متن الصحيح الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

36- وبالسَّند إلى البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ)؛ أي: ابن عمر العَتَكِيُّ؛ بفتح المُهمَلَة والمُثنَّاة الفوقيَّة؛ نسبةً إلى العتيك بن الأسد القَسْمَليِّ؛ بفتح القاف، وسكون المُهمَلَة، وفتح الميم؛ نسبةً إلى قَسْمَلَة، وهو معاوية بن [1] عمرٍو، أو إلى القساملة؛ قبيلةٌ من الأزد، البصريُّ، ثقةٌ، من كبار العاشرة، وانفرد به المؤلِّف عن «مسلمٍ»، وتوفِّي سنة ثلاثٍ أو ستٍّ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زيادٍ العبديُّ؛ نسبةً إلى عبد القيس البصريُّ، الثَّقفيُّ؛ نسبةً إلى ثقيفٍ، المُتوفَّى سنة سبعٍ وسبعين ومئةٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ) بضمِّ العين المُهمَلَة، ابن القعقاع بن شبرمة، الكوفيُّ الضُّبيُّ؛ نسبةً إلى ضُبَّةَ بن أُدِّ بن طابخةَ، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) هرمٌ أو عبد الرَّحمن أو عمرٌو أو عبد الله (بْنُ عَمْرِو)، وفي رواية غير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ بزيادة: (بْنِ جَرِيرٍ) [2] البَجَليُّ؛ بفتح المُوحَّدة والجيم؛ نسبةً إلى بجيلة بنت صعبٍ، (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنَّه [3] (قَالَ [4] : انْتَدَبَ الله)؛ بنونٍ ساكنةٍ، ومُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ، ودالٍ مُهملَةٍ كذلك، في آخره مُوحَّدةٌ، وقال الحافظ ابن حجرٍ في رواية الأَصيليِّ هنا: ((ائتدب))؛ بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مهموزةٍ بدل النُّون؛ مِنَ المأدبة قال: وهو تصحيفٌ، وقد وجَّهوه بتكلُّفٍ، لكنَّ إطباقَ الرُّواة على خلافه مع اتِّحاد المَخْرَّج كافٍ في تخطئته انتهى. وعَزَاهَا القاضي عياضٌ لرواية القابسيِّ، وأمَّا رواية: ((انتدب))؛ بالنُّون؛ فهو من ندبتُ فلانًا لكذا فانتدب؛ أي: أجاب إليه، وفي «القاموس»: وندبه إلى الأمر: دعاه وحثَّه، أو معناه: تكفَّل، كما رواه المؤلِّف في أواخر «الجهاد» [خ¦2797] ، أو سارع بثوابه وحسن جزائه، وللأَصيليِّ وكريمةَ: ((انتدب الله عزَّ وجلَّ)) (لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ) حال كونه (لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ)، وفي روايةٍ: ((إلا الإيمان)) (بِي و [5] تَصْدِيقٌ بِرُسُلِي) بالرَّفع فيهما فاعلُ «لا يُخْرِجُه»، والاستثناء مُفرَّغٌ، وإنَّما عدل عن «به» _الذي هو الأصل_ إلى «بي»؛ للالتفات من الغَيبة إلى التَّكلُّم، وقول ابن مالكٍ في «التَّوضيح»: كان الأَلْيَقُ «إيمانٌ به»، ولكنه على تقدير حالٍ محذوفٍ؛ أي: قائلًا: لا يخرجه إلَّا إيمانٌ بي، و«لا يخرجه» مقول القول؛ لأنَّ صاحب الحال على هذا التَّقدير هو الله؛ ردَّه ابن المُرَحِّل، فقال: أساء في قوله: «كان الأَلْيَق»، وإنَّما هو من باب الالتفات، ولا حاجة إلى تقدير حالٍ؛ لأنَّ حذف الحال لا يجوز، حكاه الزَّركشيُّ وغيره، وقال في «المصابيح»: ما ذكره من عدم جواز حذف الحال ممنوعٌ، فقد ذكر ابن مالكٍ من شواهده هنا قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} [البقرة: 127] ؛ أي: قائلين، وقوله تعالى: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُم} [الرعد: 23 ـ 24] ؛ أي: قائلين: سلامٌ عليكم، وقوله تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ} [غافر: 7] ؛ أي: قائلين، قال ابن المرَحِّل: وإنَّما هو من باب الالتفات، وقال الزَّركشيُّ: الأَلْيَق أن يُقَال: عدل عن ضمير الغَيبة إلى الحضور؛ يعني: أنَّ الالتفات يوهم الجسميَّة، فلا يُطْلَق في كلام الله تعالى، وهذا خلاف ما أطبق عليه علماء البيان، وذكر الكرمانيُّ قوله: «أو [6] تصديقٌ برسلي» بلفظ «أو»، واستشكله؛ لأنَّه لا بدَّ من الأمرين: الإيمان بالله والتَّصديق برسله، وأجاب بما معناه: أنَّ «أو» بمعنى: الواو، أو أنَّ الإيمان بالله مستلزمٌ لتصديق رسله، وتصديق رسله مستلزمٌ للإيمان بالله، وتعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّه لم يثبت في شيءٍ من الرِّوايات بلفظ «أو». ا ه؛ نعم؛ وجدته في «أصل [/ج1ص121/] فرع اليونينيَّة» كهي، أو بالألف قبل الواو وعلى الألف: «لا س» علامة سقوط الألف عند من رُقِم له بالسِّين؛ وهو ابن عساكرَ الدِّمشقيُّ، ومُقتضَاه ثبوتها عند غيره، فَلْيُتَأَمَّلْ مع كلام ابن حجرٍ [7] ، وفوق الواو جَزْمةٌ سوداء ونَصْبةٌ بالحمرة، وكذا وجدته أيضًا بالألف في متن «البخاريِّ» من النُّسخة التي وقفت عليها من «تنقيح الزَّركشيِّ»، وكذا في نسخة كريمة، وعند الإسماعيليِّ كمسلمٍ: «إلَّا إيمانًا» بالنَّصب مفعولٌ له؛ أي: لا يخرجه المخرج إلَّا الإيمان والتَّصديق، (أَنْ أَرْجِعَهُ) بفتح الهمزة، من «رجع»، و«أن» مصدريَّةٌ، والأصل بأن أرجعه؛ أي: برجعه [8] إلى بلده، وفي نسخة كريمة «وقف الآثار»: ((أُرجعه))؛ بهمزةٍ مضمومةٍ، ظاهرها أنَّها كانت نصبةً فأصلحتها ضمَّةً [9] ، (بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ)؛ أي: بالذي أصابه؛ من النَّيل؛ وهو العطاء، من أجرٍ فقط إن لم يغنموا، (أَوْ) أجرٍ مع (غَنِيمَةٍ) إن غنموا، أو أنَّ [10] «أو» بمعنى الواو، كما رواه أبو داودَ «بالواو» بغير ألفٍ، وعبَّر بالماضي موضع المضارع في قوله: «نال» [11] ؛ لتحقُّق وعده تعالى، (أَوْ) أن (أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) عند دخول المقرَّبين بلا حسابٍ ولا مُؤاخَذَةٍ بذنوبٍ؛ إذ تكفِّرها الشَّهادة، أو عند موته؛ لقوله: {أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] ، (وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ)؛ أي: لولا المشقَّة (عَلَى أُمَّتِي؛ مَا قَعَدْتُ خَلْفَ)؛ بالنَّصب على الظَّرفيَّة؛ أي: ما قعدت بعد (سَرِيَّةٍ)، بل كنت أخرج معها بنفسي؛ لِعِظَمِ أجرِها، و«لولا»: امتناعيَّةٌ، و«أنْ» مصدريَّةٌ في موضع رفعٍ بالابتداء، و«ما قعدت» جواب «لولا»، وأصله: «لمَا»، فحُذِفَت اللَّام، والمعنى: امتنع عدم القعود؛ وهو القيام؛ لوجود المشقَّة، وسَبَبُ المشقَّة صعوبةُ تخلُّفِهم بعده، ولا قدرةَ لهم على المسير معه؛ لضيق حالهم، قال ذلك صلى الله عليه وسلم شفقةً على أمَّته، جزاه الله سبحانه عنَّا أفضلَ الجزاء، (وَلَوَدِدْتُ) عطفًا على: «ما قعدت»، واللَّام للتَّأكيد، أو جواب قسمٍ محذوفٌ؛ أي: والله لَوَدِدْتُ؛ أي: أحببت (أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ)؛ بضمِّ الهمزة في كلٍّ من «أُحْيَا» و«أُقْتَل»، وهي [12] خمسة ألفاظٍ، وفي رواية الأَصيليِّ: ((أن أُقْتَل)) بدل «أنِّي»، ولأبي ذَرٍّ: ((فأُقتَل ثمَّ أحيا فأُقتَل))، كذا في «اليونينيَّة»، وخُتِم بقوله: «ثمَّ أُقْتَل»، والقرار إنَّما هو على حالة الحياة؛ لأنَّ المُرَادَ الشَّهادةُ، فختم الحال عليها، أو الإحياء للجزاء من المعلوم، فلا حاجة إلى ودادته؛ لأنَّه ضروريُّ الوقوع، و«ثمَّ»: للتَّراخي في الرُّتبة أحسن من حملها على تراخي الزَّمان؛ لأنَّ المُتمنَّى حصولُ مرتبةٍ بعد مرتبةٍ إلى الانتهاء إلى الفردوس الأعلى، فإن قلت: تمنِّيه عليه الصلاة والسلام أن يُقتَل يقتضي تمنِّيَ وقوع زيادة الكفر لغيره، وهو ممنوعٌ للقواعد، أُجِيب: بأنَّ مراده عليه الصلاة والسلام حصولُ ثواب الشَّهادة، لا تمنِّيَ المعصية للقاتل.

وفي الحديث استحبابُ طلب القتل في سبيل الله، وفضل الجهاد، ورجاله ما بين بصريٍّ [13] وكوفيٍّ، خالٍ عن العنعنة، ليس فيه إلَّا التَّحديث والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦2797] ، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ.

[1] زيد في هامش (م): «أبي»، وكتب بجانبها: «صح»، وحذفها هو الصَّواب.
[2] في (س): «ابن جريز»، وهو تصحيفٌ.
[3] «أنَّه»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[4] «قال»: سقط من (س).
[5] في (م): «أو»، وهو خطأٌ.
[6] في (م): «و»، وهو خطأٌ.
[7] قوله: «علامة سقوط الألف عند... فَلْيُتَأَمَّلْ مع كلام ابن حجرٍ»، سقط من (م).
[8] في (ب) و(س): «يرجعهُ».
[9] قوله: «وفي نسخة كريمة «وقف الآثار»: «أُرجعه»؛ بهمزةٍ مضمومةٍ، ظاهرها أنَّها كانت نصبةً فأصلحتها ضمَّةً»، سقط من (م).
[10] «أو أنَّ»: سقط من (م).
[11] في (م): «قال»، وهو تحريفٌ.
[12] في (م): «وهنَّ».
[13] في (م): «مصري».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

36-. حدَّثنا حَرَمِيُّ بنُ حَفْصٍ، قالَ: حدَّثنا عَبْدُ الواحِدِ، قالَ: حدَّثنا عُمَارَةُ [1] : حدَّثنا أَبُو زُرْعَةَ بنُ عَمْرِو بنِ جَرِيرٍ [2] ، قالَ:

سَمِعْتُ أَبا هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «انْتَدَبَ اللَّهُ [3] لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ: لا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمانٌ [4] بِي أَوْ تَصْدِيقٌ [5] بِرُسُلِي، أَنْ أَرْجِعَهُ [6] بِما نالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ. وَلَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَىَ أُمَّتِي ما قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيا ثُمَّ أُقْتَلُ [7] ».

[1] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[2] قوله: «بن جرير» ليس في رواية أبي ذر والأصيلي.
[3] في رواية الأصيلي زيادة: «عزَّ وَجَلَّ».
[4] في رواية [عط] : «الإيمان».
[5] في رواية ابن عساكر: «وتصديق».
[6] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و« أُرْجِعَهُ ».
[7] في رواية الأصيلي: «أنْ أُقتلَ... ثمَّ أُقتلَ... ثمَّ أُقتلَ»، وفي رواية أبي ذر: «... في سبيل الله، ثم أُحيا فَأُقْتَلُ، ثم أُحْيا فَأُقْتلُ».





36- وبالسَّند إلى البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ)؛ أي: ابن عمر العَتَكِيُّ؛ بفتح المُهمَلَة والمُثنَّاة الفوقيَّة؛ نسبةً إلى العتيك بن الأسد القَسْمَليِّ؛ بفتح القاف، وسكون المُهمَلَة، وفتح الميم؛ نسبةً إلى قَسْمَلَة، وهو معاوية بن [1] عمرٍو، أو إلى القساملة؛ قبيلةٌ من الأزد، البصريُّ، ثقةٌ، من كبار العاشرة، وانفرد به المؤلِّف عن «مسلمٍ»، وتوفِّي سنة ثلاثٍ أو ستٍّ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زيادٍ العبديُّ؛ نسبةً إلى عبد القيس البصريُّ، الثَّقفيُّ؛ نسبةً إلى ثقيفٍ، المُتوفَّى سنة سبعٍ وسبعين ومئةٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ) بضمِّ العين المُهمَلَة، ابن القعقاع بن شبرمة، الكوفيُّ الضُّبيُّ؛ نسبةً إلى ضُبَّةَ بن أُدِّ بن طابخةَ، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) هرمٌ أو عبد الرَّحمن أو عمرٌو أو عبد الله (بْنُ عَمْرِو)، وفي رواية غير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ بزيادة: (بْنِ جَرِيرٍ) [2] البَجَليُّ؛ بفتح المُوحَّدة والجيم؛ نسبةً إلى بجيلة بنت صعبٍ، (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنَّه [3] (قَالَ [4] : انْتَدَبَ الله)؛ بنونٍ ساكنةٍ، ومُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ، ودالٍ مُهملَةٍ كذلك، في آخره مُوحَّدةٌ، وقال الحافظ ابن حجرٍ في رواية الأَصيليِّ هنا: ((ائتدب))؛ بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مهموزةٍ بدل النُّون؛ مِنَ المأدبة قال: وهو تصحيفٌ، وقد وجَّهوه بتكلُّفٍ، لكنَّ إطباقَ الرُّواة على خلافه مع اتِّحاد المَخْرَّج كافٍ في تخطئته انتهى. وعَزَاهَا القاضي عياضٌ لرواية القابسيِّ، وأمَّا رواية: ((انتدب))؛ بالنُّون؛ فهو من ندبتُ فلانًا لكذا فانتدب؛ أي: أجاب إليه، وفي «القاموس»: وندبه إلى الأمر: دعاه وحثَّه، أو معناه: تكفَّل، كما رواه المؤلِّف في أواخر «الجهاد» [خ¦2797] ، أو سارع بثوابه وحسن جزائه، وللأَصيليِّ وكريمةَ: ((انتدب الله عزَّ وجلَّ)) (لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ) حال كونه (لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ)، وفي روايةٍ: ((إلا الإيمان)) (بِي و [5] تَصْدِيقٌ بِرُسُلِي) بالرَّفع فيهما فاعلُ «لا يُخْرِجُه»، والاستثناء مُفرَّغٌ، وإنَّما عدل عن «به» _الذي هو الأصل_ إلى «بي»؛ للالتفات من الغَيبة إلى التَّكلُّم، وقول ابن مالكٍ في «التَّوضيح»: كان الأَلْيَقُ «إيمانٌ به»، ولكنه على تقدير حالٍ محذوفٍ؛ أي: قائلًا: لا يخرجه إلَّا إيمانٌ بي، و«لا يخرجه» مقول القول؛ لأنَّ صاحب الحال على هذا التَّقدير هو الله؛ ردَّه ابن المُرَحِّل، فقال: أساء في قوله: «كان الأَلْيَق»، وإنَّما هو من باب الالتفات، ولا حاجة إلى تقدير حالٍ؛ لأنَّ حذف الحال لا يجوز، حكاه الزَّركشيُّ وغيره، وقال في «المصابيح»: ما ذكره من عدم جواز حذف الحال ممنوعٌ، فقد ذكر ابن مالكٍ من شواهده هنا قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} [البقرة: 127] ؛ أي: قائلين، وقوله تعالى: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُم} [الرعد: 23 ـ 24] ؛ أي: قائلين: سلامٌ عليكم، وقوله تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ} [غافر: 7] ؛ أي: قائلين، قال ابن المرَحِّل: وإنَّما هو من باب الالتفات، وقال الزَّركشيُّ: الأَلْيَق أن يُقَال: عدل عن ضمير الغَيبة إلى الحضور؛ يعني: أنَّ الالتفات يوهم الجسميَّة، فلا يُطْلَق في كلام الله تعالى، وهذا خلاف ما أطبق عليه علماء البيان، وذكر الكرمانيُّ قوله: «أو [6] تصديقٌ برسلي» بلفظ «أو»، واستشكله؛ لأنَّه لا بدَّ من الأمرين: الإيمان بالله والتَّصديق برسله، وأجاب بما معناه: أنَّ «أو» بمعنى: الواو، أو أنَّ الإيمان بالله مستلزمٌ لتصديق رسله، وتصديق رسله مستلزمٌ للإيمان بالله، وتعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّه لم يثبت في شيءٍ من الرِّوايات بلفظ «أو». ا ه؛ نعم؛ وجدته في «أصل [/ج1ص121/] فرع اليونينيَّة» كهي، أو بالألف قبل الواو وعلى الألف: «لا س» علامة سقوط الألف عند من رُقِم له بالسِّين؛ وهو ابن عساكرَ الدِّمشقيُّ، ومُقتضَاه ثبوتها عند غيره، فَلْيُتَأَمَّلْ مع كلام ابن حجرٍ [7] ، وفوق الواو جَزْمةٌ سوداء ونَصْبةٌ بالحمرة، وكذا وجدته أيضًا بالألف في متن «البخاريِّ» من النُّسخة التي وقفت عليها من «تنقيح الزَّركشيِّ»، وكذا في نسخة كريمة، وعند الإسماعيليِّ كمسلمٍ: «إلَّا إيمانًا» بالنَّصب مفعولٌ له؛ أي: لا يخرجه المخرج إلَّا الإيمان والتَّصديق، (أَنْ أَرْجِعَهُ) بفتح الهمزة، من «رجع»، و«أن» مصدريَّةٌ، والأصل بأن أرجعه؛ أي: برجعه [8] إلى بلده، وفي نسخة كريمة «وقف الآثار»: ((أُرجعه))؛ بهمزةٍ مضمومةٍ، ظاهرها أنَّها كانت نصبةً فأصلحتها ضمَّةً [9] ، (بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ)؛ أي: بالذي أصابه؛ من النَّيل؛ وهو العطاء، من أجرٍ فقط إن لم يغنموا، (أَوْ) أجرٍ مع (غَنِيمَةٍ) إن غنموا، أو أنَّ [10] «أو» بمعنى الواو، كما رواه أبو داودَ «بالواو» بغير ألفٍ، وعبَّر بالماضي موضع المضارع في قوله: «نال» [11] ؛ لتحقُّق وعده تعالى، (أَوْ) أن (أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ) عند دخول المقرَّبين بلا حسابٍ ولا مُؤاخَذَةٍ بذنوبٍ؛ إذ تكفِّرها الشَّهادة، أو عند موته؛ لقوله: {أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] ، (وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ)؛ أي: لولا المشقَّة (عَلَى أُمَّتِي؛ مَا قَعَدْتُ خَلْفَ)؛ بالنَّصب على الظَّرفيَّة؛ أي: ما قعدت بعد (سَرِيَّةٍ)، بل كنت أخرج معها بنفسي؛ لِعِظَمِ أجرِها، و«لولا»: امتناعيَّةٌ، و«أنْ» مصدريَّةٌ في موضع رفعٍ بالابتداء، و«ما قعدت» جواب «لولا»، وأصله: «لمَا»، فحُذِفَت اللَّام، والمعنى: امتنع عدم القعود؛ وهو القيام؛ لوجود المشقَّة، وسَبَبُ المشقَّة صعوبةُ تخلُّفِهم بعده، ولا قدرةَ لهم على المسير معه؛ لضيق حالهم، قال ذلك صلى الله عليه وسلم شفقةً على أمَّته، جزاه الله سبحانه عنَّا أفضلَ الجزاء، (وَلَوَدِدْتُ) عطفًا على: «ما قعدت»، واللَّام للتَّأكيد، أو جواب قسمٍ محذوفٌ؛ أي: والله لَوَدِدْتُ؛ أي: أحببت (أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ)؛ بضمِّ الهمزة في كلٍّ من «أُحْيَا» و«أُقْتَل»، وهي [12] خمسة ألفاظٍ، وفي رواية الأَصيليِّ: ((أن أُقْتَل)) بدل «أنِّي»، ولأبي ذَرٍّ: ((فأُقتَل ثمَّ أحيا فأُقتَل))، كذا في «اليونينيَّة»، وخُتِم بقوله: «ثمَّ أُقْتَل»، والقرار إنَّما هو على حالة الحياة؛ لأنَّ المُرَادَ الشَّهادةُ، فختم الحال عليها، أو الإحياء للجزاء من المعلوم، فلا حاجة إلى ودادته؛ لأنَّه ضروريُّ الوقوع، و«ثمَّ»: للتَّراخي في الرُّتبة أحسن من حملها على تراخي الزَّمان؛ لأنَّ المُتمنَّى حصولُ مرتبةٍ بعد مرتبةٍ إلى الانتهاء إلى الفردوس الأعلى، فإن قلت: تمنِّيه عليه الصلاة والسلام أن يُقتَل يقتضي تمنِّيَ وقوع زيادة الكفر لغيره، وهو ممنوعٌ للقواعد، أُجِيب: بأنَّ مراده عليه الصلاة والسلام حصولُ ثواب الشَّهادة، لا تمنِّيَ المعصية للقاتل.

وفي الحديث استحبابُ طلب القتل في سبيل الله، وفضل الجهاد، ورجاله ما بين بصريٍّ [13] وكوفيٍّ، خالٍ عن العنعنة، ليس فيه إلَّا التَّحديث والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦2797] ، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ.

[1] زيد في هامش (م): «أبي»، وكتب بجانبها: «صح»، وحذفها هو الصَّواب.
[2] في (س): «ابن جريز»، وهو تصحيفٌ.
[3] «أنَّه»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[4] «قال»: سقط من (س).
[5] في (م): «أو»، وهو خطأٌ.
[6] في (م): «و»، وهو خطأٌ.
[7] قوله: «علامة سقوط الألف عند... فَلْيُتَأَمَّلْ مع كلام ابن حجرٍ»، سقط من (م).
[8] في (ب) و(س): «يرجعهُ».
[9] قوله: «وفي نسخة كريمة «وقف الآثار»: «أُرجعه»؛ بهمزةٍ مضمومةٍ، ظاهرها أنَّها كانت نصبةً فأصلحتها ضمَّةً»، سقط من (م).
[10] «أو أنَّ»: سقط من (م).
[11] في (م): «قال»، وهو تحريفٌ.
[12] في (م): «وهنَّ».
[13] في (م): «مصري».





36- (إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي): هو بالرَّفعِ فيهما؛ لأنَّه فاعلُ (يُخْرِجُهُ)، والاستثناءُ مفرَّغٌ، وفي «مسلمٍ» بالنَّصب [ح:1876] ، ووجهُه: أنَّه مفعولٌ له، التَّقديرُ: لا يُخرِجُه [1] المخرِجُ ويحرِّكُه المحرِّكُ إلَّا للإيمانِ والتَّصديقِ، ومعناه: لا يُخرجُه إلَّا مَحْضُ الإيمانِ والإخلاص لله تعالى.

وقال الكرمانيُّ: (السِّياقُ يقتضِي أَنْ يقالَ: إيمانٌ به، فَعَدَلَ عنِ الغَيبةِ إلى الخطابِ التفاتًا، أو ذكرًا على سبيلِ الحكايةِ مِنْ قولِ الله تعالى).

وقال ابنُ مالكٍ في «الشواهد»: (تضمَّنَ هذا الحديثُ ضميرَ غَيبةٍ مضافًا إليه «سبيل»، وضميرَيْ حضورٍ: أحدهما في موضعِ جرٍّ بالباء، والآخر في موضعِ جرٍّ بإضافة «رُسُل»، وكانَ اللَّائِق في الظَّاهرِ أنْ يكونَ بَدَلَ الياء الهاء، فلا بُدَّ مِنَ التَّأويل، وهو تقديرُ اسمِ فاعلٍ مِنَ القولِ منصوبٍ على الحالِ؛ كأنَّه قالَ: انتدبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ في سبيلِهِ قائلًا: لا يُخرجُهُ إلَّا الإيمانُ بي، ويجوزُ أنْ يكونَ الهاءُ في «سبيله» عائدًا إلى «مَنْ»، ولـ«سَبِيْلِهِ»: نعتٌ محذوفٌ؛ أي: سبيلِه المرضيَّة، ثم أضمر بعد «سبيله»: «قال» ونحوَه، ولا موضعَ له مِنَ الإعرابِ) انتهى.

وقال ابنُ المُرَحِّل: (وقوله: «كان اللَّائق» فيه إساءَةُ أدبٍ، وإنَّما هو مِنْ بابِ الالتفاتِ، ولا حاجةَ إلى تقديرِ حالٍ؛ لأنَّ الحالَ لا يجوزُ حذفُه).

وقال ابنُ الملقِّنِ: (عُدُولُهُ عنْ ضميرِ الغَيبةِ في قولِه: «إيمانٌ به وتصديقٌ برسوله» إلى الحضورِ يحتاجُ إلى تقديرٍ؛ كما في قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} [آل عمران: 106] ؛ أي: يقال لهم: أكفرتُم، ونظائِرِه).

إشارةٌ: (قالَ الأشرفُ: «لا يُخرجُه إلَّا إيمانٌ بي» فيه إضمارٌ؛ أي: انتدبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ في سبيلِه قائلًا: لا يُخرِجُه إلَّا إيمانٌ بي، أقولُ: هذا أحدُ قولَي ابنِ مالكٍ، والآخرُ: أنَّ الضَّميرَ في «سبيله» راجعٌ إلى «مَنْ»، ولـ«سِبِيلِهِ» نَعْتٌ محذوفٌ؛ أي: في سبيلِه المرضيَّةِ، والنَّعتُ يُحذَفُ كثيرًا إذا كان مفهومًا؛ نحو قوله تعالى: {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص: 85] ؛ أي: معادٍ تُحِبُّه، ثمَّ أُضمِرَ بعدَ «سبيلِه» قولٌ حُكِيَ به ما بعدَ ذلك، لا موضِعَ له مِنَ الإعرابِ؛ يعني: أنَّ الجملةَ الثَّانيةَ استئنافيَّةٌ، كأنَّ قائلًا قال: وما ذاك بالانتداب وكيف انتدب؟ أُجيب: «قال: لا يُخرجه»، لكن على هذا التَّقديرِ لا يِلتَئِمُ قولُه: «أَنْ أَرْجِعَهُ» بـ«انْتَدَبَ»، والأشبَهُ أنْ يكونَ التفاتًا؛ إذ لو قيل: إلَّا إيمانٌ به؛ لكانَ يَجري على الظَّاهرِ، ولم يَفتقرْ إلى الإضمارِ، فَعَدَلَ تفخيمًا لشأنِ المُخرِجِ، ومزيدًا لاختصاصِه وقربِه، والجارُّ مِن «أَنْ أَرْجِعَهُ» محذوفٌ؛ أي: أجابَ اللهُ دعاءَهُ بأنْ قالَ: إمَّا أَنْ أَرْجِعَهُ بما نالَ مِنْ أَجْرٍ أو غَنيمَةٍ) قالَه الطِّيبيُّ.

(أَرْجِعَهُ): ثلاثيٌّ، وهُذيلٌ تقولُ: (أُرْجِعَ) رباعيًّا.

(أَوْ أُدْخِلَهُ): منصوبٌ؛ لأنَّه عطف على (أَرْجِعَهُ).

(لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ): (لولا): هي امتناعيَّة لا اختصاصيَّة؛ أي: امتناعُ القيامِ لوجودِ المشقَّةِ على الأُمَّةِ.

(ولَوَدِدْتُ): قالَ الكرمانيُّ: (اللَّامُ هي [2] في جوابِ «لولا»، ويجوزُ حذفُها كما حُذِفتْ [3] مِنْ «مَا قَعَدْتُ» [4] ، أو نقولُ: اللَّامُ فيه جوابٌ لقَسَمٍ محذوفٍ) انتهى، وقد وردَ في (كتابِ الجهاد) في «البخاريِّ»: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَوَدِدْتُ...» [خ¦2797] .

وقالَ ابنُ مالكٍ: («وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَدِدْتُ»: فيه شاهدٌ على وقوعِ الفعلِ الماضي جوابَ قَسَمٍ عاريًا مِنْ «قد» و«اللَّام» دون استطالةٍ، وفيه غرابةٌ؛ لأنَّ ذلك لا يكادُ يُوجَدُ إلَّا في ضرورةٍ، أو في كلامٍ مُستطالٍ، فمِنَ الواردِ في ضرورةٍ قولُ الشَّاعرِ: [من البسيط]

~ تَاللهِ هانَ على السَّالِينَ ما دُهِيَتِْهِ نُفوسٌ أَبَتْ إِلَّا الهَوى دِينا [5]

ومِنَ الواردِ في كلامٍ مستطالٍ [قولُه تعالى] : {والسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ*وَالْيَومٌ المَوْعُودُ وَشَاهِدٌ وَمَشْهُودٌ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} [البروج: 1-] .

وفي «هَذَا مَقَامُ...»، و«أنا كنتُ أظلمَ منه» شاهدانِ على جوازِ تلقِّي القَسَمِ بمبتدأٍ غيرِ مقرونٍ باللَّامِ دونَ استطالةٍ، وهو نادرٌ، فلو وُجِدَتِ استطالةٌ؛ لم يُعَدَّ نادرًا؛ كقولِ الشَّاعرِ: [من الطويل]

~ وَرَبِّ السَّماواتِ العُلَا وَبُرُوجِها َالَارْضِ وَمَا فِيهَا المُقَدَّرُ كَائِن)

[1] في النسختين: (يخرج)، ولعلَّ المثبت هو الصواب.
[2] في النسختين: (هو)، والمثبت من مصدره.
[3] في النسختين و«الكرماني»: (حذف)، ولعلَّ المثبت هو الأولى.
[4] أي: فلم يقل: (لما قعدت).
[5] لم أقف عليه عند غير ابن مالك، والله أعلم.





36- قوله: (حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ): هو بفتح الحاء المهملة والرَّاء، مشدَّدُ الآخر، لا [1] كالنسبةِ إلى الحَرَمِ؛ لأنَّ النِّسبةَ إلى الحَرَمِ؛ بكسر الحاء، وإسكان الراء.

قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ): هذا هو ابنُ زيادٍ العبديُّ مولاهم، البصريُّ، قال أحمدُ وغيرُه: (ثقةٌ) ، وقال النَّسائيُّ: (ليس به بأسٌ) ، وقد أخرج له الجماعةُ، مات سنة (176 هـ ) ، وله مناكيرُ نُقمت عليه اجتنبها صاحبا «الصحيح»، له ترجمةٌ في «الميزان» [2] .

قوله: (حَدَّثَنَا عُمَارَةُ): هو بضمِّ العين، وتخفيف الميم، ابنُ القَعْقاعِ بنِ شُبْرُمةَ، له نحو ثلاثين حديثًا، أخرجَ له الجماعُة، قال ابنُ معينٍ والنَّسائيُّ: (ثقةٌ) .

قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ): اسمُ (أبي زُرعةَ) هَرِم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرَّحمن، وقيل: جرير، وقيل: عَمرو، أخرج له الجماعةُ، وثَّقَه ابنُ مَعينٍ وغيرُه [3] .

قوله: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ): تقدَّم أنَّه عبدُ الرَّحمن بنُ صَخْرٍ مرَّات، على الأصحِّ مِن نحوِ ثلاثينَ قولًا، وتقدَّم ما فيه [4] .

قوله: (انْتَدَبَ اللهُ): بالنُّونِ في أوَّلِه على المشهورِ؛ أي: سارعَ بثوابِه وحُسنِ جَزائِه، وقيل: أجاب، وقيل: تكفَّل، وحَكى القاضي: (ائتدب) ؛ بهمزةٍ صورتُها ياءٌ، مِنَ المَأْدُبَة؛ أي: أجاب مَن دعاه.

قوله: (إِلَّا إِيمَانٌ بِي أَوْ [5] تَصْدِيقٌ): هما مرفوعانِ؛ لأنَّه استثناءٌ مُفرَّغٌ، وهو في «مسلمٍ» بالنَّصب في النُّسخ [م (1876) (103)] ، ووجهُهُ: أنَّه مفعولٌ له؛ التقديرُ [6] : لا يُخرجُه المُخرِجُ ويُحَرِّكُه المُحَرِّكُ إلَّا الإيمان؛ ومعناه: لا يخرجه إلَّا مَحْضُ الإيمان والإخلاصِ لله تعالى [7] .

قوله: (أَرْجِعَهُ): هو بفتح الهمزة، ثلاثيٌّ؛ ومعناه: أَرُدَّهُ، قال في «الصِّحاح»: (وهُذيلٌ تقولُ: أَرْجَعَهُ غيرُه) .

قوله: (أَوْ غَنِيمَةٍ): (أو) هنا: للتقسيم بالنِّسبة إلى الغنيمة وعدمِها، فيكونُ المعنى: أنَّه يرجع مع نيلِ الأجرِ إنْ لَمْ يغنموا، ومعه إنْ غنموا.

ويُحتملُ أن تكون (أو) هنا بمعنى (الواو) ؛ أي: مع أجرٍ وغنيمةٍ، ووقع [8] في «مسلمٍ» وغيرِه: بالواو.

قوله: (سَرِيَّةٍ): قال يعقوبُ: (هي ما بين خمسةِ أنفُسٍ إلى ثلاثِ مئةٍ) ، وقال الخليلُ: (نحو أربعِ مئةٍ) . [/ج1ص27/]

قوله: (وَلَوَدِدْتُ): هو [9] بكسر الدَّال الأولى.

قوله: (ثُمَّ أُحْيَا): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، وهو بضمِّ الهمزةِ.

[1] (لا): ليست في (ج) .
[2] «ميزان الاعتدال» (*) ، وانظر «تهذيب الكمال» (*) .
[3] انظر «تهذيب الكمال» (33/323) .
[4] (وتقدم ما فيه): ليست في (ج) .
[5] في «اليونينيَّة»: (و) ، والمثبت موافق لما في (ق) .
[6] في (ب): (والتقدير) .
[7] (تعالى): مثبتة من (ب) .
[8] في (ب): (وقع) .
[9] في (ج): (هي) .





36- ( حَرَمِيّ ) بفتحتين.

( عُمَارَةُ ) بضم العين.

( ابن القعقاع ): بقافين.

( انْتَدَبَ ) ضمن وتكفَّل، وقيل: أوجب وتفضل، وهو بالنون في أوله على المشهور، وحكى القاضي رواية: «ائتدب» بهمزة صورتها ياء من المأْدُبَة.

( لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي ) قال ابن مالك في «التوضيح»: كان الأليق: إيمان به، ولكنه على تقدير حال محذوفة، أي: قائلًا.

قال الشيخ شهاب الدين بن المرحَّل: أساء في قوله: «كان الأليق»، وإنَّما هو من باب الالتفات ولا حاجة إلى تقدير حال؛ لأن حذف الحال لا يجوز.

قلت: الأليق أن يقال: عدل عن ضمير الغيبة إلى الحضور [1] ، وقوله: ( إِلَّا إِيمَانٌ بِي أو تَصْدِيقٌ ) بالرفع فيهما؛ لأنَّه فاعل ( يخرجه )، والاستثناء مفرَّغ، وروي في مسلم بالنصب على أنَّه مفعول له تقديره: لا يخرجه المخرج إلا الإيمان والتصديق.

( أَنْ أَرْجِعَهُ ) بفتح الهمزة؛ أي: أرده إلى بلاده، بدليل: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ} [التوبة: 83] [/ج1ص37/] وحكى فيه ثعلب: أرجع رباعيًا.

( والنَّيل ) بفتح النون: العطاء.

[1] قال ابن حجر رحمه الله: قوله: «قلت الأليق» فيه نظر لأن الذي ذكره هو معنى الالتفات الذي ذكره الرجل.





36- ( عَبْدُ الْوَاحِدِ ): ابن زياد.

( عُمَارَةُ ): ابن القعقاع.

( انْتَدَبَ ) بالنُّون، أي: سارع بثوابه وحسنِ جزائه، وقيل: أجاب إلى المراد، وقيل: تكفَّل وضمن، ولفظه في الجهاد: «تكفَّل»، [خ: 3123] وفيه أيضًا: «توكَّل»، وللأَصِيلي هنا: «ائتدب» بياء تحتيَّة مهموزة من المأدبة.

قال ابن حجر: وهو تصحيف، وتكلَّفَ من رامَ توجيهه.

( لاَ يُخْرِجُهُ إِلاَّ إِيمَانٌ بِي ) مقتضى الحال « به»، لكنَّه على تقدير (قائلًا)، قاله ابن مالك. وخرَّجه بعضهم على الالتفات وفيه نظر، [/ج1ص190/] لأنَّه حينئذ [تكون هذه الجملة] [1] من كلامه صلَّى الله عليه وسلَّم، [كجملة] [2] : «انتدب الله» حتَّى يصحَّ الالتفات، وليس كذلك بدليل: «وتصديق برسلي»، فلا بدَّ من تقدير القول قطعًا، وفي مسلم: «إلَّا إيمانًا»، وبيَّنت وجهه في «الدِّيباج».

( وَتَصْدِيقٌ ) قال ابن حجر: لم يرد في شيء من الرِّوايات بلفظ: أو.

( أَرْجِعَهُ ) بفتح الهمزة، أي: أردَّه بلادَه، والماضي رجع، قال تعالى: {فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ } [/ج1ص191/]

[التوبة:83] .

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (يكون هذا كله)
[2] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (كقوله)





36- وبه قال: ((حدثنا حرمي بن حفص)) بن عمر العَتَكي؛ بفتح المهملة والمثناة الفوقية؛ نسبة إلى العتيك بن الأسد، القَسْمَلي؛ بفتح القاف، وسكون المهملة، وفتح الميم؛ نسبة إلى قَسْمَلة؛ قبيلة من الأزد، البصري، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومئتين ((قال: حدثنا عبد الواحد)) بن زياد العبدي؛ نسبة إلى عبد القيس، البصري، الثقفي؛ نسبة إلى ثقيف، المتوفى سنة سبع وسبعين ومئة [1] ((قال: حدثنا عُمارة)) ؛ بضم العين المهملة: ابن القعقاع بن شبرمة، الكوفي الضبي؛ نسبة إلى ضبة بن أد بنِ طابخة ((قال: حدثنا أبو زرعة)) هرم أو عبد الرحمن أو عمرو أو عبد الله ((بن عمرو)) وفي رواية زيادة: (ابن جرير) البَجَلي؛ بفتح الموحدة والجيم؛ نسبة [إلى] بجيلة بنت صعب ((قال: سمعت أبا هريرة)) رضي الله عنه ((عن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) أنه ((قال: انْتَدب الله)) ؛ بنون ساكنة، ومثناة فوقية مفتوحة، ودال مهملة، من ندبت فلانًا؛ فانتدب؛ أي: أجاب إليه، وفي «القاموس»: ندبه إلى الأمر؛ دعاه وحثَّه، أو معناه: تكفَّل؛ كما رواه المؤلف، وفي رواية زيادة: (عز وجل) ((لمن خرج في سبيله)) حال كونه ((لا يُخرجه إلا إيمانٌ)) وفي رواية: (إلا الإيمان) ، وفي رواية: (إلا إيمانًا) ، ((بي وتصديقٌ برسلي)) بالرفع فيهما؛ فاعل (لا يخرجه) ، وبالنصب فيهما مفعول له؛ أي: لا يخرجه المخرجُ، فالاستثناءُ مفرَّغٌ، وإنما قال: (بي) ولم يقل: به؛ للالتفات من الغَيبة إلى التكلم، وذكر ركن الدين الكرماني أن في رواية: (أو تصديق) بدل الواو، فهي بمعناها، وأن الإيمان بالله مستلزم لتصديق رسله، وهو مستلزم للإيمان بالله، واعترضه ابن حجر: بأنه لم يثبت في شيء من الروايات بلفظ (أو) ، انتهى.

قلت: بل هو ثابت في «أصل فرع اليونينية» كهي (أو) بالألف قبل الواو، وعلى الألف (لا س) علامة سقوط الألف عند من رقم له[/ص22/]بالسين؛ وهو ابن عساكر الدمشقي؛ فليحفظ.

((أن أَرجعه)) ؛ بفتح الهمزة من (رجع) ، و (أنْ) مصدرية، والأصل: بأن أرجعه؛ أي: برجوعه إلى بلده، وفي رواية: بضم الهمزة ((بما نال)) ؛ أي: بالذي أصابه من النيل وهو العطاء، ((من أجر)) فقط إن لم يغنموا، ((أو)) أجر مع ((غنيمة)) إن غنموا، أو أنَّ (أو) بمعنى الواو، وعبَّر بالماضي موضع المضارع؛ لتحقق وعده تعالى، ((أو)) أنْ ((أدخله الجنة)) مع المقربين بلا حساب ولا عقاب؛ لأنَّ الشهادة تكفرها، أو عند موته لقوله: {أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] .

((ولولا أن أشق)) أي: لولا المشقة ((على أمتي ما قعدت خلفَ)) بالنصب على الظرفية؛ أي: ما قعدت بعد ((سرية)) ؛ بل كنت أخرج معها بنفسي؛ لعظم أجرها، وسبب المشقة: صعوبة تخلفهم بعده، ولا قدرة لهم على المسير معه، وشفقة عليهم، و (لولا) امتناعية، و (أنْ) مصدرية في موضع رفع بالابتداء، و (ما) وقعت جواب (لولا) ، وأصله (لما) فحُذِفت اللام، ((ولوددت)) ؛ أي: والله لوددت؛ أي: أحببت ((أني أُقتل في سبيل الله ثم أُحيا، ثم أُقتل ثم أُحيا، ثم أُقتل)) ؛ بضم الهمزة في الكل، وفي رواية: بالفاء.

وإنما ختم بقوله: (ثم أُقتل) والقرار إنَّما هو على حالة الحياة؛ لأنَّ المراد الشهادة، فختم الحال عليها أو الإحياء للجزاء من المعلوم، و (ثم) للتراخي في الرتبة أو الزمان، وتمنِّيه عليه السلام المراد به: حصول ثواب الشهادة، لا تمني المعصية للقاتل، وفيه استحباب طلب القتل في سبيل الله، وفضل الجهاد، ويعارضه قوله عليه السلام: «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية»، إلا أن يُحمل الأول على طلب الثواب، والثاني على هجوم العدو مع عدم قدرة الدفع؛ فتأمل.

[1] في الأصل: (سبع وسبعين ومئتين وألف)، وليس بصحيح.