متن الصحيح الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

43- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال رحمه الله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى)؛ بالمُثلَّثة، والنُّون المفتوحة المُشدَّدة، أبو موسى البصريُّ، المذكور في باب «حلاوة الإيمان» [خ¦16] ، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان الأحول، (عَنْ هِشَامٍ)؛ يعني: ابن عروة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي)؛ عروة بن الزُّبير بن العوَّام، (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا وَ) الحال أنَّ [1] (عِنْدَهَا امْرَأَةٌ، فَقَالَ) بإثبات فاء العطف، وللأَصيليِّ: ((قال))؛ بحذفها، فتكون جملةً استئنافيَّةً جواب سؤالٍ مقدَّرٍ؛ كأنَّ قائلًا يقول: ماذا قال حين دخل؟ قالت: قال: (مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ) عائشة: هي (فُلَانَةُ)؛ بعدم الصَّرف للتَّأنيث والعلميَّة؛ إذ هو كنايةٌ عن ذلك، وهي الحَوْلاء _بالمُهملَة والمدِّ؛ كما في «مسلمٍ»_ بنت تُوَيتٍ؛ بمُثنَّاتين مُصغَّرًا، (تَذْكُرُ)؛ بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة؛ أي: عائشة (مِنْ صَلَاتِهَا): في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة، ولغير الأربعة: ((يُذكَر))؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا لِمَا لم يُسمَّ فاعله، وتاليه نائبٌ عنه؛ أي: يذكرون أنَّ صلاتها كثيرةٌ، وعند المؤلِّف في «صلاة اللَّيل» معلَّقًا: لا تنام باللَّيل [خ¦1151] ، ولعلَّ عائشة أَمِنَتْ عليها الفتنة، فمدحتها في وجهها، لكن في «مُسنَد الحسن بن سفيان»: كانت عندي امرأةٌ، فلمَّا قامت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من هذه يا عائشة؟» قالت: يا رسول الله، هذه فلانةُ، وهي أَعْبَدُ أهلِ المدينة، فظاهر هذه الرِّواية أنَّ مدحها كان في غيبتها، (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (مَهْ)؛ بفتح الميم وسكون الهاء؛ اسمٌ للزَّجر بمعنى: اكفُف، ينهاها عليه الصلاة والسلام عن مدح المرأة بما ذكرته، أو عن تكلُّف عملِ ما لا يُطَاق؛ ولذا قال بعده: (عَلَيْكُمْ) من العمل (بِمَا)؛ بمُوحَّدَةٍ قبل الميم، وفي رواية الأَصيليِّ: ((ما)) (تُطِيقُونَ)؛ أي: بالذي تطيقون المُداوَمَةَ عليه، وحذف العائد؛ للعلم به، ويُفهَم منه النَّهي عن تكليف ما لا يُطَاق، وسبب وروده خاصٌّ بالصَّلاة، لكنَّ اللَّفظ عامٌّ، فيشمل جميع الأعمال، وعَدَلَ عن خطاب النِّساء إلى خطاب الرِّجال؛ طلبًا لتعميم الحكم، فغلَّب الذُّكور على الإناث في الذِّكر، (فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى)؛ إلى [2] أن (تَمَلُّوا) بفتح الميم في الموضعين، وهو من باب المُشاكَلَة والازدواج؛ وهو أن تكون إحدى اللَّفظتين موافقةً للأخرى، وإن خالفت معناها، والملال: ترك الشَّيء؛ استثقالًا وكراهةً له بعد حرصٍ ومحبَّةٍ فيه، فهو من صفات المخلوقين، لا من صفات الخالق تعالى، فيحتاج إلى تأويلٍ، فقال المحقِّقون: هو على سبيل المجاز؛ لأنَّه تعالى لمَّا كان يقطع ثوابه عمَّن قطع العمل ملالًا؛ عبَّر عن ذلك بـ: «الملال»، من باب: تسمية الشَّيء باسم سببه، أو معناه: لا يقطع عنكم فضله حتَّى تملُّوا سؤالَه، (وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ)؛ أي: الطَّاعة (إِلَيْهِ)؛ أي: إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي رواية المستملي: ((إلى الله))، وليس بين الرِّوايتين تخالفٌ؛ لأنَّ ما كان أحبَّ [/ج1ص129/] إلى الله كان أحبَّ إلى رسوله، وفي رواية أبي الوقت والأَصيليِّ: ((وكان أحبُّ))؛ بالرَّفع اسمُ «كان» (مَا داوَمَ)؛ أي: واظب (عَلَيْهِ صَاحِبُهُ) وإن قلَّ، فبالمُداوَمة على القليل تستمرُّ الطَّاعة، بخلاف الكثير الشَّاقِّ، وربَّما ينمو القليل الدَّائم حتَّى يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرةً، وهذا من مزيد شفقته صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمَّته؛ حيث أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو ما يمكنهم الدَّوام عليه من غير مشقَّةٍ، جزاه الله عنَّا ما هو أهله، وسقط عند الأَصيليِّ قوله: ((ما داوم عليه صاحبه))، والتَّعبير بـ: «أحبَّ» هنا يقتضي أنَّ ما لم يداوم عليه صاحبه من الدِّين محبوبٌ، ولا يكون هذا إلَّا في العمل؛ ضرورة لأنَّ تركَ الإيمان كفرٌ، قاله في «المصابيح».

وفي هذا الحديث الدَّلالة على استعمال المجاز، وجواز الحلف من غير استحلافٍ، وأنَّه لا كراهة فيه إذا كان لمصلحةٍ، وفضيلة المُداوَمَة على العمل، وتسمية العمل دِينًا، وقد أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصلاة» [خ¦1151] ، ومسلمٌ، ومالكٌ في «موطَّئه».

[1] «أنَّ»: سقط من (س).
[2] «إلى»: سقط من (س) و(م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

43-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّىَ، قالَ: حدَّثنا يَحْيَىَ، عن هِشامٍ، قالَ: أخبَرَني أَبِي:

عن عائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْها وعندها امْرَأَةٌ، قالَ [1] : «مَنْ هَذِهِ؟» قالَتْ: فُلانَةُ. تَذْكُرُ [2] مِنْ صَلاتِها، قالَ: «مَهْ، عَلَيْكُمْ بِما [3] تُطِيقُونَ، فَواللَّهِ لا يَمَلُّ اللَّهُ حتَّىَ تَمَلُّوا». وكان أَحَبَّ [4] الدِّينِ إِلَيْهِ [5] ما داوَمَ عَلَيْهِ صاحِبُهُ [6] .

[1] في رواية أبي ذر و [عط] : «فقال».
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «يُذْكَرُ» بضم الياء مبنيًا للمفعول. وجعل في (ب، ص) المثبت في المتن هو روايتهم.
[3] في رواية الأصيلي والحَمُّويِي: «ما».
[4] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«أحبُّ»، وبالرفع رواية الأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت (ب، ص).
[5] صحَّح عليها في اليونينيَّة، وهي هكذا في رواية أبي ذر عن الحَمُّويِي والكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا، وفي رواية أبي ذر عن المُستملي وحاشية رواية ابن عساكر: «إلى الله».
[6] قوله: «ما داوم عليه صاحبه» ليس في رواية الأصيلي.





43- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال رحمه الله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى)؛ بالمُثلَّثة، والنُّون المفتوحة المُشدَّدة، أبو موسى البصريُّ، المذكور في باب «حلاوة الإيمان» [خ¦16] ، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان الأحول، (عَنْ هِشَامٍ)؛ يعني: ابن عروة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي)؛ عروة بن الزُّبير بن العوَّام، (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا وَ) الحال أنَّ [1] (عِنْدَهَا امْرَأَةٌ، فَقَالَ) بإثبات فاء العطف، وللأَصيليِّ: ((قال))؛ بحذفها، فتكون جملةً استئنافيَّةً جواب سؤالٍ مقدَّرٍ؛ كأنَّ قائلًا يقول: ماذا قال حين دخل؟ قالت: قال: (مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ) عائشة: هي (فُلَانَةُ)؛ بعدم الصَّرف للتَّأنيث والعلميَّة؛ إذ هو كنايةٌ عن ذلك، وهي الحَوْلاء _بالمُهملَة والمدِّ؛ كما في «مسلمٍ»_ بنت تُوَيتٍ؛ بمُثنَّاتين مُصغَّرًا، (تَذْكُرُ)؛ بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة؛ أي: عائشة (مِنْ صَلَاتِهَا): في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة، ولغير الأربعة: ((يُذكَر))؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا لِمَا لم يُسمَّ فاعله، وتاليه نائبٌ عنه؛ أي: يذكرون أنَّ صلاتها كثيرةٌ، وعند المؤلِّف في «صلاة اللَّيل» معلَّقًا: لا تنام باللَّيل [خ¦1151] ، ولعلَّ عائشة أَمِنَتْ عليها الفتنة، فمدحتها في وجهها، لكن في «مُسنَد الحسن بن سفيان»: كانت عندي امرأةٌ، فلمَّا قامت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من هذه يا عائشة؟» قالت: يا رسول الله، هذه فلانةُ، وهي أَعْبَدُ أهلِ المدينة، فظاهر هذه الرِّواية أنَّ مدحها كان في غيبتها، (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (مَهْ)؛ بفتح الميم وسكون الهاء؛ اسمٌ للزَّجر بمعنى: اكفُف، ينهاها عليه الصلاة والسلام عن مدح المرأة بما ذكرته، أو عن تكلُّف عملِ ما لا يُطَاق؛ ولذا قال بعده: (عَلَيْكُمْ) من العمل (بِمَا)؛ بمُوحَّدَةٍ قبل الميم، وفي رواية الأَصيليِّ: ((ما)) (تُطِيقُونَ)؛ أي: بالذي تطيقون المُداوَمَةَ عليه، وحذف العائد؛ للعلم به، ويُفهَم منه النَّهي عن تكليف ما لا يُطَاق، وسبب وروده خاصٌّ بالصَّلاة، لكنَّ اللَّفظ عامٌّ، فيشمل جميع الأعمال، وعَدَلَ عن خطاب النِّساء إلى خطاب الرِّجال؛ طلبًا لتعميم الحكم، فغلَّب الذُّكور على الإناث في الذِّكر، (فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى)؛ إلى [2] أن (تَمَلُّوا) بفتح الميم في الموضعين، وهو من باب المُشاكَلَة والازدواج؛ وهو أن تكون إحدى اللَّفظتين موافقةً للأخرى، وإن خالفت معناها، والملال: ترك الشَّيء؛ استثقالًا وكراهةً له بعد حرصٍ ومحبَّةٍ فيه، فهو من صفات المخلوقين، لا من صفات الخالق تعالى، فيحتاج إلى تأويلٍ، فقال المحقِّقون: هو على سبيل المجاز؛ لأنَّه تعالى لمَّا كان يقطع ثوابه عمَّن قطع العمل ملالًا؛ عبَّر عن ذلك بـ: «الملال»، من باب: تسمية الشَّيء باسم سببه، أو معناه: لا يقطع عنكم فضله حتَّى تملُّوا سؤالَه، (وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ)؛ أي: الطَّاعة (إِلَيْهِ)؛ أي: إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي رواية المستملي: ((إلى الله))، وليس بين الرِّوايتين تخالفٌ؛ لأنَّ ما كان أحبَّ [/ج1ص129/] إلى الله كان أحبَّ إلى رسوله، وفي رواية أبي الوقت والأَصيليِّ: ((وكان أحبُّ))؛ بالرَّفع اسمُ «كان» (مَا داوَمَ)؛ أي: واظب (عَلَيْهِ صَاحِبُهُ) وإن قلَّ، فبالمُداوَمة على القليل تستمرُّ الطَّاعة، بخلاف الكثير الشَّاقِّ، وربَّما ينمو القليل الدَّائم حتَّى يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرةً، وهذا من مزيد شفقته صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمَّته؛ حيث أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو ما يمكنهم الدَّوام عليه من غير مشقَّةٍ، جزاه الله عنَّا ما هو أهله، وسقط عند الأَصيليِّ قوله: ((ما داوم عليه صاحبه))، والتَّعبير بـ: «أحبَّ» هنا يقتضي أنَّ ما لم يداوم عليه صاحبه من الدِّين محبوبٌ، ولا يكون هذا إلَّا في العمل؛ ضرورة لأنَّ تركَ الإيمان كفرٌ، قاله في «المصابيح».

وفي هذا الحديث الدَّلالة على استعمال المجاز، وجواز الحلف من غير استحلافٍ، وأنَّه لا كراهة فيه إذا كان لمصلحةٍ، وفضيلة المُداوَمَة على العمل، وتسمية العمل دِينًا، وقد أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصلاة» [خ¦1151] ، ومسلمٌ، ومالكٌ في «موطَّئه».

[1] «أنَّ»: سقط من (س).
[2] «إلى»: سقط من (س) و(م).





43- (فُلَانَةُ): لا ينصرف [1] للتَّأنيثِ والعَلَميَّةِ؛ لأنَّه كِنايَةٌ عن كلِّ عَلَمٍ عاقلٍ.

(تَذْكُرُ): بفتحِ المثنَّاةِ، ويُروى بضمِّ الياءِ مبنيٌّ للمفعولِ [2] .

(مِنْ صَلَاتِهَا): قال الكرمانيُّ: (مفعولٌ له).

قال البِرْماويُّ: (وفيه نَظَرٌ؛ إِذْ يَحتملُ: تَذْكُرُ كثيرًا مِنْ صَلاتِها).

(مَهْ): قال الأصفهانيُّ: (إذا دخلَهُ التَّنوينُ؛ كانَ نكرةً، وإذا حُذفَ؛ كانَ معرفةً، وهذا القِسم مِنْ أقسامِ التَّنوينِ الَّذي يختصُّ بالدُّخولِ على النَّكرةِ؛ ليفصلَ بينها وبين المعرفةِ، فالمعرفةُ غيرُ مُنَوَّنٍ، والنَّكرةُ مُنَوَّنٌ) انتهى.

وقال الجوهريُّ: (معناهُ: اُكْفُفْ)، وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّ (مَهْ) اسمُ فعلٍ لازمٌ، و (اُكْفُفْ) مُتَعَدٍّ، بل ينبغي أَنْ يُقالَ: معناهُ: اِنْكَفِفْ.

(عَلَيْكُمْ بِمَا [3] تُطِيقُونَ): (عَلَيْكُمْ) من أسماءِ الأفعالِ.

(وَكَانَ أَحَبّ): يجوزُ نصبُه على أنَّه خبرٌ مقدَّمٌ، ويجوزُ رفعُه على أنَّه اسمٌ، ويَحتمل أنْ يكونَ أرادَ: أَحَبَّ أعمالِ الدِّينِ، فحَذَفَ المضافَ.

[1] في (ب): (لا تنصرف).
[2] قوله: (مبنيٌّ للمفعول) غيرُ ظاهرٍ في هامش (أ)، والمثبت من (ب)، وعبارة البرماوي في «اللامع» (1/253): (على البناء للمفعول)، وعبارة النووي في «التلخيص» (ص141)، والزركشي في «التنقيح» (1/41)، وابن الملقن في «التوضيح» (3/116): (على ما لم يسمَّ فاعِلُه)، وهي رواية غيرِ الأربعةِ؛ أبي ذرٍّ والأصيليِّ وابنِ عساكرَ وأبي الوقت.
[3] في (ب): (ما)، وهي رواية الأصيلي.





43- [/ج1ص30/] قوله: (يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ): (يحيى): هذا هو ابنُ سعيدٍ القطَّان، شيخ الإسلام، الذي قال [1] فيه أحمد: (لم تَرَ عيناي مثلَه) ، وقال بُندار: (إمامُ أهلِ زمانه، واختلفتُ إليه عشرين سنة، فما أظنُّ أنَّه عصى اللهَ قطُّ) ، تُوفِّي في صفر سنةَ (198 هـ ) ، وهو رأس في العلم والعمل، أخرج له الجماعة، وهو ثقةٌ وفوقَ الثِّقةِ.

قوله: (وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ): هذه هي الحولاء بنت تُوَيْت بن حبيب بن أسَد بن عبد العزَّى بن قُصيٍّ، هاجرت وكانت كثيرة العبادة والتهجُّد، وتُوَيْت: بضمِّ التاء المثنَّاة فوق، وفتح الواو، ثمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثمَّ مثنَّاة فوق، وقد صرَّح بها [2] مسلمٌ في روايته.

قوله: (تَذْكُرُ مِنْ [3] صَلَاتِهَا): (تَذْكُرُ): بفتح [4] المثنَّاة فوق على المشهور، ورُوِيَ: بالمثنَّاة تحت مضمومة على ما لَمْ يُسَمَّ فاعلُه.

قوله: (مَهْ): هي كلمةُ زَجْرٍ وكَفٍّ، قال الجوهريُّ: (ومَهْ: كلمةٌ بُنيتْ على السكون، وهو اسمٌ سُمِّيَ به الفعل؛ ومعناه: اكفُف؛ لأنَّه زَجْرٌ، فإنْ وصلتَ؛ نوَّنت، فقلتَ: مَهٍ مَه [5] ، ويقال: مهمهتُ به؛ أي: زجرتُه) انتهى.

وقوله: (اكفُف) فيه نظرٌ؛ لأنَّ (مَه) اسمُ فعلٍ لازمٍ، و (اكفُف) مُتعَدٍّ، بل ينبغي أن يُقال معناه: انكفف؛ لأنَّه لازمٌ، والله أعلم.

قوله: (لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا): قال ابن قُرقُول: (على بابها من الغاية، وإلى هذا ذهب ابنُ سِراج وأبوه؛ أي: لا يَمَلُّ لثوابهم مللًا مقابلة لمللهم، وقيل: خرج الكلام مَخرج قولهم: «حتَّى يشيب الغُراب»، على نفي القِصَّة، لا على وجودِها؛ أي: أنَّ الله لا يَمَلُّ، ولا يليقُ به الملل إن ملِلتم، وهو مِنَ المقابلة بين كلامين [6] ؛ أي: لا يترك ثوابكم حتَّى تملُّوا وتتركوا لمللِكم عبادتَه، فسُمِّيَ تركُه لثوابهم مَلَلًا [7] ، والمللُ إنَّما هو مِن صفات المخلوقين، وهو ترك الشَّيء؛ استثقالًا وكراهيةً بعد حِرصٍ عليه ومحبَّةٍ فيه) انتهى.

قوله: (وَكَانَ أَحَبّ الدِّينِ إِلَيْهِ): (أَحَبّ): يجوزُ نصبه على أنَّه خبرٌ مُقدَّمٌ، ويجوزُ رفعُه على أنَّه الاسم.

[1] في (أ) و (ب): (قاله) ، والمثبت من (ج) .
[2] في (ب): (وقد خرج لها) .
[3] (من): ليس في (ب) .
[4] زيد في (ب): (التاء) .
[5] (مه): ليس في (ب) .
[6] في (ب): (شيئين) .
[7] في (ب): (تركه مللًا لثوابهم) .





43- ( قَالَتْ فُلاَنَةُ ) هي الحولاء بحاء مهملة بنت تُوَيتٍ بالمثناة فيهما.

( تَذْكُرُ مِنْ صَلاَتِهَا ) بفتح التاء من فوق على المشهور، وروي بالياء من تحت [ب:9] مضمومة على ما لم يسمَّ فاعله.

( مَهْ ) بالإسكان: كلمة زجر بمعنى أتكفف، فإن وِصِلَت نُوِّنَت.

( تَمَلُّ ) بفتح التاء والميم، وكذلك تملوا.

و( حَتَّى ) بمعنى الواو، والمعنى: لا يملُّ وإن ملُّوا، وقيل: لا يَمَلُّ من الثَّواب حتَّى تَمَلوا مِن العَمل، ومعنى تمل: تترك؛ لأنَّ مَن ملَّ شيئًا تركه، وأتى به بهذا [/ج1ص41/] اللفظ للمشاكلة، كقوله: { وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ } [ الشورى: 40 ] .

( وَقَالَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ) [المائدة: 3] نازعه الإسماعيلي في إدخالها الترجمة، ولاشك أن الإكمال يستلزم النقصان قبله، والتوحيد كان كاملًا قبل نزول هذه الآية، وإنَّما تجدد الحج وهو عمل محض لأن الآية نزلت بعرفة، وحديث أنس وابن عمر ظاهران في الترجمة لوصفه الإيمان بالشعيرة والبُرَّة والذَّرَّة.


43- ( يَحْيَى ): هو ابن سعيد القطَّان.

( فقَالَ: مَنْ هَذِهِ ) للأَصِيلي: «قال» بغير فاء.

( فُلاَنَةُ ): هي الحولاء _ بمهملة ومدٍّ _ بنت تُوَيت _ بمثنَّاتين مصغَّر _ ابن حبيب بن أسد بن عبد العزَّى.

( تَذْكُرُ ): بفتح الفوقيَّة والفاعل عائشة. وفي «مسند الحسن بن سفيان»: «هذه فلانة، وهي أعبد أهل المدينة». وفي «مسند أحمد»: «لا تنام، تصلِّي».

وروي: «يُذْكَرُ» بالتَّحتيَّة والبناء للمفعول، أي: يذكرون أنَّ صلاتها كثيرة.

( مَهْ ): كلمة زجر بمعنى: اكفف، فيحتمل أن يكون زجرًا عن ذلك الفعل، ويحتمل أن يكون زجرًا لعائشة عن مدح المرأة بما ذكرت.

( لاَ يَمَلَّ اللهُ حَتَّى تَمَلَّوا ) بفتح الميم فيهما، والملال: استثقال الشَّيء ونفور [النَّفس] [1] عنه بعد محبَّته، وهو محال على الله، فإطلاقه عليه من باب المشاكلة نحو: { وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } [الشورى:40] هذا أحسن محاملة.

وفي بعض طرقه عن عائشة: «اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإنَّ الله لا يملُّ من الثواب حتَّى تملُّوا من العمل» أخرجه ابن جرير في «تفسيره»، أي: لا يقطع ثوابه ويتركه. [/ج1ص198/]

( وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ ) للمُسْتملي: «إلى الله»، وهو يدل على أنَّ الضَّمير في إليه لله، والأكثر على أنَّه لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وصرَّح به المصنِّف في الرِّقاق، [خ: 6461] ولا منافاة بينهما، فإنَّ ما كان أحبَّ إلى الله كان أحبَّ إلى رسوله. [/ج1ص199/]

[1] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (الشيء) والمثبت من غيرها





43- وبه قال: (( [حدثنا] محمد بن المثنَّى)) ؛ بالمثلثة والنون المفتوحة المشددة: أبو موسى البصري المعروف بالزَّمِن؛ مرَّ، ((قال: حدثنا يحيى)) ؛ هو ابن سعيد القطان الأحول؛ كما مرَّ، ((عن هشام)) هو ابن عروة ((قال: أخبرني)) بالإفراد ((أبي)) عروة بن الزبير بن العوَّام؛ وقد مرَّ، ((عن عائشة)) أم المؤمنين رضي الله عنها: ((أنَّ النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم دخل عليها)) : جملة محلها الرفع خبر (أنَّ) ، ((و)) الحال ((عندها امرأة، فقال)) بالفاء وفي رواية: بحذفها، فيكون جملة اسمية استئنافية؛ أعني: جواب سؤال مقدر، كأنه يقول: ماذا قال حين دخل؟ قالت: قال: ((مَن هذه؟)) مبتدأ وخبر؛ أي: المرأة ((قالت)) أي: عائشة: هي ((فلانةُ)) خبر لمبتدأ محذوف، غير منصرف للعلمية والتأنيث؛ لأنَّه كناية عن كل علم مؤنث [1] ؛ وهي الحولاء -بالحاء المهملة والمد- بنت تويت؛ بمثناتين مصغرًا، من بني أسد، وكانت صالحة عابدة مهاجرة رضي الله عنها.

((تَذكر)) ؛ بفتح المثناة الفوقية؛ أي: عائشة، وفي رواية: بالمثناة التحتية المضمومة، مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعله، وقوله: ((من صلاتها)) في محل رفع مفعول نائب عن الفاعل، والمعنى: يذكرون أن صلاتها كثيرة، وفي رواية زيادة: (لا تنام بالليل) ، وعلى الأول: هي محلها النصب على المفعولية، ولعل عائشة أَمِنت عليها الفتنة فمدحتها في وجهها، لكن في «مسند الحسن بن سفيان»: كانت عندي امرأة، فلما قامت؛ قال عليه السلام: «من هذه يا عائشة؟» قالت: يا رسول الله؛ هذه فلانة، وهي أعبد أهل المدينة، فظاهر هذه الرواية أنَّ مدحها كان في غيبتها بعد أن خرجت[/ص25/]المرأة.

((قال)) عليه السلام: ((مَهْ)) ؛ بفتح الميم وسكون الهاء؛ اسم للزجر؛ بمعنى: (اكفف) ، فإنْ وصلتَ [2] ؛ نَوَّنتَه كان نكرة، وإذا حُذف؛ كان معرفة.

فنهاها عليه السلام عن مدح المرأة بما ذكرته أو عن تكلف عمل ما لا يطاق.

وعند مالك: وفيه: (فقيل له: هذه الحولاء لا تنام الليل، فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عُرفتِ الكراهة في وجهه) ، فهذا يدل للاحتمال الثاني.

ولذا قال: ((عليكم)) من العمل ((بما)) بموحدة، وفي رواية بدونها ((تطيقون)) ؛ أي: بالذي تطيقون المداومة عليه، وحذف العائد للعلم به، ويفهم منه النهي عن تكليف ما لا يطاق، وسبب وروده خاص بالصلاة، لكن اللفظ عام فيشمل جميع الأعمال، وعدل عن خطاب النساء إلى خطاب الرجال؛ طلبًا لتعميم الحكم، فغلَّب الذكور على الإناث في الذِّكْر، أفاده في «عمدة القاري»، ((فوالله لا يمَل الله)) من الملالة؛ وهي السآمة والضجر ((حتى)) أنْ ((تَمَلُّوا)) ؛ بفتح الميم في الموضعين؛ وهو من باب المشاكلة والازدواج؛ وهو أن يكون إحدى اللفظين موافقة للأخرى وإن خالفت معناها، والملال: ترك الشيء استثقالًا وكراهية له بعد حرص ومحبة فيه، وهذا من صفات المخلوق لا الخالق عز وجل، فيحتاج إلى التأويل، فقال المحققون: هو على سبيل المجاز؛ لأنَّه تعالى لمَّا كان يقطع ثوابه عمن قطع العمل مَلالًا؛ عبَّر عن ذلك بالمَلال من باب تسمية الشيء باسم سببه، أو معناه: لا يقطع عنكم فضله حتى تمَلُّوا سؤاله.

((وكان أحبَّ الدين)) ؛ أي: الطاعة، ومنه الحديث في صفة الخوارج: «يمرقون من الدين»؛ أي: من طاعة الأئمة، ويجوز أن يكون فيه حذفًا؛ تقديره: أحب الأعمال الدين ((إليه)) ؛ أي: إلى النبي الأعظم عليه السلام، وفي رواية: (إلى الله) ، وليس بين الروايتين تخالف؛ لأنَّ ما كان أحب إلى الله؛ كان أحب إلى رسوله، وفي رواية: (وكان أحبُّ) بالرفع اسم (كان) ، ((ما داوم)) من المداومة؛ وهي المحافظة؛ أي: حافظ وواظب ((عليه صاحبه)) وإن قَلَّ، فبالمداومة على القليل تستمر الطاعة، بخلاف الكثير الشاق، وربما يزيد القليل الدائم على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة، والمجرور محله نصب خبر (كان) ، و (صاحبه) مرفوع بـ (داوم) ، وكلمة (ما) للمدة، والتقدير: مدة دوام صاحبه عليه، وفي الحديث دلالة على استعمال المجاز؛ وهو إطلاق المَلل عليه تعالى، وجواز الحلف من غير استحلاف، وأنه لا كراهة فيه وهو مذهب الإمام الأعظم، وقال الشافعي: يكره، وفيه بيان شفقته عليه السلام ورأفته بأمته، وفيه دليل على أن صلاة الليل كلِّه مكروهة، ونفاها مالك ما لم يضر ذلك بصلاة الصبح، والله تعالى أعلم.

[1] (كل علم مؤنث): ضرب عليها في الأصل.
[2] أي: بأن قلت: مهٍ مهٍ.