إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

في بيان بديع تراجمه

[في بيان بديع تراجمه]
وأمَّا بيان موضوعه، وتفرُّده بمجموعه، وتراجمه البديعة المثال، المنيعة المنال؛ فاعلم أنَّه رحمه الله تعالى قد التزم مع صحَّة الأحاديث استنباطَ الفوائد الفقهيَّة، والنُّكت الحكميَّة، فاستخرج بفهمه الثَّاقب من المتون معانيَ كثيرةً، فرَّقها في أبوابه بحسب المُناسَبة، واعتنى فيها بآيات الأحكام، وانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارات إلى تفسيرها السُّبل الوسيعة [1]، ومن ثمَّ أخلى كثيرًا من الأبواب عن ذكره [2] إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: فلانٌ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك، وقد يذكر المتن بغير إسنادٍ، وقد يورده معلَّقًا؛ لقصد الاحتجاج لما ترجم له، وأشار للحديث؛ لكونه معلومًا أو سبق قريبًا، ويقع في كثيرٍ من أبوابه أحاديثُ كثيرةٌ، وفي بعضها حديثٌ واحدٌ، وفي بعضها آيةٌ من القرآن فقط، وبعضها لا شيءَ فيه البتَّة، وقد وقع في بعض نسخ الكتاب ضمُّ بابٍ لم يُذكَر فيه حديثٌ، إلى حديثٍ لم يُذكَر فيه بابٌ، فاستشكله بعضهم، لكن أزال الإشكال الحافظ أبو ذرٍّ الهرويُّ بما رواه عن الحافظ أبي إسحاق [3] المُستملي، ممَّا ذكره أبو الوليد الباجيُّ _بالموحَّدة والجيم_ في كتابه: «أسماء رجال البخاري»، قال: استنسخت كتاب البخاريِّ من أصله الذي كان عند الفرَبْريِّ، فرأيت أشياء لم تتمَّ وأشياء مُبيَّضةً، منها تراجمُ لم يُثْبت بعدها شيئًا، وأحاديث [4] لم يُترجم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعضٍ. قال الباجيُّ: وممَّا يدلُّ على صحَّة ذلك، أنَّ رواية المُستملي والسَّرخسيِّ والكُشْمِيهَني وأبي زيدٍ [5] المروزيِّ مختلفةٌ بالتَّقديم والتَّأخير، مع أنَّهم انتسخوها [6] من أصلٍ واحدٍ، وإنَّما ذلك بحسب ما قد
رأى كلُّ واحدٍ منهم فيما كان
ج1ص23
في [7] طرَّةٍ أو رقعةٍ مضافةٍ أنَّه من موضعٍ ما، فأضافها إليه، ويبيِّن ذلك أنَّك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متَّصلةً ليس بينها أحاديثُ. قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذه قاعدةٌ حسنةٌ يُفزَع إليها [8]، حيث يتعسَّر [9] الجمع بين الترجمة والحديث، وهي مواضعُ قليلةٌ. انتهى. هذا الذي قاله الباجيُّ فيه نظرٌ؛ من حيث إنَّ الكتاب قُرِئَ على مؤلِّفه، ولا ريب أنَّه لم يُقرَأ عليه إلَّا مُرَتَّبًا مُبوَّبًا، فالعبرة بالرِّواية، لا بالمُسوَّدة التي ذكر صفتها، ثمَّ إنَّ التَّراجم الواقعة فيه تكون ظاهرةً وخفيَّةً، فالظَّاهرة: أن تكون التَّرجمة دالَّةً بالمُطابَقة لما يورده في مضمَّنها، وإنَّما فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك الباب من غير اعتبارٍ لمقدار تلك الفائدة، كأنَّه يقول: هذا الباب الذي فيه كيت وكيت. وقد تكون التَّرجمة بلفظ المُترجَم له أو ببعضه أو بمعناه، وقد يأتي من ذلك ما يكون في لفظ التَّرجمة احتمالٌ لأكثرَ من معنىً واحدٍ، فيعيِّن أحد الاحتمالين بما يذكره تحتها من الحديث، وقد يوجد فيه عكس ذلك؛ بأن يكون الاحتمال في الحديث، والتَّعيين [10] في التَّرجمة، والتَّرجمة هنا بيانٌ لتأويل ذلك الحديث، نائبةٌ مناب قول الفقيه مثلًا: المراد بهذا الحديث العامِّ الخصوصُ، أو بهذا الحديث الخاصِّ العمومُ؛ إشعارًا بالقياس؛ لوجود العلَّة الجامعة، أو أنَّ ذلك الخاصَّ المراد به ما هو أعمُّ ممَّا يدلُّ عليه ظاهره بطريق الأعلى أو الأدنى، ويأتي في المُطلَق والمُقيَّد نظير ما ذكر في العامِّ والخاصِّ، وكذا في شرح المُشكِل، وتفسير الغامض، وتأويل الظَّاهر، وتفصيل المُجمَل، وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم «البخاريِّ»؛ ولذا اشتُهِر من قول جمعٍ من الفضلاء: فقه البخاريِّ في تراجمه، وأكثر ما يفعل ذلك إذا لم يجد حديثًا على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد الذي يترجم به، ويستنبط الفقه منه، وقد يفعل ذلك لغرض شحذ الأذهان في إظهار مُضمَره واستخراج خَبِيئه، وكثيرًا ما يفعل ذلك، أي هذا الأخير حيث يذكر الحديث المفسِّر لذلك في موضعٍ آخرَ متقدِّمًا أو متأخِّرًا، فكأنَّه يُحيلُ عليه ويومئ بالرَّمز والإشارة إليه، وكثيرًا ما يترجم بلفظ الاستفهام، كقوله: باب هل يكون كذا؟ أو: من قال كذا؟ ونحو ذلك. وذلك حيث لا يتَّجه له الجزم بأحد الاحتمالين، وغرضه: بيان هل ثبت ذلك الحكم أو لم يثبت، فيترجم على الحكم ومـــراده ما يُفسَّر [11] بَعْدُ من إثباته أو نفيه، أو أنَّه محتملٌ لهما، وربمَّا كان أحد المُحتمَلين أظهر، وغرضه أن يبقيَ للنَّاظر مجالًا، وينبِّه على أنَّ هناك احتمالًا أو تعارضًا يوجب التَّوقُّف حيث يعتقد أنَّ فيه إجمالًا، أو يكون المدرَك مختلفًا في الاستدلال به، وكثيرًا ما يترجم بأمرٍ ظاهرٍ قليل الجدوى، لكنَّه إذا تحقَّقه المتأمِّل أجدى؛ كقوله: «باب قول الرجل: ما صلَّينا»، فإنَّه أشار به إلى الرَّدِّ على من كره ذلك، وكثيرًا ما يترجم بأمرٍ يختصُّ ببعض الوقائع لا يظهر في بادئ الرَّأي؛ كقوله: «باب استياك الإمام بحضرة رعيَّتِه»؛ فإنَّه لمَّا كان الاستياك قد يُظَنُّ أنَّه من أفعال المهنة، فلعلَّ أن يُظَنَّ أنَّ إخفاءه أولى مراعاةً للمروءة، فلمَّا وقع في الحديث: أنَّه صلى الله عليه وسلم استاك بحضرة الناس دلَّ على أنَّه من باب التَّطيُّب، لا من الباب الآخر، نبَّه على ذلك ابن دقيقٍ العيد. قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أرَ هذا في «البخاريِّ»، فكأنَّه ذكره على سبيل المثال.
وكثيرًا ما يترجم بلفظٍ يومئ إلى معنى حديثٍ لم يصحَّ على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحًا في التَّرجمة، ويورد في الباب ما يؤدِّي معناه تارةً بأمرٍ ظاهرٍ، وتارةً بأمرٍ خفيٍّ، من ذلك قوله: «باب الأمراء من قريش»، وهذا لفظ حديثٍ يُروَى عن عليٍّ، وليس على شرط البخاريِّ، وأورد فيه حديث: «لا يزال والٍ من قريش» [12]، وربَّما اكتفى أحيانًا بلفظ التَّرجمة التي هي لفظ حديثٍ لم يصحَّ على شرطه، وأورد معها أثرًا أو آيةً، فكأنَّه يقول: لم يصحَّ في الباب شيءٌ على شرطي، وللغفلة عن هذه المقاصد الدَّقيقة اعتقد مَن لم يمعن النَّظر أنَّه ترك الكتاب بلا تبييضٍ، وبالجملة؛ فتراجمه حيَّرت الأفكار، وأدهشت العقول والأبصار، ولقد أجاد القائل: [من الكامل]
~ أعيا فحولَ العلم حَلُّ رموز ما أبداه في الأبوابِ من أسرارِ [13]
وإنمَّا بلغت هذه المرتبة، وفازت بهذه المنقبة؛ لما رُوِيَ أنَّه بيَّضها بين قبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
ج1ص24
ومنبره، وأنَّه كان يصلِّي لكلِّ ترجمةٍ ركعتين.
ج1ص25


[1] في (م): «الواسعة».
[2] في (ب) و (س): «ذكره إسنادًا لحديث».
[3] في (م): «إسماعيل».
[4] في (ص): «وأشياء».
[5] في (ص) و (م): «ذرٍّ»، وهو تحريفٌ.
[6] في (ب) و (س): «استنسخوها».
[7] في (ص): «من».
[8] في (م): «يفرع عليها».
[9] في (ص): «يتعذَّر».
[10] في (م): «والتَّعبير»، وفي (ص): «التَّبيين».
[11] في (د): «ما يتفسَّر»، وفي (ص): «ما تيسَّر».
[12] هكذا ورد في الأصول، ولفظ البخاري: لا يزال هذا الأمر في قريش.
[13] في (ل): «أستار».