إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

في المفاضلة بين الصحيحين

[في المفاضلة بين الصحيحين]
وقد اتَّفق الأمَّة على تلقِّي «الصَّحيحين» بالقبول، واختُلِف في أيِّهما أرجح؟ وصرَّح الجمهور بتقديم «صحيح البخاريِّ»، ولم يوجد عن أحدٍ التَّصريح بنقيضه وأمَّا ما نُقِلَ عن أبي عليٍّ النَّيسابوريِّ أنَّه قال: ما تحت أديم السَّماء أصحُّ من كتاب «مسلم»؛ فلم يصرِّح بكونه أصحَّ من «صحيح البخاريِّ»؛ لأنَّه إنَّما نفى وجود كتابٍ أصحَّ من كتاب «مسلمٍ»؛ إذ المنفيُّ إنَّما هو ما تقتضيه صيغة «أَفْعَلَ» من زيادة صحَّةٍ في كتابٍ شارك كتاب «مسلم» في الصِّحَّة، يمتاز بتلك الزِّيادة عليه، ولم ينفِ المساواة. وكذلك ما نُقِلَ عن بعض المغاربة: أنَّه فضَّل «صحيح مسلمٍ» على «صحيح البخاريِّ»؛ فذلك فيما يرجع إلى حسن السِّياق، وجودة الوضع والتَّرتيب، ولم يُفصِح أحدٌ بأنَّ ذلك راجعٌ إلى الأصحِّيَّة، ولو صرَّحوا به؛ لردَّ عليهم شاهد الوجود، فالصِّفات التي تدور عليها الصِّحَّة في كتاب «مسلم» أتمُّ منها في كتاب «البخاريِّ» وأشدُّ، وشرطه فيها أقوى وأسدُّ.
أمَّا رجحانه من حيث الاتِّصال؛ فلاشتراطه أنْ يكون الرَّاوي قد ثبت له لقاء مَنْ روى عنه ولو مرَّةً، واكتفى مسلمٌ بمطلق المعاصرة، وألزم البخاريَّ بأنَّه يحتاج ألَّا يقبل المُعنعَن أصلًا، وما ألزمه به فليس بلازمٍ؛ لأنَّ الراوي إذا ثبت له اللِّقاء مرَّةً لا يجري في روايته احتمال ألَّا يكون سمع؛ لأنَّه يلزم من جريانه أن يكون مدلِّسًا، والمسألة مفروضةٌ في غير المدلِّس، وأمَّا رجحانه من حيث العدالة والضَّبط فلأنَّ الرِّجال الذين تُكلِّم فيهم من رجال مسلمٍ أكثر عددًا من الذين تُكلِّم فيهم من رجال البخاريِّ، مع أنَّ البخاريَّ لم يكثر من إخراج حديثهم، بل غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم ومارس حديثهم، وميَّز جيِّدها من موهومها، بخلاف مسلمٍ، فإنَّ أكثر من تفرَّد بتخريج حديثه ممَّن تكلِّم فيه ممَّن تقدَّم عصره من التَّابعين ومن بعدهم، ولا ريب أنَّ المحدِّث أعرف بحديث شيوخه ممَّن تقدَّم عنهم. وأمَّا رجحانه من حيث عدم الشُّذوذ والإعلال
ج1ص20
فلأنَّ ما انتُقِد على البخاريِّ من الأحاديث أقلُّ عددًا ممَّا انتُقِد على مسلمٍ.
ج1ص21