متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

25- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ)؛ أي: ابن عبد الله، ولابن عساكرَ: ((المُسنَدِيُّ))؛ بضمِّ الميم وفتح النُّون، وسبق، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ)؛ بفتح الرَّاء، وسكون الواو، واسمه: (الْحَرَمِيُّ)؛ بفتح الحاء والرَّاء المُهمَلَتَين، وكسر الميم، وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، بلفظ النِّسبة، تثبت فيه «أل» وتُحذَف، وليس نسبةً إلى الحرَم كما تُوهِّم، (ابْنُ عُمَارَةَ)؛ بضمِّ العين المُهمَلَة، وتخفيف الميم، ابن أبي حفصة نابتٌ _بالنُّون_ العتكيُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة إحدى وثمانين، (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ)؛ بالقاف، زاد الأَصيليُّ: ((يعني: ابن زيد بن عبد الله بن عمر))، كما في «فرع اليونينيَّة» كهي [1] (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي)؛ محمَّد بن زيد بن عبد الله (يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب عبد الله رضي الله عنهما، فواقدٌ هنا روى عن أبيه عن جدِّ أبيه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أُمِرْتُ)؛ بضمِّ الهمزة لِمَا لم يُسمَّ فاعلُه، (أَنْ)؛ أي: أمرني الله بأنْ (أُقَاتِلَ النَّاسَ)؛ أي: بمقاتلة النَّاس، وهو من العامِّ الذي أُرِيدَ به الخاصُّ، فالُمرَاد بـ: «النَّاس»: المشركون من غير أهل الكتاب، ويدلُّ له رواية النَّسائيِّ بلفظ: «أُمِرتُ أن أقاتلَ المشركين»، أو المراد: مقاتلة أهل الكتاب (حَتَّى)؛ أي: إلى أن (يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَ) حتَّى (يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) المفروضة؛ بالمُداوَمَة على الإتيان بها بشروطها، (وَ) حتَّى (يُؤْتُوا الزَّكَاةَ) المفروضة؛ أي: يعطوها لمستحقِّيها، والتَّصديق برسالته عليه الصلاة والسلام يتضمَّن التَّصديق بكلِّ ما جاء به، وفي حديث أبي هريرة في «الجهاد» الاقتصار على قول: «لا إله إلَّا الله» [خ¦2946] ، فقال الطَّبريُّ: إنَّه عليه الصلاة والسلام قاله في وقت قتاله للمشركين أهل الأوثان [2] الذين لا يقرُّون بالتَّوحيد، وأمَّا حديث الباب؛ ففي قتال [3] أهل الكتاب المقرِّين بالتَّوحيد، الجاحدين لنبوَّته عمومًا وخصوصًا، وأمَّا حديث أنسٍ في أبواب «أهل [4] القبلة»: «وصلَّوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا» [خ¦392] ، فيمن دخل الإسلام ولم يعمل الصَّالحات؛ كترك الجمعة والجماعة؛ فيُقاتَل حتَّى يذعن لذلك، (فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ) أو أعطَوا الجزية، وأطلق على القول «فعلًا»؛ لأنَّه فعل اللِّسان أو هو [5] من باب تغليب الاثنين على الواحد؛ (عَصَمُوا)؛ أي: حفظوا ومنعوا (مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ)، فلا تُهدَرُ دماؤهم ولا تُستَباح أموالُهم بعد عصمتهم بالإسلام بسببٍ من الأسباب (إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ)؛ من قتل نفسٍ، أو حدٍّ، أو غرامةٍ بمتلفٍ، أو ترك صلاةٍ، (وَحِسَابُهُمْ) بعد ذلك (عَلَى اللهِ) في أمر سرائرهم، وأمَّا نحن؛ فإنَّما نحكم بالظَّاهر، فنعاملهم بمُقتضَى ظواهر أقوالهم وأفعالهم، أو المعنى: هذا القتال وهذه العصمة إنَّما هما باعتبار أحكام الدُّنيا المتعلِّقة بنا، وأمَّا أمور الآخرة من الجنَّة والنَّار، والثَّواب والعقاب؛ فَمُفَوَّضَةٌ إلى الله تعالى، ولفظة: «على» مشعرةٌ بالإيجاب، فظاهره غير مُرَادٍ، فإمَّا أن يكون المُرَاد: وحسابهم إلى الله، أو لله، أو أنَّه يجب أن يقع، لا أنَّه تعالى يجب عليه شيءٌ؛ خلافًا للمعتزلة القائلين بوجوب الحساب عقلًا، فهو من باب التَّشبيه له [6] بالواجب على العباد في أنَّه لا بدَّ من وقوعه، واقتصر على الصَّلاة والزَّكاة؛ لكونهما أُمًّا للعبادات البدنيَّة والماليَّة، ومن ثمَّ كانت الصَّلاة عماد الدِّين، والزَّكاة قنطرة الإسلام، ويُؤخَذ من هذا الحديث قبول الأعمال الظَّاهرة، والحكم بما يقتضيه الظَّاهر، والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم؛ خلافًا لمن أوجب تعلُّم الأدلَّة، وترك تكفير أهل البدع المقرِّين بالتَّوحيد الملتزمين للشَّرائع، وقبول توبة الكافر من غير تفصيلٍ بين كفرٍ ظاهرٍ أو باطنٍ.

وفيه رواية الأبناء عن الآباء، وفيه التَّحديث والعنعنة والسَّماع، وفيه الغرابة مع اتِّفاق الشَّيخين على تصحيحه؛ لأنَّه تفرَّد بروايته شعبةُ عن واقدٍ، قاله ابن حبَّان، وهو عن شعبةَ عزيزٌ، تفرَّد بروايته عنه حَرَمِيٌّ المذكور، وعبدُ الملك بن الصَّبَّاح، وهو عزيزٌ عن حَرَمِيٍّ، تفرَّد به عنه [/ج1ص108/]

المُسْنَديُّ، وإبراهيمُ بن محمَّد بن عرعرةَ، ومن جهة إبراهيم أخرجه أبو عوانة وابن حبَّان والإسماعيليُّ وغيرهم، وهو غريبٌ عن عبد الملك، تفرَّد به عنه أبو غسَّان مالكُ بن عبد الواحد شيخُ مسلمٍ، وليس هو في «مُسنَد أحمد» على سعته، قاله الحافظ ابن حجرٍ، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦523] ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته.

[1] «كهي»: سقط من (س).
[2] في (م): «الأديان»، وهو تحريفٌ.
[3] «قتال»: سقط من (س).
[4] (أهل»: سقط من (م).
[5] «هو»: سقط من (م).
[6] «له»: سقط من (ب).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

25-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدٍ المُسْنَدِيُّ [1] ، قالَ: حدَّثنا أَبُو رَوْحٍ الحَرَمِيُّ بنُ عُمَارَةَ، قالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ، عن واقِدِ بنِ مُحَمَّدٍ [2] قالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ:

عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّىَ يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ، فَإِذا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلامِ، وَحِسابُهُمْ عَلَى اللَّهِ».

[1] قوله: «المُسنَدي» ليس في رواية أبي ذر والأصيلي ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت.
[2] في رواية الأصيلي زيادة: «يعني ابن زيد بن عبد الله بن عُمر».





25- ( الْمُسْنَدِيُّ ) بفتح النون؛ لأنَّه كان يتتبع مسند الأحاديث.

( أَبُو رَوْحٍ ) بفتح الراء.

( الْحَرَمِيُّ ) بالتحريك.

( وَاقِدِ ) بالقاف.


25# (الْمُسْنَدِيُّ) هو: عبدُ الله بنُ محمدٍ الجعفيُّ الذي قدَّمنا الوعدَ بذكرِهِ، وهل قيل له ذلك لطلبه المسندات، أو لكونه أولَ من جمع مسنداتِ الصَّحابة على التراجم؟ خلاف.

(أَبُو رَوْحٍ) بفتح الراء.

(الْحَرَمِيُّ) بفتح الحاء والراء المهملتين: نسبة إلى الحرم.

(عُمَارَةَ) بضم العين المهملة [1] .

(وَاقِدِ) بالقاف، وليس في «الصحيحين»: ((وافد)) بالفاء.

(أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ) الآية، وهي قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة:5]، والحديثُ المذكور من أدلَّة قتل [2] تارك الصلاة.

وقال إمام الحرمين: إن المسلك فيه ضيِّقٌ.

قال ابن المنيِّر: وأي سعة [3] بعد الكتاب والسُّنة؟.

ولا يبعد على ابن حبيب _ من أصحابنا _ القائل: بأنه يُقتل كفرًا، أن يستدل بهما أيضًا، فإن القتال قبل الشهادتين لا خلاف أنه يُقتل المطلوبُ فيه كفرًا، وقد استصحبه الحديث، وجعل غايته أن يفعل الأعمال المذكورة كلها، وكذلك الآية، ودعوى اختلاف القتلين [4] قبل الشَّهادتين وبعدهما مردودٌ بظاهر الاستصحاب، واتحاد الفعل الذي انتهى بالغاية المذكورة.

والاستشهاد بالحديث من وجهين:

أحدهما: الغاية، والآخر [5] :

@%ج1ص50%

المفهوم؛ فإن مفهومَ الشرط من قوله: ((فإذا فعلوا ذلك)): أنهم [6] متى لم يفعلوه [7] بجملته، وتركوا شيئًا منه قُتلوا كفرًا، ولم يُعصموا.

ووجهٌ ثالث في الدلالة: وهو إدخال المال مع النفس، فإنها [8] تنهدرُ عصمة المال إذا قُتِل كفرًا، وأما المقتول حَدًّا، فمالُه معصومٌ، وترثُه ورثتُه.

[1] ((المهملة): ليست في (ج).
[2] في (ق): ((من أوله قيل)).
[3] في (ق): ((منع)).
[4] في (ق) و(د): ((القبلتين)).
[5] في (م): ((والأخرى)).
[6] في (ج): ((أنه)).
[7] في (ق): ((يفعلوا)).
[8] في (ق): ((وإنما)).





25- قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ): هو بضمِّ الميم، ثُمَّ سين ساكنة، ثُمَّ نون مفتوحة، وإنَّما عُرِفَ بهذا؛ لأنَّه كان وقت الطَّلب يتتبَّع الأحاديث المسندة، ولا يرغب في المقاطيع والمراسيل، وقال الحاكم: (عُرف بذلك؛ لأنَّه أوَّل مَن جمع مسند الصحابة على التراجم بما وراء النَّهر) ، وقد تقدَّم [1] قريبًا، وهو عبد الله بن محمَّد بن جعفر بن يمان [2] الجعفيُّ البخاريُّ، أبو جعفر الحافظ، وقد أخرج له البخاريُّ قبل هذا المكان، ولكن هنا نَسَبَه؛ فلهذا ذكرتُه أنا هنا، يَروي عنِ ابن عُيينة، وفُضيل بن عِياض، وطبقتهم، وعنه: البخاريُّ، وأحمد بن سيَّار، وأبو زُرعة، والدَّارميُّ، وجماعةٌ، قال أبو حاتم: (صدوق) ، تُوفِّي سنة (229 هـ ) في ذي القعدة، روى له البخاريُّ والتِّرمذيُّ، وهو مولى البخاريِّ من فوق [3] .

قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ): (رَوح): بفتح الراء، و (حَرَميٌّ): بفتح الحاء المهملة والراء، مشدَّدُ الآخر، و (عُمَارة): بضمِّ العين، وتخفيف الميم، ابن أبي حفصة نابت؛ بالنون، ويقال: بالثاء، ثقة، تُوفِّي سنة (201 هـ ) ، أخرج له البخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابن ماجه [4] .

قوله: (عَنْ وَاقِدِ بنِ مُحَمَّدٍ): هو بالقاف، قال الدِّمياطيُّ: (هو واقد بن محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر، أخو عمر، وزيد، وعاصم، وأبي بكر) انتهى، ثقةٌ، أخرج له البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والنَّسائيُّ، قال ابن قُرقُول: (وليس فيها -يعني: «البخاريَّ»، و«مسلمًا»، و«الموطَّأ»- وافد؛ بالفاء) انتهى، وأمَّا أنا؛ فلا أستحضر في الكتب السِّتَّة راويًا اسمه وافد؛ بالفاء، ولهم في غير الكتب وافد بن سلامة، يروي عن يزيد الرقاشيِّ، روى عنه: عبيد الله العمريُّ، وأنس بن عياض، ويقال فيه: بالقاف، ووافد بن موسى الدارع عن عبد الغفَّار بن داود الحرَّانيِّ، وكان عبد الله بن محمَّد بن جعفر القزوينيُّ يُصَحِّف فيه، فيقول: واقد؛ بالقاف، حدَّث بالثغور، وغيرِهما [5] .

[1] زيد في (ب) و (ج): (ذلك) .
[2] في (ب): (اليمان) .
[3] انظر «تهذيب الكمال» (16/59) .
[4] انظر «تهذيب الكمال» (5/556) .
[5] انظر «تهذيب الكمال» (30/414) .





25- (أَنْ أُقَاتِلَ): أي: بأنْ، وحَذْفُ الجارِّ كثيرٌ سائغٌ مطَّرِدٌ.

(لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ): اعلم أنَّهم قالوا: لا يصحُّ أنْ يُجعلَ لفظُ الجلالةِ خبرًا؛ لأنَّ لفظَ الجلالةِ مستثنًى مِنْ مذكورٍ؛ وهو (إِلَهَ)، والمستثنى من مذكورٍ لا يصحُّ أنْ يكونَ خبرًا للمستثنى منه؛ لأنَّه لم يُذكَرْ إلَّا ليَتبيَّنَ به ما قُصِدَ بالمستثنى منه، ولأنَّ المستثنى منه عامٌّ، ولفظَ الجلالةِ خاصٌّ، والخاصُّ لا يكون خبرًا للعامِّ، بلِ الواجبُ أنْ يكونَ الخبرُ عامًّا، أو مساويًا للمبتدأ ؛ ولهذا لا يصحُّ أنْ يقالَ: (الحيوانُ إنسانٌ)، ويصحُّ العكسُ؛ وهو قولُنا: (الإنسانُ حيوانٌ)، ولأنَّ لفظَ الجلالةِ معرفةٌ، و (لا) لا تعملُ في المعرفةِ، والخبرُ المقدَّرُ هو قولنا: (في الوجود)، لا (لنا) ؛ وذلك لأنَّ تقديرَ (لنا) وتقييدَ المنفيِّ به يُزيل عمومَهُ وتخصيصَهُ، فلا يكونُ هذا القولُ إقرارًا بالوحدانيَّةِ على الإطلاقِ.

واعترضَ الرَّازيُّ على النُّحاةِ بأنَّ التَّقديرَ في كلمةِ الشَّهادةِ: (لا إلهَ في الوجودِ إلَّا اللهُ) بأنَّ هذا المنفيَّ عامٌّ مستغرِقٌ، فتقييدُه بقولهم: (في الوجود) يُزيلُ عُمومَهُ وتَخصيصَهُ، فلا يكونُ هذا القولُ إقرارًا بالوحدانيَّةِ على الإطلاق.

وأُجيبَ بأنَّ (الإلهَ) حقيقةُ مَنْ له الخَلْقُ والأمرُ، ومَنْ له الخَلْقُ والأمرُ يكونُ موجودًا ضرورةً؛ لامتناعِ إسنادِ مَنْ له الخَلْقُ والأمرُ إلى العدمِ، فيُعكس بعكس النَّقيض إلى: ما ليسَ بموجودٍ ليسَ بإلهٍ، فنفيُ الإلهِ في الوجودِ يُفيدُ العمومَ المقصودَ الَّذي هو عامٌّ على إطلاقِهِ، وبأنَّ المرادَ بقولِ النُّحاةِ: (في الوجود): الوجودُ المطلقُ الصَّادقُ على العَيْنِيِّ والعِلْمِيِّ [1] ؛ فإذا نُفيَ الإلهُ في الوجودِ يلزمُ نفيُه مطلقًا، فإنَّ ما لا يُوجَدُ بأحد الموجودين لا حقيقةَ له أصلًا، فالنَّفي عامٌّ على هذا، والإقرارُ على هذا الوجهِ إقرارٌ بالوحدانيَّةِ على الإطلاقِ.

(إِلَّا بِحَقِّ [الْإِسْلَامِ] ): الإضافةُ فيه إمَّا بمعنى (اللَّام)، أو بمعنى: (مِن)، أو بمعنى (في)، وهو استثناءٌ مفرَّغٌ، والمستثنى منه أعمُّ مِنَ الجارِّ والمجرورِ، والعصمةُ متضمِّنةٌ لمعنى النَّفيِ، حتَّى يصحَّ تفريغُ الاستثناءِ؛ إذ هو شَرْطُهُ.

[1] أي: والذهني.





25- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ)؛ أي: ابن عبد الله، ولابن عساكرَ: ((المُسنَدِيُّ))؛ بضمِّ الميم وفتح النُّون، وسبق، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ)؛ بفتح الرَّاء، وسكون الواو، واسمه: (الْحَرَمِيُّ)؛ بفتح الحاء والرَّاء المُهمَلَتَين، وكسر الميم، وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، بلفظ النِّسبة، تثبت فيه «أل» وتُحذَف، وليس نسبةً إلى الحرَم كما تُوهِّم، (ابْنُ عُمَارَةَ)؛ بضمِّ العين المُهمَلَة، وتخفيف الميم، ابن أبي حفصة نابتٌ _بالنُّون_ العتكيُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة إحدى وثمانين، (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ)؛ بالقاف، زاد الأَصيليُّ: ((يعني: ابن زيد بن عبد الله بن عمر))، كما في «فرع اليونينيَّة» كهي [1] (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي)؛ محمَّد بن زيد بن عبد الله (يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب عبد الله رضي الله عنهما، فواقدٌ هنا روى عن أبيه عن جدِّ أبيه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أُمِرْتُ)؛ بضمِّ الهمزة لِمَا لم يُسمَّ فاعلُه، (أَنْ)؛ أي: أمرني الله بأنْ (أُقَاتِلَ النَّاسَ)؛ أي: بمقاتلة النَّاس، وهو من العامِّ الذي أُرِيدَ به الخاصُّ، فالُمرَاد بـ: «النَّاس»: المشركون من غير أهل الكتاب، ويدلُّ له رواية النَّسائيِّ بلفظ: «أُمِرتُ أن أقاتلَ المشركين»، أو المراد: مقاتلة أهل الكتاب (حَتَّى)؛ أي: إلى أن (يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَ) حتَّى (يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) المفروضة؛ بالمُداوَمَة على الإتيان بها بشروطها، (وَ) حتَّى (يُؤْتُوا الزَّكَاةَ) المفروضة؛ أي: يعطوها لمستحقِّيها، والتَّصديق برسالته عليه الصلاة والسلام يتضمَّن التَّصديق بكلِّ ما جاء به، وفي حديث أبي هريرة في «الجهاد» الاقتصار على قول: «لا إله إلَّا الله» [خ¦2946] ، فقال الطَّبريُّ: إنَّه عليه الصلاة والسلام قاله في وقت قتاله للمشركين أهل الأوثان [2] الذين لا يقرُّون بالتَّوحيد، وأمَّا حديث الباب؛ ففي قتال [3] أهل الكتاب المقرِّين بالتَّوحيد، الجاحدين لنبوَّته عمومًا وخصوصًا، وأمَّا حديث أنسٍ في أبواب «أهل [4] القبلة»: «وصلَّوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا» [خ¦392] ، فيمن دخل الإسلام ولم يعمل الصَّالحات؛ كترك الجمعة والجماعة؛ فيُقاتَل حتَّى يذعن لذلك، (فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ) أو أعطَوا الجزية، وأطلق على القول «فعلًا»؛ لأنَّه فعل اللِّسان أو هو [5] من باب تغليب الاثنين على الواحد؛ (عَصَمُوا)؛ أي: حفظوا ومنعوا (مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ)، فلا تُهدَرُ دماؤهم ولا تُستَباح أموالُهم بعد عصمتهم بالإسلام بسببٍ من الأسباب (إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ)؛ من قتل نفسٍ، أو حدٍّ، أو غرامةٍ بمتلفٍ، أو ترك صلاةٍ، (وَحِسَابُهُمْ) بعد ذلك (عَلَى اللهِ) في أمر سرائرهم، وأمَّا نحن؛ فإنَّما نحكم بالظَّاهر، فنعاملهم بمُقتضَى ظواهر أقوالهم وأفعالهم، أو المعنى: هذا القتال وهذه العصمة إنَّما هما باعتبار أحكام الدُّنيا المتعلِّقة بنا، وأمَّا أمور الآخرة من الجنَّة والنَّار، والثَّواب والعقاب؛ فَمُفَوَّضَةٌ إلى الله تعالى، ولفظة: «على» مشعرةٌ بالإيجاب، فظاهره غير مُرَادٍ، فإمَّا أن يكون المُرَاد: وحسابهم إلى الله، أو لله، أو أنَّه يجب أن يقع، لا أنَّه تعالى يجب عليه شيءٌ؛ خلافًا للمعتزلة القائلين بوجوب الحساب عقلًا، فهو من باب التَّشبيه له [6] بالواجب على العباد في أنَّه لا بدَّ من وقوعه، واقتصر على الصَّلاة والزَّكاة؛ لكونهما أُمًّا للعبادات البدنيَّة والماليَّة، ومن ثمَّ كانت الصَّلاة عماد الدِّين، والزَّكاة قنطرة الإسلام، ويُؤخَذ من هذا الحديث قبول الأعمال الظَّاهرة، والحكم بما يقتضيه الظَّاهر، والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم؛ خلافًا لمن أوجب تعلُّم الأدلَّة، وترك تكفير أهل البدع المقرِّين بالتَّوحيد الملتزمين للشَّرائع، وقبول توبة الكافر من غير تفصيلٍ بين كفرٍ ظاهرٍ أو باطنٍ.

وفيه رواية الأبناء عن الآباء، وفيه التَّحديث والعنعنة والسَّماع، وفيه الغرابة مع اتِّفاق الشَّيخين على تصحيحه؛ لأنَّه تفرَّد بروايته شعبةُ عن واقدٍ، قاله ابن حبَّان، وهو عن شعبةَ عزيزٌ، تفرَّد بروايته عنه حَرَمِيٌّ المذكور، وعبدُ الملك بن الصَّبَّاح، وهو عزيزٌ عن حَرَمِيٍّ، تفرَّد به عنه [/ج1ص108/]

المُسْنَديُّ، وإبراهيمُ بن محمَّد بن عرعرةَ، ومن جهة إبراهيم أخرجه أبو عوانة وابن حبَّان والإسماعيليُّ وغيرهم، وهو غريبٌ عن عبد الملك، تفرَّد به عنه أبو غسَّان مالكُ بن عبد الواحد شيخُ مسلمٍ، وليس هو في «مُسنَد أحمد» على سعته، قاله الحافظ ابن حجرٍ، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦523] ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته.

[1] «كهي»: سقط من (س).
[2] في (م): «الأديان»، وهو تحريفٌ.
[3] «قتال»: سقط من (س).
[4] (أهل»: سقط من (م).
[5] «هو»: سقط من (م).
[6] «له»: سقط من (ب).





25- ( حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محمَّد ) زاد ابن عساكر: «المسنَديُّ».

( أَبُو رَوْحٍ ): بفتح الرَّاء.

( الْحَرَمِيُّ ): للأَصِيلي: «حرميٌّ» وهو بفتح المهملتين: اسم بلفظ النَّسب، واللاَّم للَّمح [1] .

( عَنْ وَاقِدِ بْنِ محمَّد ): زاد الأَصِيلي: «يعني ابن زيد بن عبد الله بن [عمر] [2] »، فهو من رواية الأبناء عن الآباء.

قال ابن حجر: الحديث غريب عن واقد تفرَّد به عنه شعبه، وهو عزيز عن شعبة، تفرَّد به عن الحَرَميُّ وعبد الملك بن الصَّباح، عزيز عن الحرميِّ، تفرَّد به عنه المسنَديُّ، وإبراهيم بن محمَّد [/ج1ص175/] بن عَرعرة غريب عن عبد الملك، تفرَّد به عنه أبو غسَّان مالك بن عبد الواحد شيخ مسلم، ثمَّ هو عزيز عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تفرَّد به بزيادة الصَّلاة والزَّكاة ابن عمر وأبو هريرة.

( أُمِرْتُ أَنْ ) أي: بأن.

( فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ ) عبَّر بالفعل عمَّا بعضه قول تغليبًا أو إرادة الأعمِّ، إذ القول فعل اللِّسان.

( عَصَمُوا ): منعوا، والعصمة من العِصَام، وهو الخيط الذي يشدُّ به فم القربة ليمنع خروج الماء.

( وَحِسَابُهُمْ ) أي: في أمر سرائرهم.

( عَلَى اللَّهِ ): على بمعنى اللَّام. [/ج1ص176/]

[1] هكذا في الأصول، وعبارة الفتح: اسم بلفظ النَّسب تثبت فيه الألف واللام وتحذف.
[2] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (عمرو) والمثبت من غيرها





11/25# قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حدَّثنا أَبُو رَوْحٍ حَرَمِيُّ [1] بنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ، عن واقِدِ بنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ:

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّىَ يَشْهَدُوا أَنْ [2] لا إِلَهَ إلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ، فَإِذا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ إلَّا بِحَقِّها، وَحِسابُهُمْ عَلَى اللهِ».

قد رُوي هذا الحديث بألفاظٍ مختلفة من زيادة ونُقصانٍ، وكلُّها صِحاحٌ، منها حديثُ أبي هريرة الذي رواه عن عمر في مُحاجَّته أبا بكر في قتال [3] مانِعي الزكاة، وهو قوله: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتلَ الناسَ حتى يقولوا [4] لا إلهَ إلَّا الله، فإذا قالوها عصُموا منِّي دماءَهم وأموالهم إلَّا بحقِّها». وهو حديثٌ مختصر، ليس فيه ذكر الصلاة والزكاة.

ومنها حديث أنس [5] عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتلَ الناسَ حتَّى يشهدوا أن لا إلهَ إلَّا الله وأنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتَنا، وأن يُصلُّوا صلاتَنا، فإذا فعلوا ذلك حَرُمت علينا دماؤهم وأموالُهم إلَّا بحقِّها.» [6]

ومنها حديث ابن عمر هذا، وقد زاد [7] فيه ذِكر الزكاة، وقد اجتمعت هذه الأحاديث بأسانيدها في كتاب الزكاة من هذا الكتاب، وَرَتَّبْتُها هناك، وبيَّنتُ وُجُوهَهَا على اختلافها؛ لأنَّ [8] ذلك الموضعَ كان أَمْلكَ ببيان وُجوهها، وإشباع [9] القول فيها.

وليس هذا باختلاف تناقُض، إنَّما هو اختلاف ترتيب إذا اعتبرته بالزَّمان والتوقيت، وذلك أنَّ الفرائض كانت تنزل شيئاً فشيئاً في أزمنة

@%ص27%

مختلفة، فكان حديث أبي هريرة [10] الذي رواه عن عمر حكاية الحال عن أوَّل مبدأ الإسلام، والدعوة إذ ذاك مقصورةٌ [11] على كلمة الشهادتين، وحُقوقها مُضَمَّنَةٌ في دَرَجِها غيرُ مذكورة.

وحديث أنس وابن عمر متأخِّران، ثمَّ سائر الأحاديث التي فيها ذِكر الأشياء المزيدة على ما في [12] هذه الأخبار الثلاثة من صيام الشهر، وإعطاء الخُمْس من المغنم المذكور في خَبرِ وفد عبد القيس [13] ، إنَّما جاءت فيما بعد، وهو أيضاً حديثٌ صحيحٌ لا يُشَكُّ [14] في ثبوته.

وفيما وصفناه من ذلك دليلٌ على أنَّ هذه الفرائضَ كُلَّها من الإيمان، وسنذكر فيما بعد فَرْقَ ما بين الإيمان بالله، والإيمان للهِ، فيزول معه الشُّبَهُ في هذا الباب، وليس هذا [15] موضعَ استقصائه، وقد أشبعتُ بيان هذا الباب في كتاب «السراج».

ومعنى قوله: (وحسابُهم على الله) أي: فيما يَسْتَسِرُّون به، دون ما يُخلُّون [16] به من الأحكام الواجبة عليهم في الظاهر.

وفيه دَلالةٌ على أنَّ الكافرَ المُستسِرَّ بكفره لا يُتعَرَّضُ له إذا كان ظاهرَ حاله الإسلامُ، وأنَّ توبتَه مقبولةٌ إذا أظهر الإنابة [17] من كفرٍ عُلِمَ بإقراره أنَّه كان يعتقده قبلُ، وهو قولُ أكثر العلماء [18] .

[1] في (م): (حدير) مصحفاً.
[2] في (ط) و (ف): (حتى يقولوا)
[3] في (ط): (أبا بكر فقال) مصحفاً.
[4] انظر البخاري (1399) عن أبي هريرة، وفيه في البخاري: إلا بحق الإسلام.
[5] في (م): (حديث الفتن) مصحفاً.
[6] انظر سنن ابي داود (2640)، عن أبي هريرة.
[7] في (ط): (وقد زاده).
[8] في (ط): (أن).
[9] في (ط): (وإسباغ).
[10] (أبي هريرة): سقط من (ط).
[11] في (ط): (مقصور) بإسقاط المربوطة.
[12] قوله: (في) زيادة من (ط).
[13] انظر البخاري (53) عن ابن عباس.
[14] في النسخ الفروع: (لا شك).
[15] (هذا) سقطت من (ط).
[16] في (أ) و (م): (يؤخذون)، وفي هامش (ف) إشارة إليه في نسخة.
[17] في (ط): (إذا ظهر لإبانة) بتقديم الباء على النون.
[18] في النسخ الفروع: (أكثر علماء الأمصار)، وفي (م): (أكثر علماء أهل الأمصار).





25 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ المُسْنَدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ [1] حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [2] قَالَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالى)).

الشرح:

أما (ابْنِ عُمَرَ) و(شُعْبَةُ) و(عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) فتقدم [3] ذكرهم، والْمُسنَدي: بفتح النون، سبق بيانه في باب أمور الإيمان.

وأما (محمد) والد واقدٍ [4] فهو: محمدُ بنُ زيد بنِ عبد الله بن عمر بن الخطاب، القرشي العدوي

#%ص131%

المدني، سمع جده، وابن عباس، وابن الزبير رضيَ اللهُ عنهم، روى عنه بنوه الخمسة: أبو بكر، وعمر، وعاصم، وواقد، وزيد، وأما ابنه: فهو واقد، بالقاف، وليس في «الصحيحين» وافد، بالفاء.

وأما (أَبُو رَوْحٍ) [5]فهو حَرَمي - [6]بفتح الحاء والراء - ابن عمارة بن أبي [7] حفصة، العتكي - مولاهم - البصري [8].

فصل: إقامةُ الصلاةِ المداومةُ عليها بحدودها.

فصل: في الحديث فوائد

منها وجوب قتال الكفار إذا أطاقه المسلمون، حتى يسلموا أو يبذلوا الجزية، إن كانوا ممن تقبل منهم الجزية.

ومنها أنَّ قتال تاركي الصلاة أو الزكاة واجب، وأن تارك الصلاة عمدًا معتقدًا وجوبها يقتل، وهذا مذهب الجمهور، واختلفوا: هل يقتلُ على الفور أم يُمْهَلُ ثلاثة أيام؟ والأصح أنه يُقْتَلُ في الحال، واختلفوا في أنه [9]يقتل بترك صلاة واحدة، أم لابُدَّ من ترك [10]صلاتَيْنِ، أم أربع؟ والصحيح: أنَّه يُقْتَلُ بترك صلاةٍ واحدةٍ إذا خرجَ وقتُ الضرورة لها، والصحيح أنَّه يُقْتَلُ بالسيفِ، فَتُحَزُّ رقبته، وقيل: ينخس بالخشب والحديد ونحوه، ويكرر عليه ذلك [11] حتى يموت.

وإذا قُتِلَ [12] كان حكمه حكم المقتول حَدًّا، كالزاني المحصن، فيغسل ويكفن ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، ويرفع قبره شبرًا عن الأرض كغيره، ويورث، هذا هو الصحيح، وقال بعض أصحابنا: لا يرفع قبره، ولا يدفن في مقابر [13] المسلمين؛ تحقيرًا له [14] وزجرًا لأمثاله.

قال [15] أحمد بن حنبل في رواية أكثر أصحابه [16]: تارك الصلاة عمدًا يكفر، ويخرج عن [17] الملة، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، فعلى هذا له حكم المرتدين فلا يورث، ولا يغسل، ولا يصلى عليه، وتبين منه امرأته.

وقال أبو حنيفة والمزني: يحبس ولا يقتل، والصحيح ما سبق عن الجمهور.

ولو ترك صوم رمضان حُبِسَ ومُنِعَ من [18] الطعام والشراب؛ لأن الظاهر أنه ينويه؛ لأنه معتقد لوجوبه، ولو مَنَعَ الزكاة أُخِذَتْ منه قهرًا، ويُعَزَّرُ على تركها.

ومن فوائد الحديث أنَّ منْ أظهرَ الإسلامَ وفعلَ الأركانَ كَفَفْنَا عنه، ولا نتعرض له [19] لقرينة

#%ص132%

تظهر منه.

وفيه قبول توبة الزنديق وإن تكرر منه الارتداد والإسلام، وهذا هو الصحيح وقول الجمهور، وفيه خلاف مشهور للعلماء [20]، سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلاَمِ) معناه: إن صدر منهم شيء يقتضي حكم الإسلام مؤاخذتهم [21] به - من قصاص أو حد [22] أو غرامة متلف ونحو ذلك - استوفيناه، وإلا فهم معصومون.

وقوله صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم: (وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) معناه: أن أمور سرائرهم إلى الله تعالى، وأما نحن فنحكم بالظاهر، فنعاملهم بمقتضى ظاهر أقوالهم وأفعالهم.

وفيه اشتراط التلفظ بكلمتي الشهادتين في الحكم بإسلام الكافر، وأنه لا ينكف عن قتالهم إلا بالنطق [23] بهما. والله أعلم.

[1]في (ع): ((الروح)).
[2]قوله: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم)) بياض في (ت).
[3] في (ص): ((تقدم)).
[4]في (ص): ((محمد))، وفي (ع): ((والدُ والدِ)).
[5] في (ع): ((الروح)).
[6] زاد في (ك): ((فهو)).
[7] قوله: ((أبي)) ليس في (ك).
[8] قوله: ((مولاهم البصري)) ليس في (ع).
[9]زاد في (ك): ((هل)).
[10] قوله: ((ترك)) ليس في (ت) و(ك) و(ع).
[11] قوله: ((ذلك)) ليس في (ك).
[12] قوله: ((قتل)) ليس في (ع).
[13] في (ص) و(ع): ((ولا يدفن بمقابر)).
[14] قوله: ((له)) ليس في (ص) و(ع).
[15] في (ك) و(ص) و(ع): ((وقال)).
[16] زاد في (ك): ((عنه)).
[17] في (ت) و(ص) و(ع): ((من)).
[18] قوله: ((من)) ليس في (ك).
[19] في (ك) و(ص) و(ع): ((إليه)).
[20] في (ص): ((بين العلماء)).
[21] في (ك): ((فمؤاخذتهم)).
[22] في (ك): ((وحدٍّ)).
[23]في (ص): ((إلى ما ينطق)).
#%ص133%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

25- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن محمد)) ؛ أي: ابن عبد الله، زاد في رواية: (المُسنَدي) ؛ بضم الميم وفتح النون؛ وقد مر، ((قال: حدثنا أبو رَوْح)) ؛ بفتح الراء وسكون الواو،واسمه ((الحَرَمِي)) ؛ بفتح الحاء والراء المهملتين، وكسر الميم، وتشديد المثناة التحتية بلفظ النسبة، تثبت فيه (أل) وتحذف، وليس نسبة إلى الحرم؛ كما تُوُهِّم، ((بن عُمارة)) ؛ بضم العين المهملة وتخفيف الميم؛ ابن أبي حفصة نابت؛ بالنون، العتكي البصري، المتوفى سنة إحدى وثمانين ((قال: حدثنا شعبة)) هو ابن الحجاج، ((عن واقد بن محمد)) بالقاف، زاد في رواية: (يعني: ابن زيد بن عبد الله بن عمر) ، ((قال: سمعت أبي)) محمد بن زيد بن عبد الله ((يحدث عن ابن عمر)) بن الخطاب، عبد الله رضي الله عنهما،فواقد روى هنا عن أبيه عن جد أبيه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أُمرت)) ؛ بضم الهمزة، مبنيٌّ لما لم يُسم فاعله ((أنْ)) ؛ أي: أمرني الله تعالى بأن ((أقاتل الناس)) ؛ أي: بمقاتلة الناس؛ وهو من العام الذي أريد به الخاص، فالمراد بـ (الناس) : المشركون، ويدل له رواية النسائي بلفظ: «أمرت أن أقاتل المشركين»، أو المراد: أهل الكتاب ((حتى)) أي: إلى أن ((يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله)) ، والتصديق بالرسالة يتضمن التصديق بكل ما جاء به، ((و)) حتى ((يقيموا الصلاة)) ؛ أي: يؤدوها بشروطها، ((و)) حتى ((يؤتوا الزكاة)) ؛ أي: يعطوها لمستحقها.

وفي (الجهاد) الاقتصار على قول: (لا إله إلا الله) ، قاله وقت قتاله للمشركين الذين لا يقرُّون بالتوحيد، وأما حديث الباب؛ ففي أهل الكتاب المُقرِّين به الجاحدين لنبوته، وأما في (أبواب القِبلة) : «وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قِبلتَنا، وذبحوا ذبيحتنا»؛ ففي مَن دخل الإسلام ولم يعمل الصالحات؛ كترك الجمعة والجماعة؛ فيقاتَلوا حتى يرجعوا.

((فإذا فعلوا ذلك)) أو أعطوا الجزية، وأطلق الفعل على القول؛ لأنَّه فعل اللسان أو من باب التغليب؛ ((عصموا)) ؛ أي: حفظوا ومنعوا ((مني دماءهم وأموالهم)) ، فلا تُهدر دماؤهم، ولا تستباح أموالهم بعد عصمتهم بالإسلام ((إلا بحق الإسلام)) مِنْ قتْلِ نفس، أو حدٍّ، أو غرامة، ((وحسابهم)) بعد ذلك ((على الله)) في أمر سرائرهم، وأما نحن؛ فإنَّما نحكم بالظاهر، فنعاملهم بمقتضى ظواهر أقوالهم وأفعالهم، وأما أمور الآخرة؛ فمفوَّضٌ إلى الله، ولفظة (على) مشعرةٌ بالإيجاب؛ فظاهره غير مراد، فإما أن يكون المراد: وحسابهم إلى الله، أو لله، أو أنه يجب أن يقع، لا أنَّه تعالى يجب عليه شيء، خلافًا للمعتزلة القائلين: بوجوب الحساب عقلًا، واقتُصر على الصلاة والزكاة؛ لأنَّ الأولى بدنيَّة عماد الدين، والثانية مالية قنطرة الإسلام.

ويؤخذ من هذا الحديث: أن تارك الصلاة عمدًا معتقدًا وجوبها بترك فرض واحد؛ يُقتل حدًّا، وهو مذهب الشافعي، وفيه أنه لا يصح الاستدلال؛ لأنَّ المأمور فيه هو القتال، ولا يلزم من إباحة القتال إباحة القتل؛ لأنَّ المفاعلة تستلزم وقوع الفعل من الجانبين، ولم يقل: مانع الزكاة، مع أن الحديث يشمله، ومذهب إمامنا الأعظم رئيس المجتهدين: أن تارك الصلاة يحبس إلى أن يحدث توبة ولا يقتل.