إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

رحلته لطلب الحديث وشيوخه

[رحلته لطلب الحديث وشيوخه]
وأمَّا رحلته لطلب الحديث؛ فقال الحافظ ابن حجرٍ: أوَّل رحلته بمكَّة سنة عشْرٍ ومئتين، قال: ولو رحل أوَّل ما طلب لأدرك ما أدركه أقرانه من طبقةٍ عاليةٍ ما أدركها، وإن كان أدرك ما قاربها؛ كيزيد بن هارون، وأبي داود الطَّيالسيِّ، وقد أدرك عبد الرَّزَّاق وأراد أن يرحل إليه، وكان يمكنه ذلك، فقِيلَ له: إنَّه مات، فتأخَّر عن التَّوجه إلى اليمن، ثمَّ تبيَّن أنَّ عبد الرَّزَّاق كان حيًّا، فصار يروي عنه بواسطةٍ، ثمَّ ارتحل بعد أن رجع من مكَّة إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرِّحلة إليها.
وقال الذَّهبيُّ وغيره: وكان أوَّل سماعه سنة خمسٍ ومئتين، ورحل سنة عشرٍ ومئتين بعد أن سمع الكثير ببلده من سادة وقته محمَّد بن سلَامٍ البيكنديِّ، وعبد الله بن محمَّدٍ المسنديِّ، ومحمَّد بن عرعرة [1]، وهارون بن الأشعث، وطائفةٍ، وسمع ببلخٍ من: مكيِّ بن إبراهيم، ويحيى ابن بشر [2] الزَّاهد، وقتيبة، وجماعةٍ، وكان مكيٌّ أحد من حدَّثه عن ثقات التَّابعين، وسمع بمروَ من: عليِّ بن شقيقٍ وعبدان ومعاذ بن أسدٍ وصدقة بن الفضل، وجماعةٍ، وسمع بنيسابور من: يحيى بن يحيى وبشر بن الحكم وإسحاق، وعدة، وبالرَّيِّ من: إبراهيم بن موسى الحافظ وغيره، وببغداد من: محمَّد بن عيسى بن الطَّبَّاع، وسُريج [3] بن النُّعمان، وطائفةٍ، وقال: دخلت على معلى بن منصور ببغداد سنة عشرٍ ومئتين، وسمع بالبصرة من: أبي عاصمٍ النَّبيل، وبدل بن المُحبَّر، ومحمَّد بن عبد الله الأنصاريِّ، وعبد الرَّحمن بن محمَّد بن حمادٍ، وعمرو [4] بن عاصمٍ الكلابيِّ، وعبد الله بن رجاء الغدانيِّ وطبقتهم، وبالكوفة من: عبيد الله ابن موسى وأبي نُعيمٍ [5] وطلق بن غنَّام والحسن بن عطيَّة، وهما أقدم شيوخه موتًا، وخلَّاد بن يحيى وخالد بن مخلدٍ وفروة بن أبي المغراء وقبيصة وطبقتهم، وبمكَّة من: أبي عبد الرَّحمن المقري والحميديِّ وأحمد بن محمَّدٍ الأزرقيِّ وجماعةٍ، وبالمدينة من: عبد العزيز الأويسيِّ ومطرف بن عبد الله وأبي ثابت محمَّد بن عبيد [6] الله وطائفةٍ، وبواسط من: عمرو بن محمَّد بن عون [7] وغيره، وبمصر من: سعيد بن أبي مريم، وعبد الله بن صالحٍ الكاتب، وسعيد بن تليدٍ، وعمرو بن الرَّبيع بن طارقٍ وطبقتهم، وبدمشق من: أبي مسهر شيئًا يسيرًا، ومن أبي النَّضر الفراديسيِّ وجماعةٍ، وبقيساريَّة من: محمَّد بن يوسف الفريابيِّ، وبعسقلان من: آدم بن أبي إياس، وبحمص من: أبي المغيرة وأبي اليمان وعلي بن عيَّاش وأحمد بن خالدٍ الوهبيِّ ويحيى الوحاظيِّ. انتهى. وعن محمَّد بن أبي حاتمٍ عنه أنَّه قال: كتبت عن ألفٍ وثمانين نفسًا ليس فيهم إلَّا صاحبُ حديثٍ، وقال أيضًا: لم أكتب إلَّا عمَّن قال: إنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، وقد حصرهم الحافظ ابن حجرٍ في خمس طبقاتٍ:
الأولى: مَنْ حدَّث عن التَّابعين؛ مثل: محمَّد بن عبد الله الأنصاريِّ حدَّثه عن حميدٍ، ومثل: مكيِّ بن إبراهيم حدَّثه عن يزيد بن أبي عبيدٍ، ومثل: أبي عاصمٍ النَّبيل حدَّثه عن يزيد ابن أبي عبيدٍ أيضًا، ومثل عبيد الله بن موسى حدَّثه عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، ومثل أبي
ج1ص32
نُعيمٍ حدَّثه عن الأعمش، ومثل خلَّاد بن يحيى حدَّثه عن عيسى بن طهمان، ومثل عليِّ بن عيَّاشٍ وعصام بن خالدٍ حدَّثاه عن حريز [8] بن عثمان، وشيوخ هؤلاء كلُّهم من التَّابعين.
الطَّبقة الثَّانية: من كان في عصر هؤلاء لكن لم يسمع من ثقات التَّابعين؛ كآدم بن أبي إياس وأبي مسهرٍ عبد الأعلى بن مسهرٍ، وسعيد بن أبي مريم، وأيُّوب بن سليمان بن بلالٍ، وأمثالهم.
الطَّبقة الثَّالثة: وهي الوسطى من مشايخه وهم من لم يلق التَّابعين، بل أخذ عن كبار تبع الأتباع؛ كسليمان بن حربٍ وقتيبة بن سعيدٍ ونُعيم بن حمَّادٍ وعليِّ بن المدينيِّ ويحيى بن معينٍ وأحمد ابن حنبل وإسحاق بن رَاهُوْيَه وأبي بكرٍ وعثمان ابني أبي شيبة، وأمثال هؤلاء، وهذه الطَّبقة قد شاركه مسلمٌ في الأخذ عنهم.
الطَّبقة الرَّابعة: رفقاؤه في الطَّلب ومن سمع قبله قليلًا؛ كمحمَّد بن يحيى الذُّهليِّ وأبي حاتمٍ الرَّازي ومحمَّد بن عبد الرَّحيم صاعقةٍ وعبد بن حميدٍ وأحمد بن النَّضر وجماعةٍ من نظرائهم، وإنَّما يخرِّج عن هؤلاء ما فاته من [9] مشايخه، أو ما لم يجده عند غيرهم.
الطَّبقة الخامسة: قومٌ في عداد طلبته في السِّنِّ والإسناد سمع منهم للفائدة؛ كعبد الله بن حمَّادٍ الآمليِّ وعبد الله بن أبي القاضي [10] الخوارزميِّ وحسين بن محمَّد القبَّاني وغيرهم وقد روى عنهم أشياء يسيرةً، وعمل في الرِّواية عنهم، بما روى عن عثمان ابن أبي شيبة عن وكيعٍ قال: لا يكون الرَّجل عالمًا حتَّى يحدِّث عمَّن هو فوقه، وعمَّن هو مثله، وعمَّن هو دونه. انتهى.
وعن البخاريِّ أنَّه قال: لا يكون المحدِّث كاملًا حتَّى يكتب عمَّن هو فوقه، وعمَّن هو مثله، وعمَّن هو دونه. انتهى.
وقال التَّاج السُّبكيُّ: وذكره _يعني: البخاريَّ_ أبو عاصمٍ في «طبقات أصحابنا الشَّافعيَّة». وقال: إنَّه سمع من الزَّعفرانيِّ وأبي ثورٍ والكرابيسيِّ، قال: ولم يروِ عن الشَّافعيِّ في الصَّحيح؛ لأنَّه أدرك أقرانه، والشَّافعيُّ مات كهلًا، فلا يرويه نازلًا. وروى عن الحسين وأبي ثورٍ مسائل عن الشَّافعيِّ، وما برح _رحمه الله تعالى_ يدأب ويجتهد حتَّى صار أَنْظَرَ أهل زمانه، وفارس ميدانه، والمقدَّم على أقرانه، وامتدَّت إليه الأعين، وانتشر صيته في البلدان، ورُحِلَ إليه من كلِّ مكانٍ.
ج1ص33


[1] في (ص) و (م): «عزيز»، وهو تحريفٌ.
[2] في (م): «بشير»، وهو تحريفٌ.
[3] في (ب) و (س): «شريح»، وهو تحريفٌ.
[4] في (ب) و (س): «عمر»، وهو تحريفٌ.
[5] في (ص): «عبيد» وليس بصحيحٍ.
[6] في (ب) و (د) و (س): «عبد»، وهو تحريفٌ.
[7] في (د): «عوف»، وهو تحريفٌ.
[8] في غير (د): «جرير»، وهو تصحيفٌ.
[9] في غير (ص): «عن».
[10] في غير (ب) و (س): «العاصي»، وهو تحريفٌ.