متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

19- وبالسَّند المذكور أوَّل هذا الشَّرح إلى البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ)؛ بفتح الميم واللَّام بينهما مُهمَلَةٌ ساكنةٌ، ابن قعنبٍ الحارثيُّ البصريُّ، ذو الدَّعوة المُجَابة، أحد رُوَاة «الموطَّأ»، المُتوفَّى سنة إحدى وعشرين ومئتين، (عَنْ مَالِكٍ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة، (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) الأنصاريِّ المازنيِّ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئةٍ، (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله، (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان الخزرجيِّ الأنصاريِّ (الْخُدْرِيِّ)؛ بضمِّ المُعجمَة [1] ، وسكون المُهملَة؛ نسبةً إلى خُدْرةَ جدِّه الأعلى، أو بطنٍ، المُتوفَّى بالمدينة سنة أربعٍ وستِّين أو أربعٍ وسبعين، وله في «البخاريِّ» ستَّةٌ وستُّون حديثًا، زاد في رواية أبي ذَرٍّ: ((رضي الله عنه)) (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يُوشِكُ)؛ بكسر المُعجَمَة، وفتحُها: لغةٌ رديئةٌ، وهي من أفعال المقاربة؛ أي: يقرب (أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا) _بالنَّصب_ خبر «يكون»، وفي رواية غير الأَصيليِّ: بنصب ((خيرَ)): خبرًا مقدَّمًا، ورفعِ ((غنمٌ)) اسمًا مُؤخَّرًا، ولا يضرُّ كونه نكرةً؛ لأنَّه موصوفٌ بجملة «يتَّبِع»، وجوَّز ابن مالكٍ رفعهما على الابتداء والخبر، ويقدِّر في «يكون» ضمير الشَّأن، قال في «الفتح»: لكن لم تَجِئْ به الرِّواية، وذكره العينيُّ من غير تنبيهٍ على الرِّواية فأوهم، و«الغنم»: اسمٌ مؤنَّثٌ موضوعٌ للجنس (يَتَّبِعُ بِهَا) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، «افتعالٌ»؛ من: اتَّبع اتِّباعًا، ويجوز إسكانها من تَبِعَ _بكسر المُوحَّدة_ يَتْبَع، بفتحها؛ أي: يتبع بالغنم، (شَعَفَ)؛ بمُعجَمَةٍ فمُهمَلَةٍ مفتوحتين، جمع: شَعَفَةٍ بالتَّحريك، وهو بالنَّصب مفعول «يتَّبع»؛ أي: رؤوس (الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ)؛ بكسر القاف، وهو بالنَّصب [2] عطفٌ على «شعفَ»؛ أي: مواضع نزول (الْقَطْرِ)؛ أي: المطر؛ أي: بطون الأودية والصَّحارى، حال كونه (يَفِرُّ بِدِينِهِ)؛ أي: يهرب بسببه، أو مع دينه (مِنَ الْفِتَنِ)؛ طلبًا لسلامته، لا لقصدٍ دنيوِيٍّ، فالعزلة عند الفتنة ممدوحةٌ إلَّا لقادرٍ على إزالتها فتجب الخلطة، عينًا أو كفايةً، بحسب الحال والإمكان، واختُلِف فيها عند عدمها؛ فمذهب الشَّافعيِّ: تفضيل الصُّحبة؛ لتعلُّمه وتعليمه، وعبادته، وأدبه، وتحسين خُلُقِه؛ بحِلْمٍ واحتمالٍ، وتواضعٍ، ومعرفة أحكامٍ لازمةٍ، وتكثير سواد المسلمين، وعيادة مريضهم، وتشييع جنائزهم، وحضور الجمعة والجماعات، واختار آخرون: العزلة؛ للسَّلامة المُحقَّقة، وليعمل بما علم، ويأنس بدوام ذكره، فبالصُّحبة والعزلة كمالُ المرء. نعم؛ تجب العزلة لفقيهٍ لا يَسْلَم دينه بالصُّحبة، وتجب الصُّحبة لمن عرف الحقَّ فاتَّبعه، والباطلَ فاجْتَنَبَه، وتجب على من جهل ذلك لِيَعْلَمَه، فافهم.

ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه صحابيٌّ ابن [3] صحابيٍّ، وهو من أفراد البخاريِّ عن مسلمٍ، وقد رواه المؤلِّف أيضًا في «الفتن» [7088] ، و«الرقاق» [6495] ، و«علامات النُّبوَّة» [خ¦3600] ، وأخرجه أبو داودَ والنَّسائيَّ.

[1] في (ب) و(س): «الخاء».
[2] في (ب) و(س): «بكسر القاف بالنَّصب».
[3] في (م): «عن»، وهو تحريفٌ.





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

19-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالِكٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عن أَبِيهِ:

عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ [1] أَنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ [2] أَنْ يَكونَ خَيْرَ [3] مالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ [4] يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجِبالِ وَمَواقِعَ القَطْرِ؛ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ».

[1] في رواية أبي ذر زيادة: «رَضيَ اللهُ عَنْهُ».
[2] بهامش اليونينية: بكسر الشين، ولا يقال بفتحها. من المحكم.اهـ.
[3] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[4] في رواية الأصيلي: «خيرُ... غنمًا»، «خيرَ... غنمًا»، برفع ونصب «خير»، وكتب فوقها معًا.





19- ( يُوشِكُ ) بكسر الشين، أي: يقرب، وفتحها لغة رديئة.

( خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ ) قال ابن مالك: يجوز في ( خير ) و( غنم ) رفع أحدهما على أنَّه اسم ( يكون )، ونصب الآخر على أنَّه خبرها، ويجوز رفعهما على الابتداء والخبر.

( يَتْبَعُ ) بإسكان التاء وتشديدها.

( شَعَفَ ) بشين معجمة ثم عين مهملة مفتوحتين، جمع شعفة: رؤوس الجبال وأعاليها، كأكمة وأكم، ويروى: «شعب» بالباء [بدل الفاء] [1] جمع شعبة، وهي طرف الجبل، ويروى: «شعاف» وهو أيضًا جمع شعفة كأكمة وآكام، قاله ابن السيد. [/ج1ص32/]

[1] ما بين معقوفين ليس في الأصل ( ت ).





19# (يُوشِكُ) بكسر الشين، مضارع أوشك؛ أي: أسرع.

قال أبو علي: ولا يقال: ((يوشَك)) بفتح الشين.

وفي «الصحاح»: والعامة يقولون [1] : ((يوشَك)) بفتح الشين، وهي لغة رَديئة [2] .

(خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِم غَنَمٌ) قال ابنُ مالك: يجوز في ((خير)) و((غنم)) رفعُ أحدهما على أنه اسم ((يكون))، ونصبُ الآخر على أنه خبرها، ويجوز رفعُهما على الابتداء والخبر، والجملةُ في محل نصب على أنها خبر ((يكون))، واسمُها ضمير الشأن.

(يَتَّبَعُ) بتشديد التاء المثناة من فوق ومع كسر الموحدة

@%ج1ص46%

وتخفيفها ساكنة مع فتح الموحدة [3] .

(شَعَفَ) بشين معجمة وعين مهملة مفتوحتين: رؤوس الجبال، الواحد شعفة؛ كأَكَمةٍ وأَكَمٍ.

قال الزركشي: ويروى: <شعاف> كآكام [4] ، قاله ابن [5] السيد.

واختلف رواة «الموطأ [6] »، فالمشهورُ من روايتهم: ((شَعَف))، كما في البخاري، وروي عن يحيى: ((شِعْب)) بالباء، ومنهم من ضبطه [7] بضم الشين وفتح العين، جمع شُعبة، وهو: ما انفرجَ بين الجبلين.

قال القاضي: وعند ابنِ المرابط بفتح الشين، وهو وَهمٌ.

وعند الطرابلسي: ((سَعف)) بالسين المهملة المفتوحة، قال: وهو أيضًا بعيد، وإنما هو: جرائد النخل.

وكلامُ الزركشي يؤذنُ بأن بعض [8] رواة البخاري روى: ((شُعُب الجبال)): جمع شعبة، والقاضي إنما حكى الاختلاف فيه بين رواة «الموطأ».

(يَفِرُّ) الظاهر أنه جملة حالية من فاعل ((يتبع))، وهو الضَّمير المستكن.

قال ابن المنيِّر: وجهُ الآيةِ فيه ظهورُ الصدق على ما شاهده الناسُ بعده، ولا يزيد صدق هذا الحديث إلا وضوحًا.

[1] ((يقولون)): ليست في (ق) و(ج) و(د).
[2] في (د) و(م): ((ردية)).
[3] في (ق): ((يتبع بالموحدة)).
[4] في (ق): ((كلكام)).
[5] ((ابن)): ليست في (ج) و(د).
[6] في (ق): ((الموطأة)).
[7] في (ق): ((ضبط)).
[8] في (ق): ((بعضهم)).





19- قوله: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ): واسمُ أبي صعصعةَ عمرٌو، وعبدُ الرحمن هذا: منهم مَن ينسبه إلى جدِّه، ومنهم مَن يقول: عبد الله بن عبد الرحمن فيقلبُه، والكلُّ واحدٌ، أخرج له البخاريُّ، وأبو داود، والنسائيُّ، وابن ماجه، وثَّقه أبو حاتم وغيره، توفِّي في خلافة أبي جعفر، (فلعلَّه وقع في نسخة الدِّمياطيِّ: ابن أبي صعصعةَ؛ بإثبات الألف، وقد ضُمَّ بالقلم «ابنُ»، وصحَّحَ عليه بخطِّه؛ يعني: أنَّه منسوب إلى جدِّه أبي صعصعة، وماعلَّمه الدِّمياطيُّ فيه نظرٌ؛ لأنَّ عبد الرحمن مجرورٌ، والذي ظهر لي أنَّه كان في نسخة الدِّمياطيِّ معًا، وأمَّا عبدُ الرحمن؛ فنقل الناقل خطَّ الدِّمياطيِّ على نسخته التي فيها: «عن عبد الرحمن»، فوقع ما وقع، والله أعلم) [1] .

قوله: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ): هو سعد بن مالك بن سِنان الخُدريُّ؛ بضمِّ الخاء المعجمة، وإسكان الدال المهملة، وإيَّاك أن تعجمها، صحابيٌّ جليلٌ، مشهورُ الترجمة، رضي الله عنه.

قوله: (يُوشِكُ): أوشكَ: في الماضي بفتح الهمزة والشين، ومعناه عند الخليل: أسرع أن يكون كذا وقَرُب، وقال أبو عليٍّ: جعلوا له الفعل، كأنَّهم قالوا: يُوشك الفعل، وقال أبو عليٍّ: مثل (عسى الفعل) ، قال: ولايقال: (يوشُك) ؛ بضمِّ الشين في المستقبل، ولا (أوشك) في الماضي، وأنكر الأصمعيُّ (أوشك) أيضًا، إنَّما يأتي عنده مستقبلًا، والوشك: السرعة، انتهى كلام ابن قُرقُول، ولفظ «الصِّحاح»: وقد أوشك فلان يوشك إيشاكًا؛ أي: أسرع، ومنه قولهم: يوشك أن يكون إلى أن قال: والعامَّة تقول: يوشك؛ بفتح الشين، وهي لغة رديئة.

قوله: ) خَيْر مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ): يجوز في (خير) وجهان:

أحدهما: نصبه، وهو الأشهر في الرواية، خبرًا مقدَّمًا، ولا يضرُّ كونُ الاسم؛ وهو (غنم) نكرةً؛ لأنَّها وُصفت بـ (يَتْبَعُ بِهَا) .

والثاني: رفعه على أن يكون في (يكون) ضمير الشأن؛ لأنَّه كلامٌ تضمَّن [2] تحذيرًا وتعظيمًا لما يُتوقَّع، ويكون (خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ) مبتدأً وخبرًا، وقد رُوِي: (غنمًا) ؛ بالنصب، وهو ظاهرٌ.

قوله: (يَتْبَعُ): بتشديد المثنَّاة فوق، وتخفَّف أيضًا.

قوله: (شَعَفَ الْجِبَالِ): هو بفتح الشين المعجمة، وهذا هو المشهور [3] ، وبالعين [4] المهملة وبالفاء، (كذا هو في أصلنا) [5] ، وهي رؤوس الجبال، وشعفة كلِّ شيءٍ: أعلاه، والواحدة شعفة، قال ابن قُرقُول في السين المهملة في «الاختلاف» [6] : (هذا هو المشهور، وهي رؤوسها وأعاليها، وكذا لابن القاسم، ومطرِّف، والقعنبيِّ، وابن بُكير، وكافَّة الرواة غير [7] يحيى بن يحيى، فإنَّهم روَوه: «شعب»؛ بالباء، والمعنى متقارب، قلت: وروايتنا عن يحيى: «شعف»، قال القاضي: واختُلِف عن يحيى في ضبطه؛ [فمنهم من ضبطه] بضمِّ الشين وفتح العين؛ أي: أطرافها ونواحيها وما انفرج منها، و«الشعبة»: ما انفرج بين الجبلين، وهو «الفجُّ»، وعن ابن المرابط بفتح الشين، وهو [8] وهم، وعند الطرابلسيِّ: «سعف»؛ بالسين المهملة المفتوحة، وهو أيضًا بعيد، وإنَّما هو جرائد النخل، ورواه ابن القاسم «شعف» كما تقدَّم) انتهى [9] ، وقال في الشين المعجمة: (رؤوسها وأطرافها) [10] ، ثمَّ ذكره في المعجمة في «الاختلاف»: (شعف أو شعب) ؛ فقال: (تقدَّم في الشين) انتهى [11]

قوله: (وأنَّ الْمَعْرِفَةَ): هو بفتح الهمزة من (أنَّ) ؛ أي: وبيان أنَّ المعرفة.

[1] ما بين قوسين: مثبتة في (ب) ، وسقطت من (ج) .
[2] في (ب): (يتضمن) .
[3] (وهذا هو المشهور): مثبتة في (ب) ، وسقطت من (ج) .
[4] في (ب): (والعين) .
[5] (كذا هو في أصلنا): مثبتة في (ج) ، وسقطت من (ب) .
[6] (في الاختلاف): مثبتة في (ج) ، وسقطت من (ب) .
[7] في (ب) و (ج): (عن): وفي هامش (ج): (لعله غير) ، والمثبت من مصدره.
[8] في (ج): (وهذا) .
[9] انظر «مطالع الأنوار» (*) .
[10] انظر «مطالع الأنوار» (*) .
[11] انظر «مطالع الأنوار» (*) .





19- (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ): قال المالكيُّ: («يُوشِكُ» أحدُ أفعال المقاربةِ، يقتضي اسمًا مرفوعًا، وخبرًا منصوبًا بالمحل لا يكونُ إلَّا فعلًا مضارعًا مقرونًا بـ«أَنْ»، ولا أعلم تجرُّدَه مِنْ «أَنْ» إلَّا في قول الشَّاعر: [من المنسرح]

~ يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ في بَعْضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُهَا

وقد يُسنَد إلى «أَنْ» والفعلِ المضارع، فيَسُدُّ ذلك مسدَّ اسمِها وخبرِها، وفي هذا الحديث شاهدٌ على ذلك).

(خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ): يجوزُ فيه وجهان: نصبُ (خَيْر) ورفعُه [1] ، ونصبُه هو الأشهرُ في الرِّواية، وهو خبرُ (يَكُونَ) مقدَّمًا، ولا يضرُّ كونُ الاسم ـ وهو (غَنَمٌ) ـ نكرةً؛ لأنَّها موصوفةٌ بقوله: (يَتْبَعُ بِهَا). [/ص14/]

وأمَّا الرَّفعُ؛ فبأَنْ تقدِّرَ في (يَكُونَ) ضميرَ الشَّأن، ويكون (خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ [غَنَمٌ] ) مبتدأً وخبرًا، وقد رُوِيَ (غَنمًا) بالنَّصب [2] ، قاله الكرمانيُّ.

وقال ابنُ مالك: (يجوزُ في «خَيْر» و«غَنَم» رفعُ أحدِهما على أنَّه اسمُ «يَكُونَ»، ونصبُ الآخرِ على أنَّه خبرُها، ويجوزُ رفعُهما على أنَّهما مبتدأٌ وخبرٌ في موضعِ نصبٍ خبرًا لـ«يَكُونَ»، واسمُه ضميرُ الشَّأن؛ لأنَّه كلامٌ تضمَّنَ تحذيرًا وتعظيمًا لما يُتوقَّع، وتقديمُ ضميرِ الشَّأنِ عليه مؤكِّدٌ معناه).

وقال الطِّيبيُّ: («غَنَمٌ» نكرةٌ موصوفةٌ هو اسمُ «يَكُونَ»، والخبرُ قولُه: «خَيْرَ مَالِ»، وهو معرفةٌ، فلا يجوزُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرادَ بـ«المُسْلِمِ» الجنسُ، فلا تعيينَ فيه حينئذٍ، وفائدةُ التَّقديمِ: أنَّ المطلوبَ حينئذٍ الاعتزالُ، وتحرِّي الخيرَ بأيِّ وجهٍ كان، وليسَ الكلامُ في الغنم؛ ولذلك أخَّرَها).

(يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ): إمَّا جملةٌ حاليَّةٌ وذو الحال هو الضَّمير المستتر في (يَتْبَعُ)، ويَحتمل أن يكون هو (المُسْلِم)، ويجوزُ الحالُ مِنَ المضاف إليه؛ نحو: {فاتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [آل عمران: 95] .

فإنْ قلتَ: إنَّما يُجعل حالًا من المضاف إليه إذا كان المضافُ جزءًا من المضاف إليه، أو في حُكمه؛ كما في: «رأيتُ وجهَ هندٍ قائمةً»، لا في نحو: «رأيتُ غلامَ هندٍ قائمةً»، والمالُ ليس كذلك؛ قلتُ: المالُ لشدَّةِ مُلابستِهِ بذي المالِ كأنَّه جزء منه [3] .

[1] الرفعُ روايةُ الأصيليِّ، والنصبُ روايةُ غيرِه.
[2] وهي رواية الأصيلي، برفع (خير) ونصب (غنمًا) على الخبر، وكذا أخرجه مالك في «الموطأ» (2/970)، وأحمد في «مسنده» (3/30)، وأبو داود في «سننه» (4267)، وابن عبد البر في «التمهيد» (19/221-22).
[3] انظر «الكواكب الدراري» (1/110).





19- وبالسَّند المذكور أوَّل هذا الشَّرح إلى البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ)؛ بفتح الميم واللَّام بينهما مُهمَلَةٌ ساكنةٌ، ابن قعنبٍ الحارثيُّ البصريُّ، ذو الدَّعوة المُجَابة، أحد رُوَاة «الموطَّأ»، المُتوفَّى سنة إحدى وعشرين ومئتين، (عَنْ مَالِكٍ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة، (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) الأنصاريِّ المازنيِّ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئةٍ، (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله، (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان الخزرجيِّ الأنصاريِّ (الْخُدْرِيِّ)؛ بضمِّ المُعجمَة [1] ، وسكون المُهملَة؛ نسبةً إلى خُدْرةَ جدِّه الأعلى، أو بطنٍ، المُتوفَّى بالمدينة سنة أربعٍ وستِّين أو أربعٍ وسبعين، وله في «البخاريِّ» ستَّةٌ وستُّون حديثًا، زاد في رواية أبي ذَرٍّ: ((رضي الله عنه)) (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يُوشِكُ)؛ بكسر المُعجَمَة، وفتحُها: لغةٌ رديئةٌ، وهي من أفعال المقاربة؛ أي: يقرب (أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا) _بالنَّصب_ خبر «يكون»، وفي رواية غير الأَصيليِّ: بنصب ((خيرَ)): خبرًا مقدَّمًا، ورفعِ ((غنمٌ)) اسمًا مُؤخَّرًا، ولا يضرُّ كونه نكرةً؛ لأنَّه موصوفٌ بجملة «يتَّبِع»، وجوَّز ابن مالكٍ رفعهما على الابتداء والخبر، ويقدِّر في «يكون» ضمير الشَّأن، قال في «الفتح»: لكن لم تَجِئْ به الرِّواية، وذكره العينيُّ من غير تنبيهٍ على الرِّواية فأوهم، و«الغنم»: اسمٌ مؤنَّثٌ موضوعٌ للجنس (يَتَّبِعُ بِهَا) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، «افتعالٌ»؛ من: اتَّبع اتِّباعًا، ويجوز إسكانها من تَبِعَ _بكسر المُوحَّدة_ يَتْبَع، بفتحها؛ أي: يتبع بالغنم، (شَعَفَ)؛ بمُعجَمَةٍ فمُهمَلَةٍ مفتوحتين، جمع: شَعَفَةٍ بالتَّحريك، وهو بالنَّصب مفعول «يتَّبع»؛ أي: رؤوس (الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ)؛ بكسر القاف، وهو بالنَّصب [2] عطفٌ على «شعفَ»؛ أي: مواضع نزول (الْقَطْرِ)؛ أي: المطر؛ أي: بطون الأودية والصَّحارى، حال كونه (يَفِرُّ بِدِينِهِ)؛ أي: يهرب بسببه، أو مع دينه (مِنَ الْفِتَنِ)؛ طلبًا لسلامته، لا لقصدٍ دنيوِيٍّ، فالعزلة عند الفتنة ممدوحةٌ إلَّا لقادرٍ على إزالتها فتجب الخلطة، عينًا أو كفايةً، بحسب الحال والإمكان، واختُلِف فيها عند عدمها؛ فمذهب الشَّافعيِّ: تفضيل الصُّحبة؛ لتعلُّمه وتعليمه، وعبادته، وأدبه، وتحسين خُلُقِه؛ بحِلْمٍ واحتمالٍ، وتواضعٍ، ومعرفة أحكامٍ لازمةٍ، وتكثير سواد المسلمين، وعيادة مريضهم، وتشييع جنائزهم، وحضور الجمعة والجماعات، واختار آخرون: العزلة؛ للسَّلامة المُحقَّقة، وليعمل بما علم، ويأنس بدوام ذكره، فبالصُّحبة والعزلة كمالُ المرء. نعم؛ تجب العزلة لفقيهٍ لا يَسْلَم دينه بالصُّحبة، وتجب الصُّحبة لمن عرف الحقَّ فاتَّبعه، والباطلَ فاجْتَنَبَه، وتجب على من جهل ذلك لِيَعْلَمَه، فافهم.

ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه صحابيٌّ ابن [3] صحابيٍّ، وهو من أفراد البخاريِّ عن مسلمٍ، وقد رواه المؤلِّف أيضًا في «الفتن» [7088] ، و«الرقاق» [6495] ، و«علامات النُّبوَّة» [خ¦3600] ، وأخرجه أبو داودَ والنَّسائيَّ.

[1] في (ب) و(س): «الخاء».
[2] في (ب) و(س): «بكسر القاف بالنَّصب».
[3] في (م): «عن»، وهو تحريفٌ.





19- ( يُوشِكُ ): بكسر المعجمة، أي: يَقرُب.

( خَيْرَ ): بالنَّصب على الخبريَّة، و ( غنمٌ ) الاسم، وفي رواية الأَصِيلي عكس ذلك.

( يَتَّبِعُ ) بتشديد التَّاء، ويجوز إسكانها.

( شَعَفَ ) بفتح المعجمة والعين المهملة، جمع شعفة، كأُكم وأَكْمة، [/ج1ص170/]وهي رؤوس الجبال.

( وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ) بالنَّصب عطفًا على شَعَف، أي: بطون الأودية.

( يَفِرُّ بِدِينِهِ ) أي: بسبب دينه، ( من ): ابتدائيَّة.


9/19# قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ، عن مالِكٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عن أَبِيهِ:

عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «يُوشِكُ أَنْ يَكونَ خَيْرَ مالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبِعُ بها شَعَفَ الجِبالِ وَمَواقِعَ القَطْرِ؛ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ».

(شَعَف الجبال): رُؤوسها وأعاليها، واحدتها شَعَفَة،

وفيه: بيانُ فضيلة العُزْلة [1] ، وأنَّها للدين عِصْمَةٌ.

[1] في (أ) زيادة: (في آخر الزمان).





19- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبِعُ بِهَا [1] شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ)).

الشرح:

تقدم ذكر (مَالِكٍ).

وأما (أَبُو سَعِيْدٍ) فهو: سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد[2]الأبجر، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج، الأنصاري رضيَ اللهُ عنه.

قال ابن سعد: وزعم بعض الناس أن خُدْرة هي أم الأبجر، اسْتُصْغِر يوم أحد فَرُدَّ، واسْتُشْهِدَ أبوه رضي الله عنه يوم أحد، وغزا أبو سعيد رضيَ اللهُ عنه بعد ذلك مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثنتي عشرة غزوة.

روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفُ حديث ومائة وسبعون حديثًا، اتفقا على ستة وأربعين، وانفرد البخاري

#%ص120%

بستة عشر حديثًا، ومسلم باثنين وخمسين.

وروى عن جماعة من الصحابة منهم [3]: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وأبوه مالك بن سنان رضي الله عنهم.

روى [4] عنه جماعة من الصحابة رضيَ اللهُ عنهم منهم: ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وزيد بن ثابت، وخلائق من التابعين، توفي بالمدينة سنة أربع وستين، وقيل: أربع وسبعين، وروى حنظلة ابن أبي سفيان الجمحي عن أشياخه قالوا: لم يكن في أحداث أصحاب رسول الله [5]صلَّى الله عليه وسلَّم أفقه من أبي سعيد، وفي رواية: أعلم.

وأما (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) وأبوه: فأنصاريان مازنيان مدنيان ثقتان [6]، وصَعْصَعَةَ- بفتح الصادين المهملتين-.

وأما (عبدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ) فهو عبد الله [7] بن مسلمة [8] بن قعنب، القعنبي الحارثي المدني، أبو عبد الرحمن، سكن البصرة، سمع مالكًا، والليث، وحماد بن سلمة، وخلائق لا يحصون من الأعلام وغيرهم.

روى عنه: الذُّهْليُّ، والبخاريُّ، ومسلم، وأبو داودَ، والترمذيُّ، والنَّسَائيُّ، وخلائق من الأعلام.

وأجمعوا على جلالته وإتقانه وحفظه وصلاحه وورعه وزهادته.

قال أبو زرعة: ما كتبتُ عن أحدٍ أجل في عيني منه، وقال أبو حاتم: لم أر أخشع منه، وقال أحمد بن عبد الله: ثقة رجل صالح، وروينا عن الإمام مالك: أن رجلًا جاءه فقال: قَدِمَ القَعْنَبِي، فقال مالك: قوموا بنا إلى خير أهل الأرض.

وروينا عن أبي سَبْرَةَ الحافظ قال: قلت للقعنبي: حَدَّثْتَ ولم تكن تُحَدِّث؟ فقال: رأيت كأن القيامة قد قامت، فصيح بأهل [9] العلم فقاموا، فقمت [10] معهم، فصيح بي اجلس، فقلت: إلهي ألم أكن معهم أطلب؟ قال: بلى، ولكنهم نشروا وأخفيته، فحدثت.

وروينا عن عمرو بن علي الإمام قال: كان القعنبي مجاب الدعوة، توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين رضي الله عنه .

فصل: في هذا الإسناد لطيفة وهي [11]: أن إسناده كلهم مدنيون، وهذا مستطرف.

فصل: قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (يُوشِك) هو -بضم الياء وكسر الشين- أي: يسرع ويقرب، ويقال في ماضيه: أوشك، ومنهم من قال: لم يستعمل منه ماض، وهذا غلط، وقد كثر استعمال ذلك.

#%ص121%

قال الجوهري: أوشك فلان يوشك إيشاكًا، أي: أسرع، قال جرير:

~إذا جهـل الشقي ولـم يقدر ببعض الأمـر أوشك أن يُصَابـا

قال: والعامة يقولون [12]: يوشَك- بفتح الشين- وهي لغة رديئة، قال أبو يوسف، يعني ابن السكيت: وأشك [13] يواشك [14]وشاكًا، مثل: أوشك، ويقال: إنه مواشك، أي: مسارع.

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (يَتَّبِعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ) يتبع [15]-بتشديد التاء [16]- وأما: (شَعَفَ الجِبَالِ) فهي -بفتح الشين والعين- وهي: رؤوس الجبال، الواحدة شَعَفة.

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ) أي: من فساد ذات البين وغيرها [17].

ويجوز في: (خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ) وجهان: نصب (خيرَ) ورفعه، ونصبه هو الأشهر في الرواية، وهو خبر يكون مقدمًا، ولا يضر كون الاسم - وهو غنم [18] - نكرة؛ لأنها وصفت ب(يَتَّبِع بها). وأما الرفع فعلى أن يكون في (يكون) [19]ضمير الشأن، ويكون (خَيْرُ مَالِ [20]المُسْلِمِ غَنَمٌ) مبتدأً وخبرًا، وقد روي: غنمًا، بالنصب، والله أعلم.

وخُصَّتِ الغنمُ بذلك؛ لما فيها من السكينة والبركة، وقد رعاها الأنبياء والصالحون صلوات الله عليهم وسلامه، مع أنها سهلة الانقياد، خفيفة المؤنة، كثيرة النفع.

وفي الحديث فوائد كثيرة منها:

فضلُ العُزْلة في أيام الفتن إلا أن يكون الإنسان [21]ممن له قدرة على إزالة الفتنة؛ فإنه يجب عليه السعي في إزالتها، وإما [22] فرض عين، وإما فرض كفاية، بحسب الحال والإمكان.

وأما في غير أيام الفتنة فاختلف العلماء في العزلة والاختلاط أيهما أفضل، مذهب [23]الشافعي والأكثرين [24]إلى تفضيل الخلطة، لما فيها من اكتساب الفوائد، وشهود شعائر الإسلام، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال الخير إليهم، ولو بعيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وإفشاء السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، وإعانة المحتاج، وحضور جماعاتهم، وغير ذلك مما يقدر عليه كل أحد، فإن كان صاحب علم أو

#%ص122%

تسليك في الزهد ونحو ذلك تأكد [25]فضل اختلاطه.

وذهب آخرون إلى تفضيل العزلة، لما فيها من السلامة المحققة، لكن بشرط أن يكون عارفًا بوظائف العبادة [26]التي تلزمه وما يكلف به، والمختار: تفضيل الخلطة لمن لا يغلب على ظنه [27]الوقوع في المعاصي، وبالله التوفيق.

وفي الاستدلال بهذا الحديث للترجمة نظر؛ لأنه لا يلزم من لفظ الحديث عد الفرار دينًا وإيمانًا، بل هو صيانةٌ للدين، فلعلَّ البخاريَّ نظر [28]إلى أنه صيانة للدين [29]، فترجم [30]له هذه الترجمة، والله أعلم.

[1] قوله: ((بها)) ليس في (ع).
[2]زاد في (ت) و(ك): ((بن)).
[3] قوله: ((منهم)) ليس في (ع).
[4] في (ص): ((وروى)).
[5] في (ص): ((النبي)).
[6] في (ع): ((تقيان)).
[7] قوله: ((عبد الله)) ليس في (ك).
[8] قوله: ((فهو عبد الله بن مسلمة)) ليس في (ع).
[9]في (ع): ((يا أهل)).
[10] في (ت) و(ص) و(ع): ((وقمت)).
[11] في (ص): ((وهو)).
[12] في (ت): ((تقولون))، وفي (ك) و(ع): ((تقول)).
[13] في (ت): ((وأوشك)).
[14] في (ك): ((يوشك)).
[15] قوله: ((يتبع)) ليس في (ك).
[16] في (ت): ((الياء)).
[17] قوله: ((وغيرها)) ليس في (ع).
[18] في (ص): ((علم)) .
[19] قوله: ((يكون)) ليس في (ع).
[20] قوله: ((مال)) ليس في (ك).
[21] في (ك): ((للإنسان)).
[22]كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((إما)).
[23] في (ك): ((فذهب)).
[24] كذا في (ز)، وفي النسخ الأربع الأخرى: ((والأكثرون)).
[25] في (ص): ((شهر)).
[26] في (ك): ((العبادات)).
[27] قوله: ((ظنه)) ليس في (ص).
[28] في (ص): ((ينظر)).
[29] قوله: ((للدين)) ليس في (ص).
[30]في (ص): ((وترجم)).
#%ص123%





لا تتوفر معاينة

19# (أبو سعيد): هو سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد، استُصغِر يوم أحد، واستشهد أبوه يوم أحد، رُوِي له ألف حديث ومئة وسبعون حديثًا، اتَّفقا منها على ستَّة وأربعين حديثًا [1] .

قوله: (يُوشِكُ):أي: يُسرِع ويقرب.

قوله: (خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ): يجوز فيه نصب (خير)؛ وهو الأشهر.

قوله: (شَعَفَ الْجِبَالِ): هي رؤوس الجبال.

قوله: (يَفِرُّ بِدِينِهِ): أي: من فساد ذات البين، وخُصَّت الغنم بذلك؛ لما فيها من السَّكينة والبركة، وقد رعاها الأنبياء والصَّالحون صلوات الله عليهم؛ حضًّا على التَّواضع وترك الاستعلاء، وفضل العزلة في أيَّام الفتن؛ لإحراز الدِّين.

[1] في (أ): (حديث).





19- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن مَسلَمة)) ؛ بفتح الميم واللام بينهما مهملة ساكنة: ابن قعنب الحارثي البصري، ذو الدعوة المجابة، المتوفى سنة إحدى وعشرين ومئتين، ((عن مالك)) هو ابن أنس ((عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة)) الأنصاري المازني المدني، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومئة، ((عن أبيه)) عبد الله، ((عن أبي سعيد)) سعد بن مالك بن سنان الخزرجي الأنصاري ((الخُدْري)) ) ؛ بضم الخاء وسكون المهملة: نسبة إلى (خدرة) جده الأعلى أو بطن، المتوفى بالمدينة سنة أربع وستين أو أربع وسبعين، وفي رواية: (رضي الله عنه) : ((أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشِك)) ؛ بكسر المعجمة، قيل: فتحها رديء، من أفعال المقاربة؛ أي: يقرب ((أن يكون خير مال المسلم غنمًا)) بالنصب؛ خبر (يكون) ، وفي رواية: بنصب (خيرَ) خبرًا مقدمًا، ورفع (غنمٌ) اسمًا مؤخرًا، و (الغنم) : اسم مؤنث موضوع للجنس، يقع على الذكور والإناث جميعًا، وعلى الذكور وحدهم، وعلى الإناث وحدهن، فإذا صغرتها؛ ألحقتها الهاء، ((يتَّبع بها)) ؛ بتشديد المثناة الفوقية: (افتعال) من (اتبع اتباعًا) ، ويجوز إسكانها من (تَبِع) بكسر الموحدة (يتبَع) بفتحها؛ أي: يتبع بالغنم ((شَعَفَ)) ؛ بمعجمة فمهملة مفتوحتين: جمع شَعَفة؛ بالتحريك، وهو بالنصب مفعول (يتَّبع) ؛ أي: رؤوس ((الجبال ومواقِعَ)) ؛ بكسر القاف، بالنصب عطف على (شعَفَ) ؛ أي: مواضع نزول ((القطر)) ؛ أي: المطر؛ أي: بطون الأودية والصحارى حال كونه ((يفر بدينه)) ؛ أي: يهرب بسببه أو مع دينه ((من الفتن)) ؛ طلبًا لسلامته لا لقصد دنيوي، فالعزلة في أيام الفتن فضيلة، إلَّا أن يكون الإنسان ممن له قدرة على إزالة الفتنة؛ فإنَّه يجب عليه السعي في إزالتها؛ إما فرض عين أو فرض كفاية بحسب الحال والإمكان، وأما في غير أيام الفتنة؛ فاختلف العلماء في العزلة والاختلاط؛ فقال الشيخ الإمام ركن الدين الكرماني: المختار في عصرنا تفضيل الانعزال؛ لندور خلو المحافل من المعاصي، وقال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: قلت أنا موافق فيما قال: فإن الاختلاط مع الناس في هذا الزمان لا يجلب إلَّا الشرور، انتهى، قلت: بل ينبغي أن يقال: إن العزلة في زماننا واجبة؛ لما يحصل من المعاصي، وارتكاب الآثام، وإباحة المحرمات، وسب الدين الذي يخرج به من الإيمان، وغير ذلك من المنكرات، وقال الشافعي: الأفضل الاختلاط إلا لفقيه لا يسلم دينه بالاختلاط.