متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

1- (باب) سنَّة (الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ) _بفتح الغَيْن وضمِّها_ على ما سبق، وإنَّما قدَّم «الوضوء» على «الغسل»؛ لفضل أعضاء الوضوء، ولا يحتاج إلى إفراد هذا الوضوء بنيَّةٍ، كما قاله [1] الرَّافعيُّ؛ بناءً على اندراجه في الغسل، زاد [2] في «الرَّوضة»: قلت: المُختار أنَّه إن تجرَّدت جنابته عن الحدث؛ نوى بوضوئه سُنَّة الغسل، وإنِ اجتمعا؛ نوى به رَفْعَ الحدثِ الأصغر، وقال المالكيَّة: ينوي به رفع حدث الجنابة عن تلك الأعضاء، ولو نوى الفضيلة؛ وجب عليه إعادة غسلها.

[1] في (م): «قال».
[2] في (م): «و».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

(1) بابُ [1] الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ [2]

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي.
[2] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«الْغَسْلِ».






(1) [بَابُ الوُضُوءِ قَبْلَ الغُسْلِ]


قوله: (بَاب الوُضُوءِ): هو بضمِّ الواو: الفعل، ويجوز فتحها، وقد تقدَّم أنَّ الأفصح أنَّ الفعل: بالضَّمِّ، والماء: بالفتح، وأنَّ في كلٍّ منهما لغتين.

قوله: (قَبْلَ الغَسْلِ): قال الدِّمياطيُّ: (الغسل) ؛ بالفتح: اسم الفعل، وبالضَّمِّ: اسم الماء، وهو قول أبي زيد، وقيل: فيهما معًا: اسم الفعل؛ وهو قول الأصمعيِّ، و (الوَضُوء) ؛ بالفتح؛ إذا أردت الماء، وبالضَّمِّ؛ إذا أردت الفعل، وقال الخليل: الفتح في الوجهين، ولم يعرف الضَّمُّ، وكذلك: الطُّهور والطَّهور، والغُسل والغَسل، انتهى، وقد قدَّمت الكلام في (الوَضوء) و (الطَّهور) بزيادة، وقصدي [1] أنْ أذكر في (الغسل) شيئًا، ولكن اقتصرت على كلام الدِّمياطيِّ، والله أعلم.

[1] في (ب) و (ج): (وكان قصدي) ، وضرب على (كان) في (أ) .






1- (باب) سنَّة (الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ) _بفتح الغَيْن وضمِّها_ على ما سبق، وإنَّما قدَّم «الوضوء» على «الغسل»؛ لفضل أعضاء الوضوء، ولا يحتاج إلى إفراد هذا الوضوء بنيَّةٍ، كما قاله [1] الرَّافعيُّ؛ بناءً على اندراجه في الغسل، زاد [2] في «الرَّوضة»: قلت: المُختار أنَّه إن تجرَّدت جنابته عن الحدث؛ نوى بوضوئه سُنَّة الغسل، وإنِ اجتمعا؛ نوى به رَفْعَ الحدثِ الأصغر، وقال المالكيَّة: ينوي به رفع حدث الجنابة عن تلك الأعضاء، ولو نوى الفضيلة؛ وجب عليه إعادة غسلها.

[1] في (م): «قال».
[2] في (م): «و».






لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

هذا ((باب)) بيان حكم ((الوضوء قبل الغُسل)) ؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ أي: قبل أن يشرع في الاغتسال هل هو واجب أم سنة أم مستحب؟ كذا قاله صاحب «عمدة القاري»، ومن قدَّر الاستنان أو الاستحباب؛ لم يصب؛ لأنَّ هذا الوضوء فيه خلاف بين العلماء، كما يأتي؛ فلا تكون الترجمة مع هذا التقدير شاملة؛ لاختلافهم بخلاف عبارة «عمدة القاري»، فإنها شاملة لجميع الأقوال التي للعلماء؛ لأنَّ الفعل إما حكمه الوجوب أو السنية أو الاستحباب؛ فليحفظ.

وهذه الترجمة موجودة في أكثر النسخ ساقطة في بعضها؛ فافهم.

وزعم ابن حجر: بأن الوضوء قبل الغسل؛ أي: استحبابه، قال الشافعي في «الأم»: (فرض الله تعالى الغسل مطلقًا لم يذكر فيه شيئًا يبدأ به قبل شيء، فكيفما جاء به المغتسل؛ أجزأه إذا أتى بغسل جميع بدنه) انتهى.

واعترضه إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: إن كان النص مطلقًا ولم يذكر فيه شيئًا؛ يبدأ به، فعائشة رضي الله عنها ذكرت عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه كان يتوضأ كما يتوضأ للصلاة قبل غسله فيكون سنة غير واجب، أما كونه سنة؛ فلفعله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأما كونه غير واجب؛ فلأنَّه يدخل في الغسل؛ كالحائض إذا أجنبت يكفيها غسل واحد، ومنهم من أوجبه إذا كان محدثًا قبل الجنابة، وقال داود: يجب الوضوء والغسل في الجنابة المجردة بأن يأتي الغلام أو البهيمة، أو لف ذَكَرَهُ بخرقة فأنزل، وفي أحد قولي الشافعي: يلزمه الوضوء في الجنابة مع الحدث، وفي قول آخر يقتصر على الغسل، لكن يلزمه أن ينوي الحدث والجنابة في قول يكفي نية الغسل، ومنهم من أوجب الوضوء بعد الغسل، وأنكره علي بن أبي طالب، وابن مسعود رضي الله عنهما، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لا يتوضأ بعد الغسل) ، رواه مسلم والأربعة، انتهى كلامه.

وزعم العجلوني فقال: (إن أراد الاعتراض على الشافعي؛ فلا يرد؛ لأنَّه قال فرض الله الغسل مطلقًا، فلا يضر ورود البيان في السنة، على أن هذا البيان في الحقيقة ليس لفرض الغسل، بل لأمر مندوب يتعلق به، وإن أراد الاعتراض على ابن حجر؛ فكذلك لا يرد؛ لأنَّه قال: والاختيار في الغسل ما روت عائشة رضي الله عنها، وأما تقديره حكم الوضوء وإن كان شاملًا للوجوب كما يقول به داود؛ فهو أكثر فائدة من تقدير استحبابه، لكنه إنَّما يتم إن كان داود يقول بوجوبه قبل الغسل، وإلا؛ فلا، وفي تعبيره بقوله: «إن كان النص مطلقًا» إشعار بالتوقف فيه ولا خفاء في كونه مطلقًا ومجملًا كما قررناه في الآية) انتهى.

قال العبد الضعيف: وهذا ممنوع.

وقوله: (إن أراد الاعتراض على الشافعي) قلت: هو لم يعين الاعتراض على الشافعي، بل قصد بهذا الكلام بيان الحكم لكل أحد من الناس، وقوله: (فلا يرد) بل هو وارد؛ لأنَّ قوله: (فرض الله الغسل) يلزم تقييده بأن يكون النص مطلقًا على أنه قد ورد البيان في السنة له.

وقوله: (فلا يضر ورود البيان في السنة) ممنوع، بل يضر؛ لأنَّه لو لم يرد البيان منها لم يعلم كيفية هذا الغسل.

وقوله: (على أن هذا البيان في الحقيقة...) إلخ ممنوع أيضًا؛ لأنَّ الشافعي في أحد قوليه يلزمه الوضوء في الجنابة [/ص255/] مع الحدث، وإن داود يقول: يجب الوضوء والغسل في الجنابة المجردة، فلا ريب أن هذا يكون لفرض الغسل؛ لأنَّه لو لم يوجد الوضوء لم يصحَّ الغسل في زعمهما.

وقوله: (بل لأمر مندوب) ممنوع، بل هو لأمر مفروض كما علمت، فكأنه جعل الوضوء عندهما من فرض الغسل، إن وجد؛ صح، وإلا؛ فلا، فكيف يقال: فلا يضر البيان؟ وما هو إلا قول بارد.

وقوله: (وإن أراد الاعتراض على ابن حجر) علمت أنه لم يعين بذلك ابن حجر، بل قصد بيان الحكم لكل واحد من الناس.

وقوله: (فكذلك لا يرد...) إلخ ممنوع، بل هو وارد، وكلامه مردود عليه.

وقوله: (لأنَّه قال: والاختيار في الغسل...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه عام يحتمل الوجوب، والسنية، والاستحباب، ولم يبيِّن واحدًا منها عند قوله: هذا بل عدل عنه، وقدر في الترجمة الاستحباب وهو قاصر.

وقوله: (وأما تقديره حكم الوضوء...) إلخ هذا اعتراف منه بأن عبارة «عمدة القاري» هي الصحيحة؛ لأنَّها شاملة للوجوب القائل به داود.

وقوله: (فهو أكثر فائدة من تقدير استحبابه) قلت: بل هو الفائدة بعينها، ولا فائدة في ذلك؛ لأنَّه قاصر على قول من أقوال العلماء بخلاف تقدير الحكم، فإنه عام يشمل الأحكام كلها.

وقوله: (لكنه...) إلخ هذا الاستدراك ممنوع بعد أن علمت أن داود يقول بوجوبه قبل الغسل لا بعده.

وقوله: (وفي تعبيره...) إلخ ممنوع، بل ليس فيه إشعار بالتوقف أصلًا، بل فيه قطع ويقين في كونه غير مجمل، وغير مطلق؛ لأنَّ النص لا يحتمل غيره لا سيما والقرينة عينته، بل فيه قرائن التعيين.

وقوله: (كما قررناه في الآية) ممنوع؛ لأنَّه قد علمت رده فيما سبق مفصلًا، فلا تغفل، قال في «منهل الطلاب»: (فإن قيل: ما فائدة تقديم الوضوء مع أنه يجب غسل جميع البدن؟قلت: لأنَّ فيه إعمالًا لنص إيجاب الوضوء، ولنص إيجاب الغسل، واتباعًا للسنة، وحتى تنقَّى أعضاء الوضوء؛ لأنَّها لا تخلو عن أوساخ؛ كالرجلين، فيتعاهدها كما يتعاهد المؤقين، والمنخرين، والفم، والأذنين، فإذا اغتسل؛ فقد ارتفع عنه الحدث الأكبر والأصغر سواء نوى أو لم ينو؛ لأنَّ النية ليست بشرط عند الجمهور، فإن نوى؛ كان أكمل؛ لأنَّها سنة، وعن مالك أنه ينوي به رفع حدث الجنابة في تلك الأعضاء فإن نوى الفضيلة؛ لزمه إعادة غسلها، والمعتمد عند الشافعية: أنه إذا تجردت جنابته عن الحدث الأصغر يكفيه أن ينوي بوضوئه سنة الغسل، وإلا؛ فلا بد من نية رفع الحدث الأصغر، والله تعالى أعلم.