متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

56- وبه قال: (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ) بفتح الكاف: هو أبو اليمان (بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ)؛ هو ابن أبي حمزة [1] القرشيُّ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أبي بكرٍ محمَّد بن شهابٍ، أنَّه [2] (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) المدنيِّ، أحد العشرة، (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ) يخاطب سعدًا، ومن يصحُّ منه الإنفاق: (إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً)؛ قليلةً أو كثيرةً، (تَبْتَغِي)؛ أي: تطلب (بِهَا وَجْهَ اللهِ) تعالى، هو من المتشابه، وفيه مذهبان: التَّفويض والتَّأويل، قال العارف المحقِّق شمس الدِّين بن اللَّبان المصريُّ الشَّاذليُّ: وقد جاء ذكره في آياتٍ كثيرةٍ، فإذا أردت أن تعلم حقيقة مظهره من الصُّور [3] ؛ فاعلم أنَّ حقيقته من غمام الشَّريعة: بارقُ نورِ التَّوحيد، ومظهره من العمل: وجه الإخلاص: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ}... الآية [الروم: 43] ، ويدلُّ على أنَّ وجه الإخلاص مظهره قوله تعالى: {يُرِيدُون وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] ، وقوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله} [الإنسان: 9] ، وقوله عزَّ وجلَّ: {إلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى} [الليل: 20] ، والمُرَاد بذلك كلِّه: الثَّناء بالإخلاص على أهله، تعبيرًا بإرادة «الوجه» عن إخلاص النِّيَّة، وتنبيهًا على أنَّه مظهر وجهه سبحانه وتعالى، ويدلُّ على أنَّ حقيقة الوجه هو بارق نور التَّوحيد قوله عزَّ وجلَّ: {ولا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّاهُوَ كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] ؛ أي: إلَّا نور توحيده، انتهى. و«الباء» في قوله في الحديث: «بها» للمقابلة، أو بمعنى: «على»؛ ولذا وقع في بعض النُّسخ: ((عليها)) بدل «بها»، أو: للسَّببيَّة؛ أي: لن تنفق نفقةً تبتغي بسببها وجه الله تعالى (إِلَّا) نفقةً (أُجِرْتَ عَلَيْهَا)؛ بضمِّ الهمزة، وكسر الجيم، ولكريمة: ((إلَّا أُجِرْتَ بها))، وهي في «اليونينيَّة» لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكرَ، لكنَّه ضُرِبَ عليها بالحُمْرة، (حَتَّى مَا تَجْعَلُ)؛ أي: الذي تجعله (فِي فَم امْرَأَتِكَ) فأنت مأجورٌ فيه، وعلى هذا فالمرائي بعمل الواجب غير مُثَابٍ، وإن سقط عقابه بفعله، كذا قاله البرماويُّ كالكرمانيِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ سقوط العقاب مُطلَقًا غير صحيحٍ، بل الصَّحيح: التَّفصيل فيه؛ وهو أنَّ العقاب الذي يترتَّب على ترك الواجب يسقط؛ لأنَّه أتى بعين الواجب، ولكنَّه كان مأمورًا أن يأتيَ بما عليه بالإخلاص وترك الرِّياء، فينبغي أن يُعاقَب على ترك الإخلاص؛ لأنَّه مأمورٌ به، وتارك المأمور به يُعاقَب، وقال النَّوويُّ: ما أُرِيدَ به وجه الله؛ يثبت فيه الأجر، وإن حصل لفاعله في ضمنه حظُّ شهوةٍ من لذَّةٍ أو غيرها؛ كوضع اللُّقمة [4] في فم الزَّوجة، وهو غالبًا لحظِّ النَّفس والشَّهوة، وإذا ثبت الأجر في هذا ففيما يُرَاد به وجه الله سبحانه فقط أحرى، وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ: ((في فِيِّ امرأتك))؛ بغير ميمٍ، قال في «الفتح»: وهي رواية الأكثر، والمُستثنَى محذوفٌ؛ لأنَّ الفعل لا يقع مُستثنَى، والتَّقدير _كما قال العينيُّ_: لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه [5] الله إِلَّا نفقةً أُجِرْتَ عليها، ويكون قوله: «أُجِرْتَ عليها» صفةً للمُستثنَى، والمعنى على هذا؛ لأنَّ النَّفقة المأجور فيها هي التي تكون ابتغاءً لوجه الله تعالى؛ لأنَّها لو لم تكن لوجه الله؛ لَمَا كانت مأجورًا فيها، والاستثناء متَّصلٌ؛ لأنَّه من الجنس، والتَّنكير في قوله: «نفقةً» في سياق النَّفيِ يعمُّ القليلَ والكثيرَ، والخطاب في «إنَّك» للعموم؛ إذ ليس المُرَاد «سعدًا» فقط، فهو مثل: {وَلَوْ تَرَى إِذِ المُجْرِمُوْنَ} [السجدة: 12] ، والصَّارف قرينة عدم اختصاصه، ويحتمل أن يكون بالقياس، و«حتَّى»: ابتدائيَّةٌ، و«ما»: مبتدأٌ، خبره المحذوف المُقدَّر بقوله: «فَأَنتَ مَأجُورٌ فِيْهِ»، فالنِّيَّة الصَّالحة إكسيرٌ تقلب العادة عبادةً، والقبيح جميلًا، فالعاقل لا يتحرَّك حركةً إلَّا لله، فينوي بمكثه في المسجد زيارة ربِّه في انتظار الصَّلاة، واعتكافه [6] على طاعته، وبدخوله الأسواق ذكر الله، وليس الجهر بشرطٍ، وأمرًا بمعروفٍ، ونهيًا عن مُنكَرٍ، وينوي عقب كلِّ فريضةٍ انتظار أخرى، فأنفاسه إذًا نفائس، ونيَّته خيرٌ من عمله.

وهذا الحديث المذكور في الباب قطعةٌ من حديثٍ طويلٍ مشهورٍ، أخرجه المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦1295] ، وفي «المغازي» [خ¦4409] ، و«الدَّعوات» [خ¦6373] ، و«الهجرة» [خ¦2742] [خ¦3936] [خ¦4746] و«الطِّب» [خ¦5668] و«الفرائض» [خ¦6733] ، ومسلمٌ في «الوصايا»، وأبو داود، والتِّرمذيُّ فيها أيضًا، وقال: حسنٌ صحيحٌ [/ج1ص150/] والنَّسائيُّ فيها وفي «عِشْرة النِّساء» وفي «اليوم واللَّيلة»، وابن ماجه في «الوصايا».

[1] في (م): «جمرَة»، وهو تصحيفٌ.
[2] «أنَّه»: سقط من (س).
[3] في (م): «الصُّورة».
[4] في (ب) و(س): «لقمة».
[5] «وجه»: سقط من (م).
[6] في (م): «عكوفه».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

56-. حدَّثنا الحَكَمُ بنُ نافِعٍ، قالَ: أخبَرَنا [/ج1ص20/] شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قالَ: حدَّثني عامِرُ بنُ سَعْدٍ:

عن سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّهُ أخبَرَه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بها وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عليها [1] ، حتَّىَ ما تَجْعَلُ فِي فِي [2] امْرأَتِكَ».

[1] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر: «بها»، وقد ضرب علىَ ألفها بالحمرة.
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «في فَمِ».





56- ( فِي فِي امْرَأَتِكَ ) قال القاضي: يروي: «في فم امرأتك» وحذف الميم أصوب، وبالميم لغة قليلة.


56# (فِي [1] فِي امْرَأَتِكَ) ويروى: <في فم امرأتك>، وهي لغة قليلة، قال القاضي: وفيه ستُّ لغات: فَمٌ وفُمٌ وفِمٌ، ثم التشديد.

[1] ((في)): ليست في (د) و(ق) و(ج).





56- قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): تقدَّم مرَّاتٍ أنَّه العلم الفرد، أبو بكر محمَّد بن مسلم ابن شهاب.

قوله: (فِي فِي امْرَأَتِكَ): ويُروَى: (في فم امرأتك) ، قال بعضهم: والأوَّل أصوب، و (فم) لغة قليلة، وفي (فم) ستُّ لغات: فَمٌ وفُمٌ وفِمٌ؛ مثلَّث الفاء، قاله بمعناه الجوهريُّ، ثمَّ [1] قال: (ومنهم من يعربه في مكانين، تقول: رأيت فمًا، وهذا فمٌ، ومررتُ بفمٍ، وأمَّا تشديد الميم؛ فلا يجوز إلَّا في الشعر) ، ثمَّ أنشد شاهدًا لذلك، قال ابن السِّكِّيت: (ولو قيل: «في فَمِّه»؛ لجاز بفتح الفاء) انتهى، أَي: في أهله وحقِّه، وفي «المطالع» ذكر في (الفم) فقال: (فيه ستُّ لغات: فَم، وفُم، وفِم، ثمَّ التشديد) انتهى.

وذكر شيخنا الأستاذ أبو جعفر أحمد بن مالك الرعينيُّ في شرح «ألفيَّة ابن عبد المعطي»: في الفم لغاتٌ، وكذا [2] ابن أمِّ قاسم في «شرح الألفيَّة»، وما أسوقه هو لفظ ابن أمِّ قاسم، ولفظه: (وإن كان الفم بالميم؛ ففيه عشر لغاتٍ؛ نقصه، وقصره، وتضعيفه؛ كلٌّ منها مع فتح الفاء، وكسرها، وضمِّها، والعاشرة: إتباع فائه لميمه، وأفصحها: فتح فائه منقوصًا) انتهى.

[1] (ثم): ليس في (ج) .
[2] في (ج): (ذكر) .





56- (لَنْ تُنْفِقَ): (لَنْ): لتأكيد النَّفي، وفيه ثلاثةُ مذاهبَ:

ـ أنَّه حرفُ نصبٍ برأسه.

ـ وأنَّ أصلَه: (لا أن)، فحذفتِ الهمزةُ تخفيفًا، وسقطتِ الألف؛ لالتقائه مع النُّون السَّاكنة، فصار (لن).

ـ وأنَّ النُّون في (لن) مبدلةٌ عنِ الألف، والأصل (لا).

(إِلَّا أُجِرْتَ): إنْ قلتَ: إنَّ الفعلَ كيف وقعَ استثناءً؟ والاستثناءُ هل هو متَّصلٌ؟ قلتُ: تقديرُه: إلَّا في حالةٍ أُجرتَ بها؛ أي: لن تُنفقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ الله في حالٍ من الأحوال إلَّا [1] وأنت في حال مأجوريَّتِكَ عليها، أو تقديره: إلَّا نفقةً أُجِرتَ بها، فالمستثنى اسمٌ، والاستثناءُ متَّصلٌ.

و (حَتَّى): هي العاطفةُ لا الجارَّةُ، وما [/ص21/] بعدَها منصوبُ المحلِّ.

و (مَا): موصولةٌ، والعائدُ إليها محذوفٌ.

إنْ قلتَ: من أين يُستفادُ أنَّ ما تَجعلُ في فَمِ امرأتِكَ أنتَ مأجورٌ فيه؟

قلتُ: من حيثُ إنَّ قيدَ المعطوف عليه قيدٌ في المعطوف، أو تقول: (حَتَّى) ابتدائيَّةٌ، و (مَا تَجْعَلُ) مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ؛ أي: ما تجعل فيه فأنت مأجورٌ فيه.

[1] في النسختين: (وإلَّا)، والمثبت من «الكواكب الدراري».





56- وبه قال: (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ) بفتح الكاف: هو أبو اليمان (بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ)؛ هو ابن أبي حمزة [1] القرشيُّ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أبي بكرٍ محمَّد بن شهابٍ، أنَّه [2] (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) المدنيِّ، أحد العشرة، (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ) يخاطب سعدًا، ومن يصحُّ منه الإنفاق: (إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً)؛ قليلةً أو كثيرةً، (تَبْتَغِي)؛ أي: تطلب (بِهَا وَجْهَ اللهِ) تعالى، هو من المتشابه، وفيه مذهبان: التَّفويض والتَّأويل، قال العارف المحقِّق شمس الدِّين بن اللَّبان المصريُّ الشَّاذليُّ: وقد جاء ذكره في آياتٍ كثيرةٍ، فإذا أردت أن تعلم حقيقة مظهره من الصُّور [3] ؛ فاعلم أنَّ حقيقته من غمام الشَّريعة: بارقُ نورِ التَّوحيد، ومظهره من العمل: وجه الإخلاص: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ}... الآية [الروم: 43] ، ويدلُّ على أنَّ وجه الإخلاص مظهره قوله تعالى: {يُرِيدُون وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] ، وقوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله} [الإنسان: 9] ، وقوله عزَّ وجلَّ: {إلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى} [الليل: 20] ، والمُرَاد بذلك كلِّه: الثَّناء بالإخلاص على أهله، تعبيرًا بإرادة «الوجه» عن إخلاص النِّيَّة، وتنبيهًا على أنَّه مظهر وجهه سبحانه وتعالى، ويدلُّ على أنَّ حقيقة الوجه هو بارق نور التَّوحيد قوله عزَّ وجلَّ: {ولا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّاهُوَ كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] ؛ أي: إلَّا نور توحيده، انتهى. و«الباء» في قوله في الحديث: «بها» للمقابلة، أو بمعنى: «على»؛ ولذا وقع في بعض النُّسخ: ((عليها)) بدل «بها»، أو: للسَّببيَّة؛ أي: لن تنفق نفقةً تبتغي بسببها وجه الله تعالى (إِلَّا) نفقةً (أُجِرْتَ عَلَيْهَا)؛ بضمِّ الهمزة، وكسر الجيم، ولكريمة: ((إلَّا أُجِرْتَ بها))، وهي في «اليونينيَّة» لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكرَ، لكنَّه ضُرِبَ عليها بالحُمْرة، (حَتَّى مَا تَجْعَلُ)؛ أي: الذي تجعله (فِي فَم امْرَأَتِكَ) فأنت مأجورٌ فيه، وعلى هذا فالمرائي بعمل الواجب غير مُثَابٍ، وإن سقط عقابه بفعله، كذا قاله البرماويُّ كالكرمانيِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ سقوط العقاب مُطلَقًا غير صحيحٍ، بل الصَّحيح: التَّفصيل فيه؛ وهو أنَّ العقاب الذي يترتَّب على ترك الواجب يسقط؛ لأنَّه أتى بعين الواجب، ولكنَّه كان مأمورًا أن يأتيَ بما عليه بالإخلاص وترك الرِّياء، فينبغي أن يُعاقَب على ترك الإخلاص؛ لأنَّه مأمورٌ به، وتارك المأمور به يُعاقَب، وقال النَّوويُّ: ما أُرِيدَ به وجه الله؛ يثبت فيه الأجر، وإن حصل لفاعله في ضمنه حظُّ شهوةٍ من لذَّةٍ أو غيرها؛ كوضع اللُّقمة [4] في فم الزَّوجة، وهو غالبًا لحظِّ النَّفس والشَّهوة، وإذا ثبت الأجر في هذا ففيما يُرَاد به وجه الله سبحانه فقط أحرى، وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ: ((في فِيِّ امرأتك))؛ بغير ميمٍ، قال في «الفتح»: وهي رواية الأكثر، والمُستثنَى محذوفٌ؛ لأنَّ الفعل لا يقع مُستثنَى، والتَّقدير _كما قال العينيُّ_: لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه [5] الله إِلَّا نفقةً أُجِرْتَ عليها، ويكون قوله: «أُجِرْتَ عليها» صفةً للمُستثنَى، والمعنى على هذا؛ لأنَّ النَّفقة المأجور فيها هي التي تكون ابتغاءً لوجه الله تعالى؛ لأنَّها لو لم تكن لوجه الله؛ لَمَا كانت مأجورًا فيها، والاستثناء متَّصلٌ؛ لأنَّه من الجنس، والتَّنكير في قوله: «نفقةً» في سياق النَّفيِ يعمُّ القليلَ والكثيرَ، والخطاب في «إنَّك» للعموم؛ إذ ليس المُرَاد «سعدًا» فقط، فهو مثل: {وَلَوْ تَرَى إِذِ المُجْرِمُوْنَ} [السجدة: 12] ، والصَّارف قرينة عدم اختصاصه، ويحتمل أن يكون بالقياس، و«حتَّى»: ابتدائيَّةٌ، و«ما»: مبتدأٌ، خبره المحذوف المُقدَّر بقوله: «فَأَنتَ مَأجُورٌ فِيْهِ»، فالنِّيَّة الصَّالحة إكسيرٌ تقلب العادة عبادةً، والقبيح جميلًا، فالعاقل لا يتحرَّك حركةً إلَّا لله، فينوي بمكثه في المسجد زيارة ربِّه في انتظار الصَّلاة، واعتكافه [6] على طاعته، وبدخوله الأسواق ذكر الله، وليس الجهر بشرطٍ، وأمرًا بمعروفٍ، ونهيًا عن مُنكَرٍ، وينوي عقب كلِّ فريضةٍ انتظار أخرى، فأنفاسه إذًا نفائس، ونيَّته خيرٌ من عمله.

وهذا الحديث المذكور في الباب قطعةٌ من حديثٍ طويلٍ مشهورٍ، أخرجه المؤلِّف في «الجنائز» [خ¦1295] ، وفي «المغازي» [خ¦4409] ، و«الدَّعوات» [خ¦6373] ، و«الهجرة» [خ¦2742] [خ¦3936] [خ¦4746] و«الطِّب» [خ¦5668] و«الفرائض» [خ¦6733] ، ومسلمٌ في «الوصايا»، وأبو داود، والتِّرمذيُّ فيها أيضًا، وقال: حسنٌ صحيحٌ [/ج1ص150/] والنَّسائيُّ فيها وفي «عِشْرة النِّساء» وفي «اليوم واللَّيلة»، وابن ماجه في «الوصايا».

[1] في (م): «جمرَة»، وهو تصحيفٌ.
[2] «أنَّه»: سقط من (س).
[3] في (م): «الصُّورة».
[4] في (ب) و(س): «لقمة».
[5] «وجه»: سقط من (م).
[6] في (م): «عكوفه».





56- ( حَتَّى ): عاطفة. ( ما ): موصولة. [/ج1ص220/]

( فِي فِي امْرَأَتِكَ )، وفي رواية: «فم».


لا تتوفر معاينة

56 - وفيه: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رضيَ اللهُ عنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي [1] بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيِّ [2] امْرَأَتِكَ)).

الشرح:

قد سبق إسناد حديث سعد رضي اللهُ عنه.

وأما (أَبُو مَسْعُودٍ) فهو عُقْبَةُ بنُ عمروِ بنِ ثَعْلَبَةَ, الأنصاري الخزرجي البدري رضي الله عنه، شهد العقبة مع السبعين، وكان أصغرهم، ثم الجمهور على أنه كان سكن بدرًا ولم يشهدها.

وقال أربعة من كبار العلماء والمترسخين [3] في هذا العلم: شهدها، قاله المحمدون: محمد بن شهاب الزهري، ومحمد بن إسحاق بن يسار صاحب «المغازي»، ومحمد بن إسماعيل البخاري الإمام ذكره في «صحيحه» في البدريين، ورابعهم: الحكم بن عتيبة [4]، روى له عن [5] رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مائة حديث وحديثان [6]، اتفقا منها على تسعة، وللبخاري حديث، ولمسلم سبعة.

سكن الكوفة وتوفي بها قبل الأربعين، وقيل: سنة إحدى - أو اثنتين [7] - وأربعين, وقيل: توفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين.

وأما (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ) [8]الراوي عنه فهو أبو موسى عبدُ الله بنُ يزيد [9] بن زيد بن حصين بن عمرو [10] بن الحارث بن خَطْمة، واسم خطمة عبد الله بن جُشَم [11] بن مالك بن الأوس، الأنصاري الخطمي الصحابي رضي الله عنه، وسمي خطمة؛ لأنه ضرب [12] رجلًا على خَطْمِه، سكن عبد الله [13] الكوفة، روى له عن [14] رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم سبعة وعشرون حديثًا، أخرج البخاري منها حديثين، ومسلم أحدهما.

كان أميرًا على الكوفة، شهد الحديبية مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو ابن سبع [15] عشرة سنة.

وأما (عَدِيُّ) فهو عديُّ بن ثابت، الأنصاري الكوفي، وعبد الله بن يزيد الخطمي جده لأمه، سمع جده، والبراء، وابن أبي أوفى رضي الله عنهم وغيرهم، روى عنه: يحيى الأنصاري، والأعمش، ومسعر، وشعبة، وآخرون.

وأما (حَجَّاجُ) فهو أبو محمد حجاجُ بنُ مِنْهَالَ، السُلَمي - مولاهم - البصري الأنماطي [16].

سمع: جرير بن حازم، وشعبة، وجماعة من الكبار، روى عنه الأعلام منهم: الذهلي، وابن واره، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، واتفقوا على الثناء عليه، وكان صاحب سُنَّة يظهرها.

توفي

#%ص205%

سنة ست عشرة - وقيل: سبع عشرة - ومائتين، رحمه الله تعالى.

فصل: في هذا الحديث الحث على الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال الظاهرة والخفية.

ومراد البخاري بهذا الباب الرد على من قال من المرجئة: إن الإيمان إقرار باللسان دون الاعتقاد بالقلب، وقد قدمنا الدلائل الظاهرة على بطلان زعمهم، وهذا الذي قالوه مردود بالنصوص والإجماع في أن المنافقين كفار في الدرك الأسفل من النار.

وفي قوله صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم: (يحْتَسِبُها [17]) دليل على أن النفقة على العيال - وإن كانت من أفضل الطاعات - فإنما [18] تكون طاعة إذا نوى بها وجه الله تعالى، وكذلك نفقته على نفسه وضيفه ودابته وغير ذلك، فكلها إذا نوى بها الطاعة كانت طاعة، وإلا فلا.

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (حَتَّى مَا تَجْعَلُ في فَمِ امْرَأَتِكَ) بيان لهذه القاعدة المهمة، وهي: أن ما أريد به وجه الله تعالى ثبت فيه الأجر، وإن حصل لفاعله في ضمنه حظ نفس من لذة أو غيرها، ولهذا مثل صلَّى الله عليه وسلَّم بوضع اللقمة في فم الزوجة، ومعلوم أن هذا غالبًا يكون بحظ [19] النفس، وللشهوة [20] والمداعبة [21]، والتحبب إليها واستمالة قلبها، واستجلاب كمال ودّها بملاطفتها، فإذا كان [22] الذي هو من حظوظ النفوس [23] بالمحل الذي ذكرناه - إذا [24] أريد به وجه الله تعالى، ثبت فيه الأجر وصار طاعة وعملًا أخرويًّا - فكيف الظن بغيره مما يراد به وجه الله تعالى، وهو مباعد لحظوظ النفوس؟ وتمثيله صلَّى الله عليه وسلَّم باللقمة مبالغة في تحقيق هذه الطاعة [25] التي ذكرتها؛ لأنه إذا ثبت الأجر في لقمة لزوجة غير مضطرة فكيف الظن بمن أطعم اللقمة لمحتاج، أو أطعمه كسرةً أو رغيفًا، أو فعل معه من أفعال البرِّ ما هو في معنى هذا، أو عمل مع نفسه من العبادات الدينية ما مشقته فوق مشقة ثمن اللقمة, الذي هو من [26] الحقارة بالمحل الأدنى؟ والله أعلم.

[1] في (ع): ((تبتغِ)).
[2] في (ت) و(ع): ((فم))، وفي (ك): ((ما تجعله في فم)).
[3] في (ت): ((والمترشحين))، وفي (ع): ((والمرسخين)).
[4]في (ت) و(ك): ((عيينة)).
[5] في (ت): ((روي عن)).
[6] في (ك): ((وحديثين)).
[7] في (ك): ((أو ثنتين)).
[8] في (ك): ((زيد)).
[9] في (ع): ((بريد)).
[10] في (ع): ((عمر)).
[11] في (ك): ((خيثم)).
[12] في (ك): ((ضربه)).
[13] زاد في (ك): ((بن يزيد)).
[14] في (ت): ((روي عن)).
[15] في (ك): ((سبعة)).
[16] في (ك): ((الأنماطي البصري)).
[17] في (ت): ((تحتسبها)).
[18] في (ت) و(ع): ((فإنها)).
[19] في (ت): ((لحظ)).
[20] في (ك): ((والشهوة))، وفي (ع): ((للشهوة)).
[21] في (ع): ((والملاعبة)).
[22] زاد في (ت) و(ك) و(ع): ((هذا)).
[23] في (ك): ((الأنفس)).
[24] في (ت) و(ك) و(ع): ((وإذا)).
[25] في (ك): ((القاعدة)).
[26] قوله: ((من)) ليس في (ع).
#%ص206%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

56- وبه قال: ((حدثنا الحَكَم)) ؛ بفتح الكاف، هو أبو اليمان، ((ابن نافع قال: أخبرنا شعيب)) بن أبي حمزة القرشي، ((عن الزهري)) أبي بكر محمد بن شهاب، ((قال: حدثني)) بالإفراد، ((عامر بن سعْد)) ؛ بسكون العين، ((عن سعد بن أبي وقَّاص)) ؛ بتشديد القاف: المدني أحد العشرة، ((أنه أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال)) مخاطبًا لكلِّ مَن يصحُّ منه الإنفاق: ((إنك)) ظاهره الخطاب لسعد، ((لن تنفق نفقة)) قليلة أو كثيرة، ((تبتغي)) ؛ أي: تطلب، ((بها وجه الله)) تعالى؛ أي: ذاته بإخلاص وطيب نفس من غير رياء، ولا سمعة، ولا مَنٍّ، و (الباء) في (بها) للمقابلة، أو بمعنى (على) ، ووقع في بعض النسخ: (عليها) بدل (بها) ، أو للسببية؛ أي: لن تنفق نفقة تبتغي بسببها وجه الله تعالى ((إلا)) نفقة ((أُجرت عليها)) ؛ بضمِّ الهمزة وكسر الجيم، وفي رواية: (إلَّا أجرت بها) .

((حتى)) ابتدائية ((ما تجعل)) ؛ أي: الذي تجعله، مبتدأ، ((في فم امرأتك)) والخبر محذوف تقديره: فأنت مأجور فيه، وما ذكره ابن حجر: من أنَّ (حتى) هنا عاطفة، وما بعدها منصوب المحل، ردَّه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ، وفي رواية: (في فِي امرأتك) وهي رواية الأكثرين؛ كما قاله الشيخ الإمام بدر الدين العيني.

وقال القاضي عياض: حذف الميم هو الصواب، وبالميم لغة قليلة، والمستثنى محذوف؛ كما علمت؛ لأنَّ الفعل لا يقع مستثنى، والتقدير: لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلَّا نفقة أُجرت عليها، ويكون (أُجرت عليها) صفة للمستثنى، والمعنى على هذا؛ لأنَّ النفقة التي يثاب عليها؛ التي تكون ابتغاء وجه الله تعالى، وإلَّا لا يثاب عليها الثواب الكامل.

والاستثناء متَّصل؛ لأنَّه من الجنس، والتنكير في (نفقة) في سياق النفي، فيعم القليل والكثير، والخطاب للعموم، كذا قرره في «عمدة القاري».

والمرائي بعمل الواجب غير مثاب وإن سقط عقابه بفعله، كذا قاله البرماوي كالكرماني، واعترضهما الشيخ الإمام بدر الدين العيني بأن سقوط العقاب مطلقًا غير صحيح؛ بل الصحيح التفصيل فيه؛ وهو أن العقاب الذي يترتب على ترك الواجب يسقط؛ لأنَّه أتى بعين الواجب، ولكنه كان مأمورًا أن يأتي بما عليه بالإخلاص وترك الرياء، فينبغي أن يعاقب على ترك الإخلاص؛ لأنَّه مأمور به، وتارك المأمور به يعاقب.

قلت: وهو وجيه، وإنما خص المرأة بالذكر؛ لأنَّ عود منفعتها إلى المنفق الزوج، ومع ذلك فله الثواب، فغيرها يثاب عليه من باب أولى، هذا الحديث قطعة من حديث طويل، أخرجه المؤلف في (الجنائز) وغيرها، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى.