالتثنية، وعند ابن ماجه: (فغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا) ، ولم يذكر مسح رأسه هنا، ولا في «ابن ماجه» وغيرها، فدل على أنه لم يتوضأ قبل الغسل، بل هذه كيفية الغسل الفرض حيث إنَّه غسل يديه، وهو كالغسل عند الاستيقاظ من النوم، ثم غسل مذاكيره، وهذا هو الاستنجاء، ثم تمضمض واستنشق؛ لأنَّها من تمام غسل البدن، ((ثم أفاض)) ؛ أي: أسال الماء ((على جسده)) كله، فيدخل فيه غسل الرأس، والأذنان، واللحية، والسرة، والحاجبان، وغيرها؛ لأنَّ الجسد: الرأس وما نزل عنه إلى القدمين، ويدل لذلك رواية الحسن عن النعمان.

وزعم العجلوني أنَّه لم يذكر مسح الرأس إمَّا للنسيان، وإلا؛ فلا بد من مسحه.

قلت: فقد غفل وذهل؛ لأنَّ المراد من هذا الحديث بيان الغسل الفرض فقط من غير إتيان بسننه بدليل أنَّه ترجم له المؤلف بالغسل مرة، والفرض لا يقتضي التكرار، وللتنبيه على أنَّه إذا فعل الجنب هذه الأفعال من غير تقدم وضوء؛ يجزئه ذلك، وعلى أنَّ المراد تعميم ما يمكن غسله من الجسد بلا حرجٍ؛ فرضٌ، والنسيان من الراوي غير ممكن؛ لأنَّه حجة ثقة عليه نظر رسول الله عليه السلام، فلا يمكن ذهول الراوي عن ذكر شيء من ذلك؛ لأنَّه مأمون في ذلك.

وقوله: (فلا بد من مسحه) ؛ ممنوع؛ لأنَّه [4] في الإفاضة على الجسد مسح وغسل، على أنَّه لم يتوضأ وضوء الصَّلاة حتى يلزم مسح الرأس، على أنَّه ليس في الحديث تصريح بأنَّه توضَّأ وضوء الصَّلاة، بل بيان كيفية فرائض الغسل،[/ص266/] كما لو تمضمض واستنشق وانغمس بالماء؛ فقد أجزأه، وإن مكث قدر الوضوء والغسل؛ فقد أكمل السنة، كما قدمناه؛ فليحفظ.

((ثم تَحَوَّل)) ؛ أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو بالمثناة الفوقية، والحاء المهملة، والواو المشددة المفتوحات؛ أي: تباعد ((عن مكانه)) ؛ أي: الذي اغتسل فيه تحرُّزًا عن الماء المستعمل؛ لاجتماعه ((فغسل قدميه)) ؛ أي: رجليه الشريفتين في المكان الثاني؛ تنظيفًا لهما عن الماء المستعمل، وهذا الغسل مستحب؛ ليكون البداءة والختم بأعضاء الوضوء، وهذا هو ظاهر الحديث وإن استبعده العجلوني تعصبًا، واستظهر أن غسلهما تكميلًا للوضوء الذي يسن قبل الغسل.

قلت: وهو مردود، فإن لم يوجد الوضوء منه عليه السلام في هذا الغسل لما قدمنا أن المراد بيان فرائض الغسل فقط، وسننه ثبتت بأحاديث أخرى غير هذا، أما هذا الحديث؛ فإنه ظاهر في أن غسلهما كان لما أصابهما من الماء المستعمل، ولم يوجد تصريح بالوضوء فيه أصلًا، فدل على أن هذا كيفية الغسل المفروض فقط من غير إتيان بسننه؛ فليحفظ.

ومطابقته للترجمة في قوله: (ثم أفاض على جسده) حيث لم يقيده بالمرة ولا المرتين، فحمل على أقل ما يسمَّى غسلًا، وهو المرة الواحدة، فإن الأمر لا يقتضي التكرار، وأجمع العلماء على أن الشرط في الغسل التعميم والإسباغ لا العدد من المرات، فالفرض في الغسل تعميم ما يمكن غسله من البدن من الماء مع سائر شعوره ولحيته ولو كثيفة؛ لخبر الحسن وإن ضعفه النووي، بل قال القرطبي: (إنه صحيح عن علي بن أبي طالب يرفعه: «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسله؛ فعل به كذا وكذا [5] من النار»، قال: فمن ثم عاديت شعر رأسي) ، فيفترض غسل داخل المضفور من شعر الرجل ونقض ضفائره، ولو كان علويًّا أو تركيًّا، وإيصال الماء إلى ما استرسل من شعره، هذا هو الصحيح، أمَّا الشعر المعقود بنفسه؛ فالظاهر أنه لا يجب غسله؛ لأنَّ الاحتراز عنه غير ممكن، سواء كان من شعر الرجل أو المرأة، وأما الدرن المتولد من الجسد الذي يذهب بالدلك في الحمام؛ فإنه لا يمنع وصول الماء إلى الجسد، بخلاف الدرن الذي في الأنف؛ فإنه يمنع كما سبق، ولا يمنعه وسخ وتراب وطين، ولو كان في ظفر سواء كان قرويًّا أو مدنيًّا على الأصحِّ، وفرق بعضهم بينهما بأن القروي درنه من التراب والطين؛ فينفذ الماء إلى ما تحته، وأما المدني؛ فليس كذلك، بل يكون من الودك، فلا ينفذ الماء إلى ما تحته، وهو الاحتياط، ولا يمنعه دهن؛ كزيت، وسمن مائع، ودسومة.

قال نور الدين المقدسي: (دهن رجليه، ثم توضأ وأمر الماء عليهما ولم يقبل الماء للدسومة؛ يجزئه لوجود غسل الرجلين بخلاف نحو عجين، وشحم، وسمن جامد، وعلك، وشمع، وقشر سمك، وخبز ممضوغ؛ فإنه مانع يجب إزالته، لكن ذكر في «النهر»: (ولو في أظفاره طين أو عجين؛ فالفتوى على أنه مُغتفَر قرويًّا كان أو مدنيًّا) انتهى.

وفي الحديث: استحباب الإفراغ باليمين على الشمال، وفيه: مسح اليد بالتراب من الأرض، وفيه: جواز الاستعانة بإحضار ماء الاغتسال والوضوء، وفيه: خدمة الزوجات للأزواج، وفيه: غسل اليدين ثلاثًا في أول الغسل، وفيه: دلالة ظاهرة على افتراض المضمضة والاستنشاق في الغسل. وقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] ؛ أي: طهِّروا أبدانكم، يدل على ذلك، ولأن الأمر يقتضي أنه يجب غسل كل ما يمكن غسله من الجسد، وهذا يشمل المضمضة والاستنشاق، وهو ظاهر، وقد مضى الكلام على ذلك، وسيأتي تمام لذلك، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم.

وفيه: دلالة على نجاسة الماء المستعمل؛ لأنَّ قوله: (ثم يتحول...) إلى آخره صريح في ذلك؛ لأنَّه لو لم يكن نجسًا؛ لما تحول من مكانه ذلك، وما تحوله إلا لنجاسته، والاحتراز عنه أحوط، كما لا يخفى، والمذهب المصحَّح المفتى به عندنا: أن الماء المستعمل طاهر في نفسه، يجوز شربه والعجن به، إلا أن النفس تعافه، وقدمنا ذلك، والله أعلم.

[1] في الأصل: (إسماعيلي)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (ثلاثًا)، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (اختلاف)، وليس بصحيح.
[4] في الأصل: (لأن)، ولعل المثبت هو الصواب.
[5] في الأصل: (كذا)، وليس بصحيح.