متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

22- وبالسَّند أوَّل هذا المجموع إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُوَيس بن عبد الله الأصبحيُّ المدنيُّ، ابن أخت إمام دار الهجرة مالكٍ، وتُكلِّم فيه كأبيه، لكن أثنى عليه ابن معينٍ وأحمدُ، وقد وافقه على رواية هذا الحديث: عبدُ الله بن وهبٍ، ومعنُ بن عيسى عن مالكٍ، وليس هو في «المُوطَّأ»، قال الدَّارقطنيُّ: هو غريبٌ صحيحٌ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا عن غيره، فانجبر اللِّين الذي فيه، وتُوفِّي إسماعيل هذا في رجب سنة سبعٍ أو ستٍّ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ)؛ هو ابن أنسٍ الإمام، (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بن عُمارة؛ بفتح عين «عمرٍو» (الْمَازِنِيِّ) المدنيِّ، المُتوفَّى سنة أربعين ومئةٍ، (عَنْ أَبِيهِ) يحيى، (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الْخُدْرِيِّ) بالدَّال المُهمَلَة (رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قَالَ: يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ)؛ أي: فيها، وعبَّر بالمضارع العاري عن سين الاستقبال المتمحِّض للحال؛ لتحقُّق وقوع الإدخال، (وَ) يدخل (أَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ) بعد دخولهم فيها (يَقُولُ اللهُ تَعَالَى)، وفي روايةٍ: ((عزَّ وجلَّ)) للملائكة: (أَخْرِجُوا)؛ بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ، أمرٌ من الإخراج، زاد في رواية الأَصيليِّ: ((مِنَ النَّار)) (مَنْ)؛ أي: الذي (كَانَ فِي قَلْبِهِ) زيادةٌ على أصل التَّوحيد (مِثْقَالُ حَبَّةٍ)، ويشهد لهذا قوله: «أخرجوا مِنَ النَّار مَنْ قال: لا إله إلَّا الله، وعمل من الخير ما يَزِنُ كذا»؛ أي: مقدار حبَّةٍ حاصلةٍ (مِنْ خَرْدَلٍ) حاصلٍ (مِنْ إِيمَانٍ)؛ بالتَّنكير؛ ليفيد التَّقليل، والقلَّة هنا باعتبار انتفاء الزِّيادة على ما يكفي، لا لأنَّ الإيمان ببعض ما يجب الإيمان به كافٍ؛ لأنَّه عَلِمَ مَنْ عَرَفَ الشَّرع أنَّ المُرَاد من الإيمان الحقيقة المعهودة، وفي رواية الأَصيليِّ [1] والحَمُّويي والمستملي: ((من الإيمان))؛ بالتَّعريف، ثمَّ إنَّ المراد بقوله: «حبَّةٍ من خردلٍ» التَّمثيلُ، فيكون عِيَارًا في المعرفة لا في الوزن حقيقةً؛ لأنَّ الإيمان ليس بجسمٍ فيحصره الوزن والكيل، لكن ما يُشْكِلُ من المعقول قد يُرَدُّ إلى عيارٍ محسوسٍ؛ لِيُفْهَم، ويُشبَّه به؛ لِيُعْلَم، والتَّحقيق فيه: أن يُجعَل عمل العبد _وهو عرضٌ في جسمٍ_ على مقدار العمل عنده تعالى، ثمَّ يُوزَن؛ كما صرَّح به في قوله: «وكان في قلبه من الخير ما يَزِنُ بُرَّةً»، أو تُمثَّل الأعمال بجواهرَ، فتُجعَل في كفَّة الحسنات جواهرُ بيضٌ مشرقةٌ، وفي كفَّة السَّيِّئات جواهرُ سودٌ مظلمةٌ، أو الموزون الخواتيم، وقد استنبط الغزاليُّ من قوله: «أخرجوا مِنَ النَّار مَنْ كان في قلبه...» إلى آخره نجاةَ من أيقن بالإيمان، وحال بينه وبين النُّطق به الموت، قال: وأمَّا من قدر على النُّطق ولم يفعل حتَّى مات مع إيقانه بالإيمان بقلبه؛ فيحتمل أن يكون امتناعه منه بمنزلة امتناعه عن الصَّلاة، فلا يُخلَّد في النَّار، ويحتمل خلافه، ورجَّح غيره الثَّاني، فيُحتَاج إلى تأويلِ قوله: «في قلبه»، فيُقدَّر فيه محذوفٌ، تقديره: مُنضمًّا إلى النُّطق به مع القدرة عليه، ومنشأ الاحتمالين الخلاف في أنَّ النُّطق [2] بالإيمان شطرٌ، فلا يتمُّ الإيمان إلَّا به، وهو مذهب جماعةٍ من العلماء، واختاره الإمام شمس الأمَّة [3] وفخر الإسلام، أو شرطٌ لإجراء الأحكام الدُّنيويَّة فقط، وهو مذهب جمهور المحقِّقين، وهو اختيار الشَّيخ أبي منصورٍ، والنُّصوص معاضدةٌ لذلك، قاله المحقِّق التَّفتازانيُّ، (فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا) أي: من النار حال كونهم (قَدِ اسْوَدُّوا)؛ أي: صاروا سُودًا كالحِمَمِ من تأثير النَّار، (فَيُلْقَوْنَ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول (فِي نَهَرِ الْحَيَا) _بالقصر_ لكريمةَ وغيرها؛ أي: المطر، (أَوِ الْحَيَاةِ)؛ بالمُثنَّاة الفوقيَّة آخره؛ وهو النَّهر الذي مَنْ غُمِسَ فيه حَيِيَ، (شَكَّ مَالِكٌ)، وفي رواية ابن عساكرَ: ((يشكُّ))؛ بالمُثنَّاة [4] التَّحتيَّة أوَّله؛ أي: في أيِّهما الرِّواية؟ ورواية الأَصيليِّ من غير «الفرع» [5] : ((الحياء))؛ بالمدِّ، ولا وجه له، والمعنى على الأولى؛ لأنَّ المُرَاد: كلُّ ما تحصل به الحياة، وبالمطر تحصل حياة الزَّرع؛ بخلاف الثَّالث، فإنَّ معناه الخجل، ولا يخفى بُعْدُه عن المعنى المُرَاد هنا، وجملة «شكَّ» اعتراضٌ بين قوله: «فيُلقَون في نهر الحياة» السَّابق وبين لاحقه؛ وهو قوله: (فَيَنْبُتُونَ) ثانيًا (كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ)؛ بكسر المُهملَة، وتشديد المُوحَّدة؛ أي: كنبات بزر العشب، فـ: «أل» [/ج1ص105/] للجنس أو للعهد، والمُرَاد: البقلة الحمقاء؛ لأنَّها تنبت سريعًا (فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ)؛ خطابٌ لكلِّ من يتأتَّى منه الرُّؤية (أَنَّهَا تَخْرُجُ) حال كونها (صَفْرَاءَ) تسرُّ النَّاظرَ، وحال كونها (مُلْتَوِيَةً)؛ أي: مُنعطِفةً مُنثنِيةً، وهذا ممَّا يزيد الرَّياحينَ حُسْنًا باهتزازه وتمايله، فالتَّشبيه من حيث الإسراع والحُسْن؛ والمعنى: من كان في قلبه مثقال حبَّةٍ من الإيمان يخرج من ذلك الماء نضرًا متبخترًا؛ كخروج هذه الرَّيحانة من جانب السَّيل صفراءَ متمايلةً، وحينئذٍ فيتعيَّن كون «أل» في «الحبَّة» للجنس، فافهم، وسيأتي مزيدٌ لذلك _إن شاء الله تعالى_ في «صفة الجنَّة والنَّار»، حيث أخرج المؤلِّف هذا الحديث [خ¦6560] ، وقد أخرجه مسلمٌ أيضًا في «الإيمان»، وهو من عوالي المؤلِّف على مسلمٍ بدرجةٍ، وأخرجه النَّسائيُّ أيضًا، وليس هو في «المُوطَّأ»، وهو هنا قطعةٌ من الحديث الآتي _إن شاء الله تعالى_ بعون الله مع مباحثه.

وبه قال: (قَالَ وُهَيْبٌ)؛ بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه مُصغَّرًا، آخره مُوحَّدةٌ، ابن خالد بن عجلان الباهليُّ البصريُّ: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو)؛ بفتح العين، ابن يحيى المازنيُّ السَّابق قريبًا: (الْحَيَاةِ)؛ بالجرِّ على الحكاية، وهو موافقٌ لمالكٍ في روايته لهذا الحديث عن عمرو بن يحيى بسنده، ولم يشكَّ كما شكَّ مالكٌ، (وَقَالَ) وهيبٌ أيضًا في روايته: مثقال حبَّةٍ من (خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ) بدل ((من إيمان))، فخالف مالكًا أيضاً في هذه اللَّفظة، وهذا التَّعليق أخرجه المصنِّف مُسنَدًا في «الرِّقاق» [خ¦6560] عن موسى بن إسماعيل عن وُهَيبٍ عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيدٍ به، وسياقه أتمُّ من سياق مالكٍ، لكنَّه قال: «من خردلٍ من إيمانٍ»، كرواية مالك، وفي هذا الحديث: الرَّدُّ على المُرجِئة؛ لما تضمَّنه من بيان ضرر المعاصي مع الإيمان، وعلى المعتزلة القائلين بأنَّ المعاصي موجبةٌ للخلود في النَّار.

[1] «الأصيليِّ»: سقط من (م).
[2] في (م): «التلفظ».
[3] في (ب) و(س): «الدين».
[4] في (م): «بالياء».
[5] «من غير الفرع»: سقط من (م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

22-. حدَّثنا إِسْماعِيلُ، قالَ: حدَّثني مالِكٌ، عن عَمْرِو بنِ يَحْيَى المازِنِيِّ، عن أَبِيهِ:

عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضيَ اللهُ عَنْهُ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يقولُ اللَّهُ تعالىَ [1] : أَخْرِجُوا [2] مَنْ كانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمانٍ [3] . فَيَخْرُجُونَ [4] منها قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيا [5] _أو: الحَياةِ، شَكَّ [6] مالِكٌ_ فَيَنْبُتُونَ كَما تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي جانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّها تَخْرُجُ صَفْراءَ مُلْتَوِيَةً». قالَ وُهَيْبٌ: حدَّثنا عَمْرٌو: «الحَياةِ» [7] ، وقالَ: «خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ».

[1] في رواية أبي ذر والأصيلي: «عزَّ وَجَلَّ».
[2] في حاشية رواية الأصيلي ورواية [عط] زيادة: «مِن النار».
[3] في رواية الأصيلي والحَمُّويِي والمُستملي: «من الإيمان».
[4] في رواية الأصيلي: «فيُخْرَجُون» بالبناء للمفعول (ن، و)، وضبطت في متن (ب، ص) بالوجهين معًا، دون ذكر اختلاف.
[5] هكذا في رواية الأصيلي وأبي ذر أيضًا (ن، و)، ولفظة «الحيا» بالقصر، وجوَّدها في (ب، ص) فكتب فوقها: «قصر»، وضبطها بالمد في (و): «الحياء»، قال في الإرشاد: ولا وجه له.اهـ.
[6] في رواية ابن عساكر: «يشك».
[7] صحَّح عليها في اليونينيَّة.





22- ( الْحِبَّةُ ) بكسر الحاء: بزر الصحراء مما ليس بقوت، وبالفتح لما ليس كذلك كحبة الحنطة، هذا أحسن الأقوال فيه؛ وشبهه بالأول لسرعة نباته وخروجه من الأرض بخلاف الثاني، وإنَّما زاد في صفتها بحميل السيل؛ لأنها إذا كثر عليها السيل أينعت وطلعت بخلاف غيرها من الحبوب؛ لأنها لا تنبت مع ذلك، ثم قال الخطابي: إنه مَثَلٌ ليكونَ عِيارًا في المعرفة لا الوزن؛ لأن الإيمان ليس بجرمٍ [1] فيوزن. [/ج1ص33/]

( الْحَيَا ) بالقصر، ووقع للأصيلي مدُّه ولا وجه له.

( قَالَ وُهَيْبٌ: ثَنَا عَمْرٌو: الْحَيَاةِ ): هو بالكسر على الحكاية.

[1] جاء في هامش [ب] : نسخة بجسم.





22# (مِثْقَالُ) وزن مقدر، والله [1] أعلمُ بتقديره.

(خَرْدلٍ) قال القاضي: حَبٌّ معلوم إذا صُنع بالزبيب [2] ، فهو الصِّناب.

وفي «الصحاح»: خَردلتُ اللحمَ؛ أي: قطعته صغارًا بالدال والذال.

قال الخطابي: هذا مثلٌ؛ ليكون عيارًا في المعرفة لا الوزن؛ لأنَّ الإيمان ليس بجسمٍ فيوزن [3] ، وقيل: يُجعل العملُ _ وهو عَرَضٌ _ في جسم على قدرهِ عند الله، ثمَّ يوزن.

وقال إمامُ الحرمين: الوزن لصحف الأعمال.

وقيل: تُمثَّلُ [4] الأعراضُ بجواهر [5] ، فتجعل في كِفة الحسنات جواهرَ بيضَ مشرقةً، وفي كفة السيئات سودَ مظلمةً.

(الْحَيَا) بالقصر، ومَدَّه الأصيلي.

@%ج1ص48%

قال القاضي: ولا [6] وجه لذكره هنا، لا مقصورًا ولا ممدودًا، لكن للمقصور معنًى، وهو كل ما حَيِيَ الناس به.

والحَيَا: المطر والخِصْب، فلعل هذه العين سُميت بذلك؛ لخصب [7] أجسامِ المغتسلين فيها، ولأنهم يحيون بعد غسلهم منها [8] ، فلا يموتون على رواية الحياة المشهورة.

(الْحِبَّةُ) بكسر الحاء: بذرُ الصَّحراء مما ليس بقوتٍ، وبالفتح لغيره [9] ؛ كحبة الحِنطة، هذا أحسنُ الأقوال فيه [10] .

وشبهه بالأول؛ لسرعة نباتهِ دون الثاني، وإنما زاد في صفتها بـ ((حميل السيل)) [11] ؛ لأنها إذا كانت كذلك أينعت وطلعت، بخلاف غيرها من الحبوب.

(ثَنَا عَمْرٌو: الْحَيَاةِ) بالكسر على الحكاية.

[1] في (ق): ((الله)).
[2] في (ق) و(د): ((بالزيت)).
[3] في (ق): ((فيجوز)).
[4] في (ق): ((مثل)).
[5] في (ج): ((بجواهره)).
[6] في (ق): ((فلا)).
[7] في (ق): ((لخطب)).
[8] في (د): ((فيها)).
[9] في (ج) و(د): ((كغيره)).
[10] ((فيه)): ليست في (ق).
[11] في (د): ((السير)).





22- قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ): هذا هو ابنُ أبي أويس عبدِ الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر -واسم أبي عامر نافعٌ، كذا بخطِّ الدِّمياطيِّ نقله تقيُّ الدين السُّبكيُّ عن خطِّه، انتهى، وقد وقعت تسميته بذلك في «البخاريِّ» و«مسلم» في غير هذا الحديث، وسيأتي ذلك قريبًا- الأصبحيُّ، يروي عن خاله مالك الإمام، وأخيه عبد الحميد، وغيرهم، وعنه: البخاريُّ، ومسلم، وغيرهما، تُوفِّي سنة (226 هـ ) ، أخرج له البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والترمذيُّ، وابن ماجه، له ترجمة في «الميزان».

تنبيه: نقل شيخنا المؤلِّف في أوَّل شرحه على «البخاريِّ» فيما قرأته عليه: أنَّه أقرَّ على نفسه بالوضع فيما حكاه النَّسائيُّ عن سلمة بن شعيب عنه، انتهى، وقد ذكرتُ مَن رُمِيَ بالوضع في مؤلَّفٍ مفرد، فبلغوا جماعةً كثيرةً؛ فسارعْ إليه إن أردتَه.

قوله: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ): تقدَّم أنَّه سعد بن مالك بن سنان، وأنَّ الخُدريَّ بالخاء المعجمة، والدَّال المهملة، صحابيٌّ جليل.

قوله: (مِثْقَالُ حَبَّةٍ): المِثقال: وزنٌ مقدَّرٌ، اللهُ [1] أعلم بقَدره، وليس المراد المقدَّر هذا المعلوم، فقد جاء مُبيَّنًا: «وكان في قلبه من الخير [2] ما يزِنُ بُرَّةً».

قوله: (حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ): الحبَّةُ من الخردل هنا مَثَلٌ؛ لتكون [3] عيارًا في المعرفة، وليس بعيار في الوزن؛ لأنَّ الإيمان ليس بجسم يَحصُره الوزن، ولكن ما يشكل منَ المعقول، فإنَّه يُرَدُّ إلى عيار المحسوس؛ ليُفهم، كذا عنِ الخطَّابيِّ، وقال غيره: يُجعَل عمل العبد -وهو عَرَض- في جسم على مقدار العمل عند الله، ثُمَّ يُوزن، وفيه قوَّة، وسيأتي الكلام على ذلك في آخر «الصحيح» في قول البخاريِّ: (وأنَّ أعمالَ بني آدمَ وقولَهم يُوزَنُ) ، ويأتي قبل ذلك: أنَّ الموت وإن كان معنًى فإنَّه يُجَسِّدُه الله عزَّ وجلَّ، ويأتي في (سورة النساء) كم زِنة حبَّة الخردل؟

فائدة: المراد بـ (حبَّة الخردل): زيادة على أصل التوحيد، وقد جاء في «الصحيح» بيان ذلك، ففي رواية: «أَخرِجوا من قال: لا إله إلا الله، وعمل من الخير ما يزن كذا» ، ثُمَّ بعد هذا يُخرج منها من لَمْ يعمل خيرًا قطُّ غير التوحيد مرَّة واحدة ليس معه من الحسنات شيءٌ غيرُه؛ لما روى البخاريُّ في آخر [4] «الصحيح» عن عليِّ بن معبد [5] في حديث الشفاعة من حديث الحسن عن أنس: «ثُمَّ أرجع إلى ربِّي في الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثُمَّ أخِرُّ له ساجدًا، قال: فيقال لي: يا محمَّد؛ ارفع رأسك، وقل؛ يسمعْ لك، وسلْ؛ تعطَه، واشفعْ؛ تُشفَّع، فأقول: يا ربِّ؛ ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك لك-أو قال: ليس ذلك إليك- ولكن وعزِّتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي؛ لَأُخرجَنَّ منها مَن قال: لا إله إلَّا الله»، انتهى، فشفاعةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والملائكةِ والنبيِّين والمؤمنين لمَن كان له عملٌ زائدٌ على مجرَّد التصديق، ومَن لم يكن معه مع الإيمان المذكور خيرٌ [6] ؛ [فهو] من الذين يتفضَّل الله عليهم، فيخرجهم من النَّار فضلًا وكرمًا.

قوله: (الْحَيَا): هو مقصورٌ، ومدَّه الأصيليُّ، وهو غلطٌ، والمراد: كلُّ ما يحيا به النَّاس، والحيا؛ بالقصر: المطر والخِصب، فيُحيَون بعد غسلهم فيها، فلا يموتون وتخصب [7] أجسامهم، وهذا النَّهر هو بين الصراط والجَنَّة، والدَّليلُ لذلك: ما روى مجاهدٌ عن أبي هريرة...؛ فذكر حديثًا، وفيه: «فيخرج أهل التَّوحيد منها إلى عين بين الجنَّة والصِّراط يقال له: نهر الحياة، فيُرَشُّ عليهم من الماء».

تنبيه [8] : صرَّح البخاريُّ بأنَّ الشَّكَّ فيه مِن مالكٍ [9] ، ولم يُفصِح به مسلمٌ.

قوله: (الْحِبَّةُ): هي بكسر الحاء المهملة، وتشديد الموحَّدة، قال الفرَّاء: (هي بزور البقل) ، وقال الكسائيُّ: (هي حبُّ الرَّياحين) ، وقال أبو عمرو: (هو نبت ينبت في الحشيش صغار) ، وقال النَّضر: (هو اسم جامع لحبوب البقل، الذي ينتشر إذا هاجت، فإذا مطرت؛ نبت، والحبَّة: واحدة الحبِّ من عنب وغيره، وحبَّ الحبَّة التي في داخلها يُسمَّى: حُبَة؛ بضمِّ الحاء وتخفيف الباء، قال الحربيُّ: (ما كان من النَّبت له حبٌّ [10] ؛ فاسم [11] ذلك الحبِّ حُبَةٌ) ، وقال غيره: فأمَّا الحنطة وغيرها؛ فهو الحب، وقالوا: الحِبة فيما هوَ من حبوب مختلفة، قال ابن دريد: هو جميع ما تحمله البقول من ثمرة، وجمعه حِبَبٌ، وشبَّههم بها لأمرين؛ بياضها كما جاء في الحديث، والثاني: سرعة نباتها؛ لأنَّها تنبت في يوم وليلة، ولأنَّها ربَّما رُوِيت من الماء وتردَّدت في غثاء السَّيل، وتيسَّرت قِلْبَتُها للخروج، فإذا خرجت في حميل السَّيل؛ غَرَزَت عروقها فيه لحِينها ونبتت بسرعة، قاله في «المطالع»، وفي كلام بعضهم: بكسر الحاء: بزر الصحراء ممَّا ليس بقوت، وبالفتح: عكسه؛ كحبَّة الحنطة، قال: هذا أحسن الأقوال فيه.

قوله: (فِي جَانِبِ السَّيْلِ): كذا هنا في أصلنا، وجاء (حميل السَّيل) بدل (جانب) ، وفي رواية وهيب في بعض طرق مسلم: «حمأة السَّيل»، والحميل بمعنى: المحمول، وهو ما جاء به من طين أوغثاء، والحمأة: ما تغيَّر لونه من الطِّين، وهو قريب.

قوله: (قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: «الْحَيَاةِ»، وَقَالَ: «خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ»): إنَّما أتى بتعليق وهيب عن عمرو -وهو ابن يحيى المازنيُّ المذكور في السَّند- لفوائد:

الأولى: أنَّ فيها: (الحياة) من غير شكٍّ، بخلاف رواية مالك.

والثانية: أتى بالتحديث عن عمرو، ورواية مالك أتى فيها بـ (عن) ، وإنْ حُوشِيَ من التدليس، وقد تقدَّم أنَّ العنعنة مطلقًا فيها خلاف وإن كانت من غير مدلِّس.

الثالثة: أنَّ فيها: (من [12] خير) بدل (من إيمان) ، وكذا أتى بها مسندةً في (صفة الجنَّة والنَّار): عن موسى، عن وهيب به [خ¦6560] ، وأخرجه مسلم في (الإيمان): عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن عفَّان، عن وهيب به، ووهيب المعلَّق عنه هنا هو ابن خالد الباهليُّ الحافظ، ثقة، يقال: لَمْ يكن بعد شعبةَ أعلم بالرجال منه، تُوفِّي سنة (165 هـ ) ، أخرج له الجماعة.

[1] في (ب): (والله) .
[2] في (ب): (الخيرة) .
[3] في (ب): (فيكون) .
[4] في (ج): (أواخر) ، وكررت في هامش (أ): (أواخر) .
[5] الحديث أخرجه البخاري في «صحيحه» (7510) من حديث معبد بن هلال لا علي بن معبد، فليتنبه.
[6] في (ب): (خبر) .
[7] في (ب): (ويخصب) .
[8] في (ب): (فائدة) .
[9] حيث قال عقب قوله: «فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَا أَوِ الْحَيَاةِ»: (شكَّ مالكٌ) .
[10] (له): ليست في (ب) .
[11] في (ب): (قائم) .
[12] (من): ليست في (ج) . [/ج1ص22/]





22- (مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ): إنْ قلتَ: هل يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بفعلٍ واحدٍ حرفا جرٍّ مِنْ جنسٍ واحدٍ؛ وهو الكلمةُ الابتدائيَّةُ؛ يعني: مِن خردلٍ مِن إيمانٍ؟ قلتُ: لا يجوزُ، و (مِنْ خَرْدَلٍ): متعلِّقٌ بـ (حاصلٍ) ؛ أي: حَبَّةٍ حاصلةٍ مِن خرْدلٍ، و (مِنْ إِيْمَانٍ): متعلِّقٌ بـ (حاصلٍ) آخرَ،[/ص15/] أو بقوله: (مَنْ كَانَ).

ونكَّرَ (الإيمان) ؛ لأنَّ المقامَ يقتضي التَّعليلَ، ولو عرَّفَ؛ لم يُفِدْ ذلك.


22- وبالسَّند أوَّل هذا المجموع إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُوَيس بن عبد الله الأصبحيُّ المدنيُّ، ابن أخت إمام دار الهجرة مالكٍ، وتُكلِّم فيه كأبيه، لكن أثنى عليه ابن معينٍ وأحمدُ، وقد وافقه على رواية هذا الحديث: عبدُ الله بن وهبٍ، ومعنُ بن عيسى عن مالكٍ، وليس هو في «المُوطَّأ»، قال الدَّارقطنيُّ: هو غريبٌ صحيحٌ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا عن غيره، فانجبر اللِّين الذي فيه، وتُوفِّي إسماعيل هذا في رجب سنة سبعٍ أو ستٍّ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ)؛ هو ابن أنسٍ الإمام، (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بن عُمارة؛ بفتح عين «عمرٍو» (الْمَازِنِيِّ) المدنيِّ، المُتوفَّى سنة أربعين ومئةٍ، (عَنْ أَبِيهِ) يحيى، (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ (الْخُدْرِيِّ) بالدَّال المُهمَلَة (رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنَّه (قَالَ: يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ)؛ أي: فيها، وعبَّر بالمضارع العاري عن سين الاستقبال المتمحِّض للحال؛ لتحقُّق وقوع الإدخال، (وَ) يدخل (أَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ) بعد دخولهم فيها (يَقُولُ اللهُ تَعَالَى)، وفي روايةٍ: ((عزَّ وجلَّ)) للملائكة: (أَخْرِجُوا)؛ بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ، أمرٌ من الإخراج، زاد في رواية الأَصيليِّ: ((مِنَ النَّار)) (مَنْ)؛ أي: الذي (كَانَ فِي قَلْبِهِ) زيادةٌ على أصل التَّوحيد (مِثْقَالُ حَبَّةٍ)، ويشهد لهذا قوله: «أخرجوا مِنَ النَّار مَنْ قال: لا إله إلَّا الله، وعمل من الخير ما يَزِنُ كذا»؛ أي: مقدار حبَّةٍ حاصلةٍ (مِنْ خَرْدَلٍ) حاصلٍ (مِنْ إِيمَانٍ)؛ بالتَّنكير؛ ليفيد التَّقليل، والقلَّة هنا باعتبار انتفاء الزِّيادة على ما يكفي، لا لأنَّ الإيمان ببعض ما يجب الإيمان به كافٍ؛ لأنَّه عَلِمَ مَنْ عَرَفَ الشَّرع أنَّ المُرَاد من الإيمان الحقيقة المعهودة، وفي رواية الأَصيليِّ [1] والحَمُّويي والمستملي: ((من الإيمان))؛ بالتَّعريف، ثمَّ إنَّ المراد بقوله: «حبَّةٍ من خردلٍ» التَّمثيلُ، فيكون عِيَارًا في المعرفة لا في الوزن حقيقةً؛ لأنَّ الإيمان ليس بجسمٍ فيحصره الوزن والكيل، لكن ما يُشْكِلُ من المعقول قد يُرَدُّ إلى عيارٍ محسوسٍ؛ لِيُفْهَم، ويُشبَّه به؛ لِيُعْلَم، والتَّحقيق فيه: أن يُجعَل عمل العبد _وهو عرضٌ في جسمٍ_ على مقدار العمل عنده تعالى، ثمَّ يُوزَن؛ كما صرَّح به في قوله: «وكان في قلبه من الخير ما يَزِنُ بُرَّةً»، أو تُمثَّل الأعمال بجواهرَ، فتُجعَل في كفَّة الحسنات جواهرُ بيضٌ مشرقةٌ، وفي كفَّة السَّيِّئات جواهرُ سودٌ مظلمةٌ، أو الموزون الخواتيم، وقد استنبط الغزاليُّ من قوله: «أخرجوا مِنَ النَّار مَنْ كان في قلبه...» إلى آخره نجاةَ من أيقن بالإيمان، وحال بينه وبين النُّطق به الموت، قال: وأمَّا من قدر على النُّطق ولم يفعل حتَّى مات مع إيقانه بالإيمان بقلبه؛ فيحتمل أن يكون امتناعه منه بمنزلة امتناعه عن الصَّلاة، فلا يُخلَّد في النَّار، ويحتمل خلافه، ورجَّح غيره الثَّاني، فيُحتَاج إلى تأويلِ قوله: «في قلبه»، فيُقدَّر فيه محذوفٌ، تقديره: مُنضمًّا إلى النُّطق به مع القدرة عليه، ومنشأ الاحتمالين الخلاف في أنَّ النُّطق [2] بالإيمان شطرٌ، فلا يتمُّ الإيمان إلَّا به، وهو مذهب جماعةٍ من العلماء، واختاره الإمام شمس الأمَّة [3] وفخر الإسلام، أو شرطٌ لإجراء الأحكام الدُّنيويَّة فقط، وهو مذهب جمهور المحقِّقين، وهو اختيار الشَّيخ أبي منصورٍ، والنُّصوص معاضدةٌ لذلك، قاله المحقِّق التَّفتازانيُّ، (فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا) أي: من النار حال كونهم (قَدِ اسْوَدُّوا)؛ أي: صاروا سُودًا كالحِمَمِ من تأثير النَّار، (فَيُلْقَوْنَ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول (فِي نَهَرِ الْحَيَا) _بالقصر_ لكريمةَ وغيرها؛ أي: المطر، (أَوِ الْحَيَاةِ)؛ بالمُثنَّاة الفوقيَّة آخره؛ وهو النَّهر الذي مَنْ غُمِسَ فيه حَيِيَ، (شَكَّ مَالِكٌ)، وفي رواية ابن عساكرَ: ((يشكُّ))؛ بالمُثنَّاة [4] التَّحتيَّة أوَّله؛ أي: في أيِّهما الرِّواية؟ ورواية الأَصيليِّ من غير «الفرع» [5] : ((الحياء))؛ بالمدِّ، ولا وجه له، والمعنى على الأولى؛ لأنَّ المُرَاد: كلُّ ما تحصل به الحياة، وبالمطر تحصل حياة الزَّرع؛ بخلاف الثَّالث، فإنَّ معناه الخجل، ولا يخفى بُعْدُه عن المعنى المُرَاد هنا، وجملة «شكَّ» اعتراضٌ بين قوله: «فيُلقَون في نهر الحياة» السَّابق وبين لاحقه؛ وهو قوله: (فَيَنْبُتُونَ) ثانيًا (كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ)؛ بكسر المُهملَة، وتشديد المُوحَّدة؛ أي: كنبات بزر العشب، فـ: «أل» [/ج1ص105/] للجنس أو للعهد، والمُرَاد: البقلة الحمقاء؛ لأنَّها تنبت سريعًا (فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ)؛ خطابٌ لكلِّ من يتأتَّى منه الرُّؤية (أَنَّهَا تَخْرُجُ) حال كونها (صَفْرَاءَ) تسرُّ النَّاظرَ، وحال كونها (مُلْتَوِيَةً)؛ أي: مُنعطِفةً مُنثنِيةً، وهذا ممَّا يزيد الرَّياحينَ حُسْنًا باهتزازه وتمايله، فالتَّشبيه من حيث الإسراع والحُسْن؛ والمعنى: من كان في قلبه مثقال حبَّةٍ من الإيمان يخرج من ذلك الماء نضرًا متبخترًا؛ كخروج هذه الرَّيحانة من جانب السَّيل صفراءَ متمايلةً، وحينئذٍ فيتعيَّن كون «أل» في «الحبَّة» للجنس، فافهم، وسيأتي مزيدٌ لذلك _إن شاء الله تعالى_ في «صفة الجنَّة والنَّار»، حيث أخرج المؤلِّف هذا الحديث [خ¦6560] ، وقد أخرجه مسلمٌ أيضًا في «الإيمان»، وهو من عوالي المؤلِّف على مسلمٍ بدرجةٍ، وأخرجه النَّسائيُّ أيضًا، وليس هو في «المُوطَّأ»، وهو هنا قطعةٌ من الحديث الآتي _إن شاء الله تعالى_ بعون الله مع مباحثه.

وبه قال: (قَالَ وُهَيْبٌ)؛ بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه مُصغَّرًا، آخره مُوحَّدةٌ، ابن خالد بن عجلان الباهليُّ البصريُّ: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو)؛ بفتح العين، ابن يحيى المازنيُّ السَّابق قريبًا: (الْحَيَاةِ)؛ بالجرِّ على الحكاية، وهو موافقٌ لمالكٍ في روايته لهذا الحديث عن عمرو بن يحيى بسنده، ولم يشكَّ كما شكَّ مالكٌ، (وَقَالَ) وهيبٌ أيضًا في روايته: مثقال حبَّةٍ من (خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ) بدل ((من إيمان))، فخالف مالكًا أيضاً في هذه اللَّفظة، وهذا التَّعليق أخرجه المصنِّف مُسنَدًا في «الرِّقاق» [خ¦6560] عن موسى بن إسماعيل عن وُهَيبٍ عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيدٍ به، وسياقه أتمُّ من سياق مالكٍ، لكنَّه قال: «من خردلٍ من إيمانٍ»، كرواية مالك، وفي هذا الحديث: الرَّدُّ على المُرجِئة؛ لما تضمَّنه من بيان ضرر المعاصي مع الإيمان، وعلى المعتزلة القائلين بأنَّ المعاصي موجبةٌ للخلود في النَّار.

[1] «الأصيليِّ»: سقط من (م).
[2] في (م): «التلفظ».
[3] في (ب) و(س): «الدين».
[4] في (م): «بالياء».
[5] «من غير الفرع»: سقط من (م).





22- ( يَدْخُلُ ) للدَّارقطنيِّ: «يدخل الله من يشاء برحمته».

( مِثْقَالُ حَبَّةٍ ): بفتح الحاء: إشارة إلى ما لا أقل منه.

( نَهَرِ الْحَيَاء ) كذا في هذه الرِّواية بالمدِّ، ولكريمة وغيرها بالقصر، وبه جزم الخطَّابيُّ وعليه المعنى؛ لأنَّ المراد كلُّ ما تحصل به الحياة، والحيا[/ج1ص172/] بالقصر: هو المطر، وبه تحصل حياة النَّبات، فهو أليق بمعنى الحياة من الحياء الممدود الذي هو بمعنى الخجل.

قلت: في «القاموس» أنَّ الحيا الذي هو المطر، يمدُّ في لغة.

( الْحِبَّةُ ): بكسر الحاء: بذور الصَّحراء ممَّا ليس بقوت، وهو جمع واحدة حَبَّة بالفتح، وأمَّا القوت فهو حَبٌّ، والمفرد حَبَّة بالفتح أيضًا، فافترقا في الجمع خاصَّة، وإنَّما شبَّه بالأوَّل لسرعة نباته وخروجه من الأرض بخلاف الثَّاني.

( عَمْرٌو: الْحَيَاةِ ): بالجرِّ على الحكاية، أي: جزم عمرو بقوله: «في نهر الحياة»، ولم يشكَّ كما شكَّ مالك. [/ج1ص173/]


10/22# قال أبو عبد الله: حدَّثنا إِسْماعِيلُ، قَالَ: حدَّثني مالِكٌ، عن عَمْرِو بنِ يَحْيَى المازِنِيِّ، عن أَبِيهِ:

عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قَالَ: «يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يقولُ اللهُ عز وجل : أَخْرِجُوا مَنْ كان فِي قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمانٍ. فَيَخْرُجُونَ منها قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيا _أو: الحَياةِ، يشُكُّ مالِكٌ_ فَيَنْبُتُونَ كَما تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي جانِبِ [1] السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّها تَخْرُجُ صَفْراءَ مُلْتَوِيَةً».

في هذا الحديث بيانٌ أنَّ أهلَ المعاصي من المسلمين لا يخلَّدون في النار.

وفيه دليل على تفاضُل الناس في الإيمان، وإنَّما [2] الحِبَّة من الخردل مثلٌ ليكون عياراً في المعرفة، وليس بعيارٍ في الوزن؛

@%ص26%

لأنَّ الإيمان ليس بجسم يحصره الوزن أو الكيل، أو ما كان في معناهما، ولكن ما يُشكل من المعقول قد [3] يُرَدُّ إلى عيار [4] المحسوس ليُفهمَ، ويُشَبَّهُ به ليُعَلمَ.

و (الحِبَّة) مكسورة [5] الحاء [6] : بُزور النبات، و (الحَبَّة) بفتحها: واحدة الحَبِّ [7] المأكول.

و (الحيا): المطر.

[1] في (أ) و (ر): (في حميل).
[2] في النسخ الفروع: (وأما).
[3] في الأصل و (ط): (لقد) باللام، والمثبت من شرح الكرماني نقلاً عن الخطابي (1/117)، وفي النسخ الفروع (فإنَّه).
[4] في (م): (عيان) مصحفاً.
[5] في النسخ الفروع: (بكسر).
[6] في (ط) تحريفاً: (مكسور الباء).
[7] في (ط): (الحبة).





22 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي [1] مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ [2] النَّارِ النَّارَ))، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالى: ((أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ [3] حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ, فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَا، أَوِ الحَيَاةِ [4] - شَكَّ مَالِكٌ [5]- فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً)).

قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: الحَيَاةِ، وَقَالَ: خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ.

الشرح:

أما (أَبُو سَعِيْدٍ) و(مَالِكٌ) فتقدم ذكرهما [6].

#%ص126%

وأما (يَحْيَى) فهو يحيى بنُ عمارة بن أبي حسن [7] الأنصاري المازني المدني، وأما ابنه فهو: عمرو بن يحيى، المدني أيضًا، روى عن جماعة من التابعين، روى عنه جماعة من التابعين منهم: يحيى الأنصاري، وابن أبي كثير، وأيوب. ومن غيرهم جماعات من الأعلام منهم: مالك، والثوري، وابن عيينة [8]، وشعبة [9]، وغيرهم.

وأما (إِسْمَاعِيلُ) فهو إسماعيلُ بنُ عبدِ الله بنِ عبد الله [10] بن أبي أويس بن أبي عامر الأصبحي المدني، وهو إسماعيل بن أبي أويس، وهو ابن أخت مالك بن أنس الإمام، وأبو أويس ابن عم مالك، روى عن مالك وخلائق من الأعلام وغيرهم [11]، روى عنه الأئمة الحفاظ منهم: الدارمي، والبخاري، ومسلم، وخلائق.

توفي سنة ست - وقيل: سبع - وعشرين ومائتين.

فصل: في هذا الإسناد لطيفة وهي [12] أن رجاله كلهم مدنيون.

فصل: في ألفاظ الحديث:

(المِثْقَالُ): وزن مقدر، الله [13] أعلم بقدره [14].

و(النَّهَر): -بفتح الهاء وسكونها- لغتان، الفتح أفصح [15]، وبه جاء القرآن.

و(الحَيَا): -مقصور- قال الخطابي في هذا الحديث: الحيا المطر [16].

و(الحِبَّةُ): -بكسر الحاء وتشديد الباء [17]- والجمع [18] حِبَب- بكسر [19] الحاء [20] وتخفيف الباء- كقِرْبة وقِرَب، وهي: اسم لِبَزْرِ العشب [21]، هذا هو الصحيح، وقيل: [22] أقوال [23] كثيرة، والتشبيه يقع بالحبة من وجهين [24] من حيث الإسراع، ومن حيث ضعف النبات.

وقوله: (قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: الحَيَاةِ) معناه: قال وهيب بن خالد، وهو في درجة مالك: حدثنا عمرو [25] بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد - بهذا الحديث - وقال فيه: نهر الحياة، بالهاء، ولم يشك كما شك مالك. ويقرأ: [26] ( [27]الحياةِ) بالجر على الحكاية.

قالَ العلماءُ: المراد بحبة [28]الخردل زيادة على أصل التوحيد، وقد جاء في «الصحيح» بيان ذلك، ففي رواية: (أَخْرِجُوا مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله، وَعِمِلَ مِنَ الخيرِ مِا يَزِنُ كَذَا). ثم بعد هذا يخرج منها من لم يعمل خيرًا قط غير التوحيد، كما جاء مصرحًا به في «الصحيح».

فإن قيل: كيف يعلمون [29]ما كان في قلوبهم في الدنيا من الإيمان ومقداره؟ قلنا: يجعل الله سبحانه وتعالى لهم علامات يعرفون ذلك بها، كما يعلمون [30]كونهم من أهل التوحيد بدارات [31]السجود، والله أعلم.

فصل: في هذا الحديث أنواع

#%ص127%

من العلم:

منها ما ترجم له، وهو تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.

ومنها إثبات دخول طائفة من عصاة الموحدين النار، وقد تظاهرت عليه النصوص، وأجمع عليه من يُعْتَدُّ به.

وفيه إخراج هؤلاء العصاة من النار، وأن أصحاب الكبائر من الموحدين لا يخلدون في النار، وهو مذهب أهل السنة، خلافًا للخوارج والمعتزلة، وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على ما ذكرناه [32]عن أهل السنة.

وفيه أنَّ الأعمال من الإيمان، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ) والمراد ما زاد على أصل التوحيد كما ذكرناه [33]، والله أعلم.

[1]في (ت): ((حدثنا)).
[2] في (ع): ((ويدخل أهل)).
[3] قوله: ((مثقال)) ليس في (ك).
[4] في (ك): ((الحياة أو المحياة)).
[5] زاد في (ص): ((فيه)).
[6] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((فسبقا)).
[7] في (ك): ((الحسن)).
[8] في (ك): ((مالك والسفيانان)).
[9] في (ع): ((والشعبة)).
[10] قوله: ((بن عبد الله)) ليس في (ع).
[11] في (ص) و(ع): ((وغيره)).
[12] في (ك) و(ع): ((وهو)).
[13] في (ت): ((والله)).
[14] في (ع): ((تقديره)).
[15] زاد في (ك): ((وأشهر)).
[16] قوله: (الحيا المطر)) ليس في (ع).
[17] زاد في (ت): ((والكسر حيث تكسر)).
[18] في (ك): ((جمع))، وفي (ص): ((والكثير)).
[19] قوله: ((والجمع حبب بكسر)) ليس في (ت).
[20] قوله: ((وتشديد الباء والجمع حبب بكسر الحاء )) ليس في (ع): ((جملة)).
[21] في (ص): ((العنب)).
[22] زاد في (ك): ((فيه)).
[23] في (ع): ((أقوالًا)).
[24] في (ص): ((لوجهين)).
[25] في (ك): ((عمر)).
[26] قوله: ((يقرأ)) ليس في (ع).
[27] زاد في (ع): ((نهر)).
[28] في (ع): ((بالحبة)).
[29] في (ت) و(ع): ((تعملون)).
[30] في (ص): ((يعرفون)).
[31] في (ك): ((بدرات))، وفي (ص): ((بأمارات)).
[32] في (ك) و(ع): ((ذكرنا)).
[33] في (ك) و(ع): ((ذكرنا)).
#%ص128%





لا تتوفر معاينة

22# معنى الحديث: (المثقال): وزنٌ مقدَّر الله أعلم بقدره، وليس المراد القدر المعلوم؛ فقد جاء مُبيَّنًا: «وكان في قلبه من الخير ما يزن بُرَّة».

(الحَبَّة من الخردل): هنا مثلٌ ليكون عيارًا في المعرفة، وليس بعيار في الوزن؛ لأنَّ الإيمان ليس بجسم يحصره الوزن أو الكيل، ورد ليفهم، وقال إمام الحرمين: الوزن: الصُّحف المشتملة على الأعمال، والله يزنها على قدر أجور الأعمال وما يتعلَّق بها من ثوابها وعقابها، فتجعل في كفَّة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفَّة [1] الميزان السَّيِّئات سودٌ مظلمة.

قوله: (الحِبَّة): جمع بزور النَّبات، بزور البقول والرَّياحين لسُرعة نباتها؛ لأنَّها تنبت في يوم وليلة، وهو أسرع النباتات [2] .

قوله: (جَانِبِ السَّيْلِ): حماه؛ أي: ما جاء به من طين على شطِّ مجراه، فأخبر بذلك لسرعة نباته.

[1] (كفَّة): ليس في (ب).
[2] في (أ): (النبات).





22- وبه قال: ((حدَّثنا إسماعيل)) بن أبي أويس بن عبد الله الأصبحي المدني، ابن أخت الإمام مالك، المتوفى سنة سبع وعشرين ومئتين، وقد تُكُلِّم فيه؛ كما أوضحه الشيخ الإمام بدر الدين العيني رحمه الله، ((قال: حدثني)) بالإفراد ((مالك)) هو ابن أنس، ((عن عمرو بن يحيى)) بن عمارة -بفتح العين عَمرو- ((المازني)) المدني، المتوفى سنة أربعين ومئة، ((عن أبيه)) يحيى، ((عن أبي سعيد)) سعد بن مالك ((الخُدري)) بالدال المهملة ((رضي الله عنه، عن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) أنه ((قال: يدخل أهل الجنة الجنة)) ؛ أي: فيها، وعبر بالمضارع العاري عن سين الاستقبال المتمحض للحال؛ لتحقق وقوع الإدخال، ((و)) يدخل ((أهل النار النار)) ؛ أي: فيها، ((ثم)) بعد دخولهم فيها ((يقول الله تعالى)) وفي رواية: (عز وجل) ، للملائكة: ((أخرجوا)) ؛ بهمزة قطع مفتوحة: أمر من الإخراج، زاد في رواية: (من النار) ((مَن)) أي: الذي ((كان في قلبه)) زيادة على أصل التوحيد ((مثقال حبة)) وقد جاء في «الصحيح» بيان ذلك، ففي رواية فيه: «أخرجوا من قال: لا إله إلا الله، وعمل من الخير ما يزن كذا»، ثم بعد هذا يخرج منها من لم يعمل خيرًا قط غير التوحيد.

قال الإمام القاضي عِياض: هذا هو الصحيح؛ لأنَّ معنى الخير هنا أمر زائد على الإيمان؛ لأنَّ مجرَّده لا يتجزَّأ، وإنما ينجزئ الأمر الزائد عليه؛ وهي الأعمال الصالحة؛ من ذكر خفي، أو شفقة على مسكين، أو خوف من الله تعالى، ونية صادقة في عمل؛ كذا في «عمدة القاري»، وهذه الجملة محلها النصب مفعولَ (أخرجوا) و (مَن) موصولة، وقوله: (كان في...) إلى آخره صلتها، و (مثقال حبة) كلام إضافي مرفوع؛ لأنَّه اسم (كان) ، وخبره قوله: (في قلبه) مقدَّمًا، ويجوز أن يكون (اخرجوا) بضم الهمزة من الخروج، وعليه يكون (مَن) منادى حذف منه حرف النداء، والتقدير: اُخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة، ((من خردل من إيمان)) ؛ بالتنكير؛ لأنَّ المقام يقتضي التقليل، والقلة هنا: باعتبار انتفاء الزيادة على ما يكفي، لا لأنَّ الإيمان ببعض ما يحب الإيمان به كافٍ؛ لأنَّه علم من عرف الشرع أن المراد من الإيمان الحقيقة المعهودة، وفي رواية: (من الإيمان) بالتعريف.

وهذا قوله: (من خردل من إيمان) ، من باب التمثيل، فيكون عيارًا في المعرفة وليس عيارًا في الوزن؛ لأنَّ الإيمان ليس بجسم يحصره الوزن أو الكيل، لكن ما يشكل من المعقول قد يُرَدُّ إلى عيار محسوس؛ ليُفهم، ويُشبَّه به؛ ليُعلم، والتحقيق فيه: أن يُجعل عمل العبد وهو عرَض في جسم على مقدار العمل عنده تعالى، ثم يُوزن، ويدلُّ عليه ما جاء مبينًا في قوله: (وكان في قلبه من الخير ما يزن برة) ، أو تُمثَّل الأعمال بجواهر؛ فتُجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة، أو الموزون الخواتيم، فإن كانت خاتمة عمله حسنًا؛ جوزي بخير، وإن كانت خاتمة عمله شرًّا؛ جُوزي بشر.

وذكر القاضي عياض: أن المعنى في قوله: (من إيمان) ومن خير وما جاء منه؛ أي: من اليقين، إلَّا أنَّه قال: المراد الثواب؛ أي: ثواب الإيمان الذي هو التصديق، وبه يقع التفاضل، فإن أتبعه بالعمل؛ عظم ثوابه، وإن كان على خلاف ذلك؛ نقص ثوابه، فإن قيل: كيف تعلمون [1] ما كان في قلوبهم في الدنيا من الإيمان ومقداره؟ قلت: لعله بعلامات؛ كما يعلمون أنهم من أهل التوحيد؛ كذا في «عمدة القاري».

قال القسطلاني: قال الغزالي: من أيقن بالإيمان وحال بينه وبين النطق به الموت؛ فهو ناج مستدلًا بقوله: (أخرجوا...) إلى آخره، وأما من قدر على النطق ولم يفعل حتى مات مع إيقانه بالإيمان بقلبه؛ فيحتمل أن يكون امتناعه منه بمنزلة امتناعه عن الصلاة؛ فلا يخلد في النار، ويحتمل خلافه، ورجح غيره الثاني، فيحتاج إلى تأويل قوله: (في قلبه) فيقدر فيه محذوف تقديره: منضمًا إلى النطق به مع القدرة عليه.

ومنشأ الاحتمالين: الخلاف في أن النطق بالإيمان شطر، فلا يتم الإيمان إلَّا به؛ وهو مذهب جماعة من العلماء، واختاره الإمام شمس الأئمة وفخر الإسلام، أو شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط؛ وهو مذهب جمهور المحققين؛ وهو اختيار الشيخ الإمام أبي منصور، والنصوص معاضدة لذلك، قاله المحقق الثاني سعد الدين التفتازاني رحمه الله تعالى.

((فيخرجون منها)) ؛ أي: من النار حال كونهم ((قد اسودوا)) ؛ أي: صاروا سودًا من تأثير النار ((فيُلقون)) ؛ بضم المثناة التحتية: مبنيًّا للمفعول ((في نهر الحيا)) بالقصر، وفي رواية: بالمد، قيل: ولا معنى له؛ أي: المطر ((أو الحياة)) بالمثناة الفوقية آخره؛ وهو النهر الذي مَن غُمس فيه حيي، وهو غير الكوثر، كما لا يخفى، ((شك مالك)) وفي رواية: (يشك) بالمثناة التحتية أوله؛ أي: في أيهما الرواية، وجملة (شك) اعتراض بين قوله: (فيلقون في نهر الحياة) السابق، وبين لاحقه؛ وهو قوله: ((فينبتون)) ثانيًا ((كما تنبت الحِبة)) ؛ بكسر المهملة وتشديد الموحدة؛ أي: كنبات بزر العشب، فـ (أل) للجنس أو للعهد، والمراد: البقلة الحمقاء؛ لأنها تنبت سريعًا، ((في جانب السيل، ألم تر)) خطابٌ لكل من يأتي منه الرؤية ((أنها تخرج)) حال كونها ((صفراء)) تسر الناظر، وحال كونها ((ملتوية)) متمثلة منثنية، فالتشبيه؛ من حيث الإسراع والحسن، والمعنى: من كان في قلبه مثقالُ حبة من الإيمان يخرج من ذلك الماء نضرًا متنجدًا كخروج هذه الريحانة من جانب السيل صفراء متمايلة، وحينئذٍ فيتعين كون (أل) في الحبة للجنس؛ كذا قيل؛ فتأمل.

وبه قال: ((قال وُهَيب)) ؛ بضم أوله، وفتح ثانيه مصغَّرًا، آخره موحدة: ابن خالد بن عجلان الباهلي البصري: ((حدثنا عمرو)) ؛ بفتح العين: ابن يحيى المازني السابق: ((الحياةِ)) بالجر على الحكاية؛ وهو موافق لمالك في روايته لهذا الحديث، عن عمرو بن يحيى بسنده، ولم يشك كما شك مالك أيضًا.

((وقال)) وهيب أيضًا في روايته: مثقال حبة من ((خردل من خير)) بدل من إيمان، فخالف مالكًا في هذه اللفظة؛ وهذا من تعاليق المؤلف، أخرجه في (الرقاق) ، وفيه الرد على المرجئة القائلين: بأنه لا يضر مع الإيمان معصية، فلا يدخل النار العاصي، وعلى المعتزلة القائلين بأن المعاصي موجبة للخلود في النار.

[1] في الأصل: (تعملون).