متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

249- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ)، الفريابيُّ لا البيكنديُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثِّوريُّ لا ابن عُيَيْنَةَ، (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران، (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العَيْن المُهمَلَة (عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) هو كالذي قبله، احترازًا عن الوضوء اللُّغويِّ الذي هو: غسل اليدين فقط، (غَيْرَ رِجْلَيْهِ)، فأخَّرهما، قال القرطبيُّ: ليحصل الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء، والأرجح عند الشَّافعيَّة والمالكيَّة تكميل الوضوء. نعم؛ نُقِلَ في «الفتح» عن مالكٍ: إن كان المكان غير نظيفٍ؛ فالمُستحَبُّ تأخيرهما، وكذا نُقِلَ عن الشَّافعيَّة أيضًا، وأجاب القائل بالتَّأخير: بأنَّ الاستثناء زائدٌ على حديث عائشة، والزِّيادة من الثِّقة مقبولةٌ، وأُجِيب: بأنَّ حديث عائشة هو الذي فيه زيادة الثِّقة؛ لاقتضائه غسل الرِّجلين فيُقدَّم، وحمل القائل بالتَّأخير أيضًا إطلاقها على فعل أكثر الوضوء؛ حملًا للمُطلَق على المُقيَّد، وأُجِيب: بأنَّه ليس من المُطلَق والمُقيَّد؛ لأنَّ ذلك في الصِّفات لا في غسل جزءٍ وتركه، وحمله الحنفيَّة على أنَّه كان في مستنقعٍ، كما تقدَّم قريبًا أنَّ [1] مذهبهم: إن كان في [2] مستنقعٍ؛ أخَّر، وإِلَّا؛ فلا، قالوا: وكلُّ ما جاء من الرِّوايات التي فيها تأخير الرِّجلين؛ فهو محمولٌ عليه؛ جمعًا بين الرِّوايات.

(وَغَسَلَ) عليه الصلاة والسلام (فَرْجَهُ)؛ أي: ذَكَره المُقدَّس، وأخَّره؛ لعدم وجوب التَّقديم، وهذا مذهب الشَّافعيَّة. نعم؛ قال النَّوويُّ في «زيادة الرَّوضة»: ينبغي [3] أن يستنجيَ قبل الوضوء والتَّيمُّم، فإن قدَّمهما؛ صحَّ الوضوء لا التَّيمُّم. انتهى. أو لأنَّ الواو لا تقتضي التَّرتيب، فيكون قدَّمه والمُراد: أنَّه جمع بين الوضوء وغسل الفرج وهو وإن كان لا يقتضي تقديم أحدهما على الآخر على التَّعيين؛ فقد بيَّن ذلك فيما رواه المؤلِّف في «باب السَّتر في الغسل»، من طريق ابن المُبارك عنِ الثَّوريِّ: «فذكر أوَّلًا غسل اليدين، ثمَّ غسل الفرج، ثمَّ مسح يده [4] بالحائط، ثمَّ الوضوء غير رجليه»، وأتى بـ: «ثمَّ» الدَّالَّة على التَّرتيب في جميع ذلك، (وَ) غسل عليه الصلاة والسلام (مَا)؛ أي: الذي (أَصَابَهُ مِنَ الأَذَى) الطَّاهر، كالمنيِّ على الذَّكَر والمخاط، ولو كان على جسد المغتسل نجاسةٌ؛ كفاه لها، وللجنابة واحدةٌ على ما صحَّحه النَّوويُّ، والسُّنَّة: البدء بغسلها؛ ليقع الغسل على أعضاءٍ طاهرةٍ، (ثُمَّ أَفَاضَ) صلى الله عليه وسلم (عَلَيْهِ الْمَاءَ ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا هَذِهِ) الأفعالُ المذكورةُ (غُسْلُهُ) عليه الصَّلاة السَّلام أو صفةُ غُسْلِه، وضبَّب عليها ابن عساكر، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((هذا غُسْلُه)) (مِنَ الْجَنَابَةِ).

وفي هذا الحديث: تابعيٌّ عن تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيَّان [5] ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في مواضع، ومسلمٌ، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابن ماجه في «الطَّهارة».

[1] في (د): «إذْ».
[2] «في»: سقط من (د).
[3] في (م): «فينبغي».
[4] في (د): «بيده».
[5] في (د): «وصحابيٌّ عن صحابيٍّ».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

249-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ، قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ، عن الأَعْمَشِ، عن سالِمِ بنِ أَبِي الجَعْدِ، عن كُرَيْبٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ:

عن مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالتْ: تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَما أَصابَهُ مِنَ الأَذَىَ، ثُمَّ أَفاضَ عَلَيْهِ الماءَ، ثُمَّ نَحَّىَ رِجْلَيْهِ، فَغَسَلَهُما، هَذِهِ [1] غُسْلُهُ مِنَ الجَنابَةِ.

[1] لفظة: «هذه» مُضبَّب عليها في رواية ابن عساكر، وفي رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «هذا».





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

249- قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ): تقدَّم مرارًا أنَّه الفريابيُّ لا البيكنديُّ، وقدَّمت الأماكن التي روى فيها البخاريُّ عنِ البيكنديِّ مُحَمَّدِ بن يُوسُفَ، والله أعلم، وكذا قال شيخنا: هو الفريابيُّ؛ كما صرَّح به أبو نعيم، انتهى.

قوله: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ): هذا هو الثَّوريُّ، العالم المشهور، تقدَّم، وكذا قال شيخنا: إنَّه الثَّوريُّ.

قوله: (عَنِ الأَعْمَشِ): تقدَّم مرارًا أنَّه سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ أبو محمَّد الكاهليُّ، العلم المشهور.

قوله: (وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ): تقدَّم مرارًا أنَّه بضمِّ الواو: الفعل، وأنَّه يجوز فيه الفتح.

[قوله: (هَذِا غَسْلُهُ مِن الجَنَابَةِ): (غَسْلُهُ): بفتح الغين: الفعل، وقد تقدَّم أعلاه أنَّه يجوز فيه الفتح والضَّمُّ] [1] ، والله أعلم.

[1] ما بين معقوفين سقط من (ج) .





لا تتوفر معاينة

249- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ)، الفريابيُّ لا البيكنديُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثِّوريُّ لا ابن عُيَيْنَةَ، (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران، (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العَيْن المُهمَلَة (عَنْ كُرَيْبٍ) بضمِّ الكاف (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) هو كالذي قبله، احترازًا عن الوضوء اللُّغويِّ الذي هو: غسل اليدين فقط، (غَيْرَ رِجْلَيْهِ)، فأخَّرهما، قال القرطبيُّ: ليحصل الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء، والأرجح عند الشَّافعيَّة والمالكيَّة تكميل الوضوء. نعم؛ نُقِلَ في «الفتح» عن مالكٍ: إن كان المكان غير نظيفٍ؛ فالمُستحَبُّ تأخيرهما، وكذا نُقِلَ عن الشَّافعيَّة أيضًا، وأجاب القائل بالتَّأخير: بأنَّ الاستثناء زائدٌ على حديث عائشة، والزِّيادة من الثِّقة مقبولةٌ، وأُجِيب: بأنَّ حديث عائشة هو الذي فيه زيادة الثِّقة؛ لاقتضائه غسل الرِّجلين فيُقدَّم، وحمل القائل بالتَّأخير أيضًا إطلاقها على فعل أكثر الوضوء؛ حملًا للمُطلَق على المُقيَّد، وأُجِيب: بأنَّه ليس من المُطلَق والمُقيَّد؛ لأنَّ ذلك في الصِّفات لا في غسل جزءٍ وتركه، وحمله الحنفيَّة على أنَّه كان في مستنقعٍ، كما تقدَّم قريبًا أنَّ [1] مذهبهم: إن كان في [2] مستنقعٍ؛ أخَّر، وإِلَّا؛ فلا، قالوا: وكلُّ ما جاء من الرِّوايات التي فيها تأخير الرِّجلين؛ فهو محمولٌ عليه؛ جمعًا بين الرِّوايات.

(وَغَسَلَ) عليه الصلاة والسلام (فَرْجَهُ)؛ أي: ذَكَره المُقدَّس، وأخَّره؛ لعدم وجوب التَّقديم، وهذا مذهب الشَّافعيَّة. نعم؛ قال النَّوويُّ في «زيادة الرَّوضة»: ينبغي [3] أن يستنجيَ قبل الوضوء والتَّيمُّم، فإن قدَّمهما؛ صحَّ الوضوء لا التَّيمُّم. انتهى. أو لأنَّ الواو لا تقتضي التَّرتيب، فيكون قدَّمه والمُراد: أنَّه جمع بين الوضوء وغسل الفرج وهو وإن كان لا يقتضي تقديم أحدهما على الآخر على التَّعيين؛ فقد بيَّن ذلك فيما رواه المؤلِّف في «باب السَّتر في الغسل»، من طريق ابن المُبارك عنِ الثَّوريِّ: «فذكر أوَّلًا غسل اليدين، ثمَّ غسل الفرج، ثمَّ مسح يده [4] بالحائط، ثمَّ الوضوء غير رجليه»، وأتى بـ: «ثمَّ» الدَّالَّة على التَّرتيب في جميع ذلك، (وَ) غسل عليه الصلاة والسلام (مَا)؛ أي: الذي (أَصَابَهُ مِنَ الأَذَى) الطَّاهر، كالمنيِّ على الذَّكَر والمخاط، ولو كان على جسد المغتسل نجاسةٌ؛ كفاه لها، وللجنابة واحدةٌ على ما صحَّحه النَّوويُّ، والسُّنَّة: البدء بغسلها؛ ليقع الغسل على أعضاءٍ طاهرةٍ، (ثُمَّ أَفَاضَ) صلى الله عليه وسلم (عَلَيْهِ الْمَاءَ ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا هَذِهِ) الأفعالُ المذكورةُ (غُسْلُهُ) عليه الصَّلاة السَّلام أو صفةُ غُسْلِه، وضبَّب عليها ابن عساكر، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((هذا غُسْلُه)) (مِنَ الْجَنَابَةِ).

وفي هذا الحديث: تابعيٌّ عن تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وصحابيَّان [5] ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في مواضع، ومسلمٌ، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابن ماجه في «الطَّهارة».

[1] في (د): «إذْ».
[2] «في»: سقط من (د).
[3] في (م): «فينبغي».
[4] في (د): «بيده».
[5] في (د): «وصحابيٌّ عن صحابيٍّ».





249- ( هَذِهِ غُسْلُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ ): الإشارة إلى الأفعال المذكورة، أي: هذه صفة غسله، وللكُشْمِيهنيِّ: «هذا».

قيل: وهذه الجملة مدرجة من قوله سالم بن أبي الجعد، بيَّن ذلك زائدة بن قدامة في روايته عن الأعمش.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

249- وبه قال: ((حدثنا محمَّد بن يوسف)) ؛ هو الفِريابي؛ بكسر الفاء؛ لكثرة ملازمته للثوري بخلاف البيكندي ((قال: حدثنا سفيان)) ؛ هو الثوري، وجزم الكرماني: بأن الأول البيكندي، والثاني ابن عيينة، وقال في «عمدة القاري»: وفيه سفيان غير منسوب، وقالت جماعة من الشراح وغيرهم: إنه سفيان الثوري، وقال الحافظ المزي في «الأطراف»: حديث غسل النبيِّ عليه السلام من الجنابة منهم من طوله، ومنهم من اختصره، ثم وضع صورة (خ) بالأحمر؛ يعني: أخرجه البخاري في (الطهارة) عن محمَّد بن يوسف، وعن عبدان عن ابن المبارك؛ كلاهما عن سفيان الثوري، وعن الحميدي، عن سفيان بن عيينة في روايته عن عبدان، عن ابن المبارك، ولم يميز الكرماني ذلك، فخلط، انتهى.

وأما محمَّد بن يوسف؛ فإنه [/ص257/] فهو الفريابي؛ لأنَّه كثير الملازمة للثوري، فدل على أنه هو؛ فافهم، ((عن الأعمش)) هو سليمان بن مهران، ((عن سالم بن أبي الجَعْد)) ؛ بفتح الجيم، وسكون العين المهملة، رافع، ((عن كُريب)) بضمِّ الكاف بالتصغير، مولى ابن عباس، ((عن ابن عباس)) ؛ عبد الله رضي الله عنهما، ((عن مَيمُونة)) ؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية، بنت الحارث ((زوج النبيِّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) وخالة ابن عباس رضي الله عنهم ((قالت: توضأ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وضوءه للصلاة)) ؛ أي: مثل وضوء الصَّلاة في سننه وآدابه، فيسن الابتداء بالنية؛ وهي أن ينوي رفع الحدث واستباحة الصَّلاة، أو ما لا يحل إلا بالطهارة، وتسن التسمية في ابتدائه، فلو نسيها فتذكرها في خلاله؛ لا يأتي بها، لما في «مراقي الفلاح»، ويكره الدعاء؛ لأنَّه في مصبِّ الأقذار، انتهى.

قلت: والتسمية أولى بذلك، كذا في «منهل الطلاب» إلا أنه لا يستقبل القبلة؛ لأنَّه يكون مع كشف العورة غالبًا، فالمراد بهذا الوضوء: الشرعي؛ احترازًا عن اللغوي الذي هو غسل اليدين فقط، ((غير رجليه)) ؛ أي: إلا رجليه، فأخرهما عن الغسل في وضوء الغسل؛ ليحصل الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء، كما قاله القرطبي، ففيه عدم وجوب الموالاة في الوضوء، وهو مذهب الإمام الأعظم والجمهور.

قال في «عمدة القاري»: (فيه: التصريح بتأخير الرجلين في وضوء الغسل، وبه احتج أصحابنا على أن المغتسل إذا كان توضأ أولًا؛ يؤخر غسل رجليه، لكن أكثر أصحابنا حملوه على أنهما إن كانتا في مستجمع الماء؛ يؤخرهما، وإن لم يكونا فيه؛ لا يؤخرهما، وكل ما جاء من الروايات التي فيها تأخير الرجلين؛ فمحمول على ما قلنا، وهذا هو التوفيق بين الروايات التي في بعضها تأخير الرجلين صريحًا لا مثل ما قاله بعضهم، ويمكن الجمع بأن تحمل رواية عائشة على المجاز، وإما على حالة أخرى) ، قلت: هذا خباط؛ لأنَّ المجاز لا يصار إليه إلا عند الضرورة، وما الداعي لها في رواية عائشة حتى يحمل كلامها على المجاز؟ وما الصواب الذي يرجع إليه إلا ما قلنا، انتهى؛ أي: من أنه إن كان في مستنقع الماء؛ يؤخر غسلهما، وإلا؛ فلا، وبه جزم في «الهداية»، و«المبسوط»، و«الكافي»، وقال في «المجتبى»: (إنه الصحيح) ، ومراده بقوله: (بعضهم) : هو ابن حجر العسقلاني، فإنه قد ذكر هذا الخباط، وقد بينه صاحب «إيضاح المرام»؛ فافهم.

وزعم الكرماني أن التوفيق بين ما هنا وبين رواية عائشة، وهي زيادة ثقة مقبولة، فيحمل المطلق على المقيد، فرواية عائشة محمولة على أن المراد بوضوء الصَّلاة: أكثره؛ وهو ما سوى الرجلين، ويحتمل أن يقال: إنهما كانا في وقتين مختلفين، فلا منافاة بينهما.

ورده في «عمدة القاري»: بأنا قد ذكرنا وجه التوفيق بين الروايات، وأن ما ذكره هو الحقيقة، حاصل ما ذكرنا: من أنه إن كانتا في مستجمع الماء؛ يؤخرهما، وإلا؛ فلا.

قلت: على أن قوله: (إن المراد بوضوء الصَّلاة أكثره) منقوض، فإن الوضوء لا يقال: إن له أكثر أو أقل، فإن ميمونة رضي الله عنها قد سمته وضوء الصَّلاة، ولا ريب أن وضوء الصَّلاة هو الوضوء الكامل، وقد أتى به غير أنه أخَّر الرجلين عن محلهما، فكل منهما وضوء كامل، فليس فيه حمل المطلق على المقيد.

وقوله: (ويحتمل...) إلخ هو محل وجه التوفيق، لكن ما ذكره صاحب «عمدة القاري» في وجه التوفيق هو الصواب، كما لا يخفى على أولي الألباب، وفي الأفضل عند الشافعي قولان، قال النووي: أصحهما وأشهرهما أنه يكمل وضوءه؛ لأنَّ أكثر الروايات عن عائشة وميمونة كذلك.

قلت: وهذا ليس بشيء، فإن رواية عائشة صريحة في أنه كان يكمل الوضوء، أما رواية ميمونة؛ فإنها صريحة بأنه يؤخِّر غسل الرجلين، وكذا رواية أبي معاوية السابقة، وفي رواية أحمد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، ولفظه: (كان إذا اغتسل من الجنابة؛ يبدأ فيغسل يديه...) ؛ الحديث، وفي آخره: (يتنحى فيغسل رجليه) ، فقد اختلفت الروايات عنهما، والتوفيق بينهما: بأن يحمل على أنه إن كان في مستجمع الماء؛ يؤخِّر، وإن كان على مكان مرتفع؛ لا يؤخر؛ جمعًا بين الروايات، وهذا هو الصواب، ((وغسل)) ؛ أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((فرجه)) ؛ أي: ذكره، فدل هذا على صحة إطلاق الفرج على الذكر، وذلك بأن يفيض الماء عليه بيده اليمنى، ويغسله باليسرى حتى ينقِّيه وإن لم يكن به نجاسة؛ ليطمئن قلبه بزوالها، والمراد به: قُبُل الرجل والمرأة، وقد يطلق على الدبر أيضًا كما في «المغرب» للمطرزي، لكن قال البرجندي: والمراد به هنا: القبل والدبر وإن اختص لغة بالقبل، وإنما وسطه بين الوضوء غير رجليه وبين غسل الأذى؛ أي: النجس؛ لأنَّه مظنة النجاسة؛ لخروجها منه، فيلحق باللاحق في صورة، وبالسابق في أخرى، ومن هنا ظهر نكتة الإتيان بـ (الواو) والعدول عن (ثم) ؛ فافهم.

وظاهره كعبارة القدوري وغيره: أن غسل فرجه هو الاستنجاء، فلا يسن أن يأتي به قبل الوضوء، كذا في «منهل الطلاب».

وزعم الكرماني فقال: (إن قلت: غسل الفرج مقدم على التوضؤ، فلِمَ أخَّره؟قلت: لا يجب التقديم، أو الواو ليست للترتيب، أو أنه للحال) .

ورده في «عمدة القاري» فقال: (قلت: كيف يقول لا يجب التقديم، وهذا ليس بشيء؟) .

وقوله: (أو الواو ليست للترتيب) حجة عليه؛ لأنَّهم يدعون أن الواو في الأصل للترتيب، ولم يقل به أحد ممن يعتمد عليه.

وقوله: (أو أنه للحال) غير سديد، ولا موجه؛ لأنَّه كيف يتوضأ في حالة غسل فرجه؟ انتهى.

قلت: وعلى هذا فقوله: (وغسل) مصدر قطعًا، لا فعل، كما زعمه العجلوني تبعًا للكرماني؛ حيث جعل (الواو) للحال، وهذا ليس بشيء كما علمت؛ فليحفظ.

وزعم ابن حجر قال: (فيه تقديم وتأخير؛ لأنَّ غسل الفرج كان قبل الوضوء؛ إذ (الواو) لا تقتضي الترتيب) .

ورده صاحب «عمدة القاري»: بأن هذا تعسف وهو أيضًا حجة عليه، وهو أن ما ذكره خلاف الأصل الذي استدلوا به، واعتمدوا عليه، والصواب: أن (الواو) للجمع في أصل الوضع؛ والمعنى: أنه جمع بين الوضوء وغسل الفرج، وهو وإن كان لا يقتضي تقديم أحدهما على الآخر على التعيين؛ لكن ظاهره أنه غسل فرجه بعدما توضأ، وما رواه المؤلف من طريق ابن المبارك عن الثوري من أنه ذكر أولًا غسل اليدين، ثم غسل الفرج، ثم مسح يده على الحائط، ثم الوضوء غير رجليه، وذكره بـ (ثم) الدالة على الترتيب؛ محمول على أنهما كانا في وقتين مختلفين، فتارة كان يقدم غسل الفرج على الوضوء، وتارة كان يؤخره على الوضوء، على أنه أكثر الروايات تقديم الوضوء على غسل الفرج، كما هو ظاهر حديث ميمونة، ففيه: دليل على أن مس الفرج ليس بناقض للوضوء، وعلى أن الترتيب في الوضوء ليس بفرض، كما لا يخفى.

((و)) غسل عليه السلام ((ما)) أي: الذي ((أصابه من الأَذَى)) ؛ بفتح الهمزة، وتخفيف الذال المعجمة المفتوحة؛ أي: النجس فهو ضد النظافة لغة، يقال: تأذيت من الشيء؛ إذا استقذرته لنجاسته، فالمراد به النجس، ولهذا ترجم المؤلف في (الصَّلاة) : (باب المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى) والمطروح: هو سلاجزور بني فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها، ولا ريب أن الدم نجس بالإجماع، فالذي أصابه عليه السلام هو المني ورطوبة الفرج، فلا ريب في كونهما نجسان؛ لأنَّه لو لم يكونا نجسين لم يغسلهما، فالغسل دليل النجاسة، كما لا يخفى، وذلك حتى لاتشيع على بدنه عند صب الماء عليه، فيتنجس.

وزعم ابن حجر فقال: (قوله: «وما أصابه من الأذى» ليس بظاهر في النجاسة) ، ورده في «عمدة القاري»، فقال: (قلت: هذه مكابرة) انتهى.

قلت: أي: وتعصب، وإنما قاله ترويجًا لما ذهب إليه إمامه.

واعترض العجلوني فزعم: أن الأذى لغة: المكروه، وهو صادق بالطاهر، والنجس من غير ظهور في النجس، انتهى.

قلت: وهذا فاسد، فإن الأذى لغة: ضد النظافة، وهو النجس، ولا ريب أنه مكروه شرعًا وطبعًا، ويدل لهذا قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222] ، والمراد بـ{المَحِيضِ}: الحيض؛ وهو اللوث الخارج من الرحم، فإنه أذًى مستقذر مؤذٍ، من يقربه؛ نفر منه، فقد سمى الله تعالى دم الحيض {أَذًى}، وهو نجس بالإجماع، وكذلك ما نحن فيه، فإنه نجس، فسماه عليه السلام كما سماه ربه تعالى {أَذًى}؛ فافهم.

وقوله: (وهو صادق...) إلخ؛ أي: من حيث اللغة، أما من حيث الشرع؛ فالمكروه هو الذي تستقذره النفس [/ص258/]

وتعافه، ولا يوصف بذلك إلا النجس.

وقوله: (من غير ظهور في النجس) هذا قيد من عنده، فأي دليل دله على ظهوره فيه؟ وما هي إلا دعوى باطلة. على أن البخاري سمَّى الدم (أذًى) فيما يأتي، وهو أعلم باللغة من غيره بلا ريب، ويدل لهذا ما في «مسلم»: (فغسل فرجه وما أصابه، ثم مسح يده بالحائط أو الأرض) ، فإنه لو لم يكن نجسًا؛ لما مسح يده بالحائط أو الأرض، وذلك حتى يزول أثر النجس المستقذر، وفي لفظ: (ثم غسل فرجه، ثم مال بيده إلى الأرض فمسحها بالتراب، ثم غسلها) ، وهذا كله يدل على أن المراد بالأذى: النجس؛ كالمني ورطوبة الفرج، فإنهما نجسان، هذا مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، خلافًا لمن خالف؛ منهم: ابن حجر، فزعم وقال: وأبعد من استدل به على نجاسة المني، أو على نجاسة رطوبة الفرج.

ورده في «عمدة القاري»، فقال: (قلت: هذا القائل هو الذي أبعد؛ لأنَّ من استدل بنجاسة المني ما اكتفى بهذا في احتجاجه، وقد ذكرناه فيما مضى مستقصًى) انتهى.

على أن هذه الروايات هنا تدل ظاهرًا على نجاستهما، لا سيما الأحاديث السابقة في غسل المني؛ فإنها صريحة في النجاسة، كما لا يخفى على أولي الألباب، وقدمنا الكلام على هذا بما يشفي العليل، ويقمع المتعصب الغليل، والله أعلم.

ففيه: استحباب مسح اليد بالتراب من الحائط أو الأرض حتى يزول أثر النجاسة وكراهتها، وهذا بالنسبة إلينا، أما في حقه عليه السلام؛ ففضلاته كلها طاهرة أطيب من المسك عندنا، وهو قول العلماء خلافًا لمن شذ وزعم من الشافعية فخبط وقال، ولا يدري ما يقول.

((ثم أفاض)) أي: صب النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((عليه الماء)) فالإفاضة: بمعنى الصب؛ سنة، فلو لم يصبَّ؛ لم يكن الغسل مسنونًا وإن زال به الحدث، كما صرح به في «الدرر»، وأتى بـ (ثَمَّ) ؛ للإشارة إلى الترتيب، وإنما لم يقل: ثم تمضمض واستنشق، للإشارة إلى أن فعلهما في الوضوء كاف عن فعلهما في الغسل، فالسنة نابت مناب الفرض، ولو انغمس المغتسل في الماء الجاري أو الحوض الكبير، أو مكث تحت المطر بعد المضمضة والاستنشاق قدر الوضوء والغسل؛ فقد أكمل السنة، لكن يشترط في الحوض والمطر التحريك، وكذا لو للوضوء فقط؛ فيحصل كمال السُّنَّة، كما في «الإمداد»، و«الدر»؛ أي: من التثليث، والترتيب، والدلك، والوضوء، وأما الماء الجاري؛ فيحصل ذلك من دون مكث ولا تحرك؛ لأنَّ الجريان قائم مقام الصبِّ، وأما إذا انغمس في الماء الراكد؛ فلا بد من التحريك أو الانتقال؛ لأنَّه قائم مقام الصبِّ، وقدمنا أنه لو لم يصبَّ؛ لم يكن الغسل مسنونًا، كذا في «منهل الطلاب»، ((ثم)) بعد أن عمم جميع بشرته، وشعره، ومعاطف بدنه بحيث لم يبق منه شيء لم يصبه الماء حتى تحت خاتمه الضيق، وكذا سرته؛ ((نحَّى)) ؛ بالحاء المهملة المشددة، قبلها نون؛ أي: باعد ((رجليه)) عن ذلك المكان الذي اغتسل فيه إلى مكان آخر؛ لاجتماع الماء المستعمل فيه، ((فغسلهما)) ؛ أي: الرجلين في المكان الآخر.

وزعم العجلوني: أن قوله: (نحَّى) ؛ أي: أخَّر.

قلت: وهو فاسد، وليس المعنى عليه؛ لأنَّ التنحِّي: التباعد عن المكان الأول إلى مكان آخر، على أن [1] غسل الرجلين مؤخر في الفعل؛ لأنَّه لم يبق عليه إلا غسلهما؛ فافهم.

وكيفية غسلهما: أن يأخذ الماء بيمينه، ويفيض على مقدم رجله اليمنى، ويدلكها بيساره فيغسلها ثلاثًا، ثم يفيض الماء على مقدم رجله اليسرى، ويدلكها بيساره، ويغسلها ثلاثًا، وهذا الغسل مستحب؛ ليكون البداءة والختم بأعضاء الوضوء، ((هذا)) أي: ما ذكر ((غُسله)) ؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ أي: غسل النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((من الجنابة)) هكذا في رواية الكشميهني، وهي على الأصل، وعند غيره: (هذه) ؛ بالتأنيث، فتكون الإشارة إلى الأفعال المذكورة صفة (غُسله) عليه السلام؛ بضمِّ الغين.

قال في «عمدة القاري»: قال الإسماعيلي: قد تبين أن قوله: (من الجنابة) ليس من قول ميمونة، ولا من قول ابن عباس، وإنما هو من قول سالم بن أبي الجعد، ومما ذكره البخاري في حديث ميمونة على ما يأتي: (ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكًا شديدًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه) ، وفي أخرى: (ثم أُتِيَ بالمنديل فرده) ، وفي رواية: (وجعل يقول بالماء هكذا ينفضه) ، وفي لفظ: (فأكفأ بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثًا) ، وفي لفظ: (ثم أفرغ بيمينه على شماله، فغسل مذاكيره) ، وفيه: (ثم غسل رأسه ثلاثًا) ، وفي لفظ: (فغسل كفيه مرتين أو ثلاثًا) ، وعند ابن خزيمة: (ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفيه، فأُتِي بمنديل، فأبى أن يقبله) ، وعند أبي عليٍّ الطوسي مصححًا: (فأتيته بثوب، فقال بيده هكذا) ، وعند الدارقطني: (ثم غسل سائر جسده قبل كفيه) ، وعند أبي محمَّد الدارمي: (فأعطيته ملحفة، فأبى) ، قال أبو محمَّد: (هذا أحب إلي من حديث عائشة) ، وعند ابن ماجه: (فأكفأ الإناء بشماله على يمينه، فغسل كفيه ثلاثًا، ثم أفاض على فرجه، ثم دلك يده بالأرض، ثم تمضمض، واستنشق، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ثم أفاض على سائر جسده، ثم تنحَّى، فغسل رجليه) .

قال صاحب «عمدة القاري»: (وفي هذه الروايات استحباب الإفراغ باليمين على الشمال للمغترف من الماء، وفيها: مشروعية المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة) انتهى.

قلت: فإن المضمضة والاستنشاق فرضان في الغسل، سنتان في الوضوء، وهو ظاهر من الحديث.

وزعم ابن حجر فقال: (وتمسك به الحنفية للقول بوجوبهما، وتعقب بأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب إلا إذا كان بيانًا لمجمل تعلَّق به الوجوب) .

ورده صاحب «عمدة القاري»: (بأنه ليس الأمر هنا كذلك؛ لأنَّهم إنَّما أوجبوهما في الغسل بالنص، وهو قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] ؛ أي: طهروا أبدانكم، وهذا يشملهما وحققناه فيما مضى) انتهى.

قلت: وتطهير البدن يشمل كل شيء لا حرج في تطهيره من البدن؛ كالمضمضة والاستنشاق، وكذا غسل السرة، وتحت الخاتم الضيق، والأُذُنِ، والقرط، وأما غسل داخل القلفة؛ فإن أمكن فسخها بلا مشقة؛ يجب، وإلا؛ فلا للحرج، كذا في «منهل الطلاب».

وزعم العجلوني أنه يلزم الحنفية القول بوجوبهما في الوضوء؛ لأنَّه عليه السلام لم يواظب على فعلهما فيه، بل فعلهما تارة، وتركهما أخرى، فدل ذلك على السنيَّة، وأما هما في الغسل؛ فواجبان بالنص، ولأنَّه عليه السلام قد واظب على فعلهما، ولم يُنقَل عنه تركهما، وعند المؤلف من حديث ميمونة، كما يأتي قد صرح بهما، ولفظها: (صببت للنبيِّ عليه السلام...) إلى أن قالت: (ثم مضمض واستنشق) ، فدل على المواظبة، وهي تدل على الوجوب، على أن الروايات السابقة تدل على أنه عليه السلام كان يواظب على الوضوء، ولا ريب أن فيه المضمضة والاستنشاق، فإذا احتمل أنه لم يذكر في غُسله أنه لم يفعلهما؛ يكون قد اكتفى بفعلهما في الوضوء عن فعلهما في الغسل، لا يقال: إن الوضوء سنة وهما من توابعه؛ لأنا نقول: هما سنتان من سنن الوضوء، ولما لم يأت بهما في الغسل _والوضوء من سنن الغسل_؛ فبعد إتيانه بهما في الوضوء اتصفتا بالفرضية للغسل، فإن السنة تنوب عن الفرض كما قدمنا، كما لو قرأ في صلاته القرآن كله، فبعد قراءته اتصف جميعه بالفرضية؛ فافهم، ولا تغتر بهذه العصبية الزائدة التي جاءت [/ص259/] من عسقلان وعجلون؛ فافهم.

وفي هذه الروايات: دليل على استحباب التستُّر في الغسل ولو كان في البيت، فلو تجرَّد وحده للاغتسال؛ يكره، وقيل: إن أمن دخول أحد عليه؛ لا يكره، كما لا يكره تجرده للغسل، وتجرد زوجته للجماع في بيت مقداره خمسة أذرع أو عشرة، وقيل: لا يكره أن يغتسل متجردًا في الماء الجاري أو غيره في الخلوة، وفي «مسائل أبي الفرج»: (لا بأس به) انتهى.

وفيها: جواز الاستعانة بإحضار الماء للغسل أو الوضوء، وفيها: خدمة الزوجات للأزواج، وفيها: الصب باليمين على الشمال.

وفيها: كراهة التنشف بالمنديل ونحوه، قال الإمام الأعظم قدس الله روحه: لا خلاف في أنه لا يحرم تنشيف الماء عن أعضاء الوضوء والغسل، ولكن هل يكره، فيه خلاف بين الصحابة رضي الله عنهم، قال في «شرح المجمع»: (قيل: يكره حمل المنديل لمسح العرق؛ لأنَّه بدعة، والصحيح أنه لا يكره؛ لأنَّه يدفع الوسخ، وقيده بعضهم بعدم التكبُّر، فإن فعله للتكبُّر؛ كره، ومن فعله لحاجة؛ لم يكره) ، قال في «البحر»: (والمنقول في «معراج الدراية» وغيرها: أنه لا بأس بالتمسُّح بالمنديل للمتوضئ والمغتسل إلا أنه ينبغي ألَّا يبالغ ويستقصي فيبقى أثر الوضوء على أعضائه) ، ولم أر من صرَّح باستحبابه إلا صاحب «المنية»، فقال: (ويستحب أن يتمسَّح بمنديل بعد الغسل) انتهى، وفي «الفتاوى التاترخانية»: (لا بأس للمتوضئ والمغتسل أن يتمسح بالمنديل، وكره ذلك بعضهم للمتوضئ دون المغتسل) انتهى.

والصحيح: أنه يتمسَّح، ولكن لا يبالغ فيبقى أثر الوضوء، والصحيح: أنه لا يكره استعمال الخرقة؛ لتمسُّح العرق، ولإلقاء النخامة والمخاط، كما في «الكافي»، و«شرح الوقاية»، وغيرهما، ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله عنها: (كان للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم خرقة يتنشف بها بعد الوضوء) ، رواه الترمذي، وضعَّفه، وصحَّحه الحاكم، وحديث معاذ رضي الله عنه: (كان النبيُّ عليه السلام إذا توضأ؛ مسح وجهه بطرف ثوبه) ، رواه الترمذي، وضعفه، وحديث أبي بكر: (كانت للنبيِّ عليه السلام خرقة يتنشف بها بعد الوضوء) ، رواه البيهقي، وقال: إسناده غير قوي، وحديث أبي مريم عن رجل من الصحابة: (أنه عليه السلام كان له منديل أو خرقة يمسح بهما وجهه إذا توضأ) ، رواه النسائي في «الكنى» بسند صحيح، وحديث أم هانئ عند الشيخين: (قام رسول الله عليه السلام إلى غُسله فسترت عليه فاطمة، ثم أخذ ثوبه فالتحف به) ، وهذا ظاهر في التنشُّف، فيحمل حديث ميمونة رضي الله عنها في رده عليه السلام بأنه قد رأى شيئًا فيه فكرهه، أو أنه قد حان وقت الصَّلاة، فاستعجل إلى القيام للصلاة، أو فعله عليه [السلام] تواضعًا، ويحتمل أن الثوب كان من حرير؛ لأنَّ الخرقة من الحرير يحرم استعمالها للرجال دون النساء إذا كانت من حرير خالص؛ كالقطن، والكتان المطرز بالحرير، أو بالفضة، أو بالذهب قدر أربعة أصابع، ويحمل حديث عائشة وغيره على الضرورة وشدة البرد؛ ليزيل برد الماء عن أعضائه، هذا وقد أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان، والحسن بن علي، وأنس، وبشير بن أبي مسعود، ورخص فيه الحسن، وابن سيرين، وعلقمة، والأسود، ومسروق، والضحاك، وكان أهل الكوفة، ومالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق لا يرون به بأسًا، وكرهه ابن أبي ليلى، والنخعي، وابن المسيب، ومُجَاهِد، وأبو العالية.

وقال ابن دقيق العيد: (نفضُ الماء بيده يدل على أن لا كراهة في التنشف؛ لأنَّ كلًّا منهما إزالة) ، ورده صاحب «عمدة القاري»: (بأنه ليس فيه دليل على ذلك؛ لأنَّ التنشيف من عادة المتكبرين، ورده عليه السلام الثوب؛ لأجل التواضع مخالفة لهم) انتهى.

قلت: فما يفعله المتعصبون في زماننا من تعليق الخرقة أو المنديل بعد التمسح به في الأواسط أو على كتفه مكروه؛ لأنَّ فيه الزينة، والتكبر، وإظهار أنه قد صلى في المسجد الجامع، وأنه من الورعين الصالحين، فلسان حاله يقول وهو مارٌّ على أرباب الدكاكين: إنهم مقصرون، والحال يحتمل أنه يستحق حبلًا، وطبلًا، وشيحًا، وكبريتًا، وتنحِّيًا إلى القهقرى؛ فافهم.

وزعم ابن حجر واستدل بالحديث على طهارة الماء المتقاطر من أعضاء المتطهر، خلافًا لمن غلا من الحنفية، فقال بنجاسته.

ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: هذا القائل هو الذي أتى بالغلوِّ حيث لم يدرك حقيقة مذهب الأئمَّة الحنفية؛ لأنَّ الذي عليه الفتوى في مذهبهم: أن الماء المستعمل طاهر حتى يجوز شربه واستعماله في الطبخ والعجن، والذي ذهب إلى نجاسته لم يقل بأنه نجس في حالة التقاطر، وإنما يكون ذلك إذا سال من أعضاء المتطهر، واجتمع في مكان) انتهى.

قلت: على أن القول بالنجاسة ضعيف، والمعتمد الطهارة، وهذا دأب المتعصبين ينظرون الأقوال الشاذة، ويتصدرون للاعتراض عليها، ولم يميزوا بين الضعيف والصحيح، على أن الحديث يدل ظاهرًا على نجاسة المستعمَل؛ لأنَّ نفض الماء من أعضائه عليه السلام يدل على ذلك، وكذا رده المنديل حتى لا ينجس، والأحاديث التي فيها أنه استعمل المنديل كلها فيها مقال، ولو أوضحنا دليل النجاسة؛ لضاق القرطاس، وعمي المتعصب الخناس، لكن الضرورات تقدر بقدرها؛ فافهم.

وحديث: «لا تنفضوا أيديكم في الوضوء، فإنها مراوح الشيطان»، فقد أخرجه ابن حبان في «الضعفاء»، وابن أبي حاتم في «العلل» من حديث أبي هريرة، وقال ابن الصلاح: لم أجده، وتبعه النووي وغيره، ولم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيصُ على مسح الرأس في هذا الوضوء فتمسك به المالكية، فقالوا: إن وضوء الغسل لا يمسح فيه الرأس، بل يكتفى عنه بغسله.

قلت: وعموم لفظ: (توضأ وضوءه للصلاة) يدل على أنه قد مسح رأسه، كما لا يخفى على أولي الألباب، والله أعلم بالصواب.

[1] في الأصل: (أنه)، ولعل المثبت هو الصواب.