إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

كتاب الإكراه

((89)) (كتاب الإِكْرَاهِ) بكسر الهمزة وسكون الكاف، وهو إلزامُ الغير بما [1] لا يريدُه.
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة النَّحل، و«قول» بالجر عطفًا على سابقهِ، وسقطَتْ الواو لغير أبي ذرٍّ مع الرفع على الاستئناف ({إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ}) استثناء ممَّن كفر بلسانهِ في قولهِ: {مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ} ووافقَ المشركين بلفظه مكرهًا لما نالَه من الضَّرب والأذى ({وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ}) ساكنٌ ({بِالإِيمَانِ}) بالله ورسولهِ. وقال ابنُ جرير عن عبد الكريم [2] الجزريِّ [3]، عن أبي عُبيدة محمَّد بن عمَّار بن ياسر قال: أخذَ المشركون عمَّار بن ياسرٍ فعذَّبوه حتَّى قاربهم في بعضِ ما أرادوا، فشكا ذلكَ إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «كيف تجد قلبَك»؟ قال: مطمئنًا بالإيمان، قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنْ عادوا فعدْ»، ورواه البيهقيُّ بأبسط من هذا، وفيه أنَّه سب النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وذكر آلهتهم بخيرٍ، وأنَّه قال: يا رسولَ الله ما تُرِكت حتَّى سببتُكَ وذكرتُ آلهتَهم بخيرٍ [4]، قال: «كيف تجدُ قلبَك»؟ قال: مُطمئنًا بالإيمان، قال: «إن عادوا فعُدْ». وفي ذلك أنزلَ الله: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] ومن ثمَّ اتَّفق على أنَّه
ج10ص89
يجوزُ أن يوافق [5] المكرَه على الكفرِ إبقاءً لمُهجتهِ، والأفضلُ والأولى أن يثبتَ المسلمُ على دينهِ ولو أفضَى إلى قتلهِ.
وعند ابنِ عساكرَ في ترجمة عبد الله بنِ حذافة السَّهميِّ أحد الصَّحابة رضي الله عنهم أنَّه أسرته الرُّوم فجاؤوا به إلى ملكِهم، فقال له: تنصَّر وأنا أشركُك في مُلكي وأزوِّجك ابنتِي، فقال له: لو أَعْطيتني جميعَ ما تملك وجميعَ ما تملكه [6] العرب على أن أرجعَ عن دين محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم طرفةَ عين ما فعلتُ، فقال: إذًا أقتلك، قال: أنت وذاك، قال: فأمرَ به فصلبَ وأمر الرُّماة فرموهُ قريبًا من يديهِ ورجليهِ وهو يعرضُ عليه دين النَّصرانيَّة فيأبى، ثمَّ أمر به فأُنزل ثمَّ أمر بقدرٍ _وفي رواية: ببقرةٍ [7] من نحاس_ فأحميتْ وجاء بأسيرٍ من المسلمين فألقاهُ، وهو ينظرُ فإذا هو عظام [8] تلوحُ وعرض عليه فأبى، فأمرَ به أن يلقى فيها، فرفع في البكرةِ ليُلقى فيها فبَكى فطمعَ فيه ودَعاه فقال: إنِّي إنَّما بكيتُ؛ لأنَّ نفسي إنَّما هي نفس واحدةٌ تُلقى في هذا القدر السَّاعة في الله، فأحببتُ أن يكون لي بعددِ كلِّ شعرةٍ في جسدِي نفس تعذَّب هذا العذاب في اللهِ، وروي أنَّه قبَّل رأسهُ وأطلقَه وأطلقَ معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلمَّا رجع، قال عمرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه: حقٌّ على كلِّ مسلمٍ أن يقبِّل رأس عبد الله بنِ حُذافة وأنا أبدأ، فقام فقبَّل رأسه.
({وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا}) أي: طاب نفسًا واعتقدَه ({فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106] ) في الدَّار [9] الآخرة؛ لأنَّهم ارتدُّوا عن الإسلام للدُّنيا.
(وقال) جلَّ وعلا في سورة آل عمران: ({إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران: 28] ) قال البخاريُّ: أخذًا من كلام أبي عُبيدة (وَهْيَ تَقِيَّةٌ) أي: إلَّا أن تخافوا من جهةِ الكافرين أمرًا تخافون، أي: إلَّا أن يكون للكافرِ عليك سُلطان فتخافه على نفسِك ومالكِ، فحينئذٍ يجوزُ لك إظهار الموالاةِ وإبطان المعاداة.
(وَقَالَ) تعالى في سورة النِّساء: ({إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ}) ملك الموت وأعوانه و{تَوَفَّاهُمُ} ماض أو مضارعٌ أصله تتوفَّاهم حذفت ثانية تاءيه ({ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ}) حال من ضمير المفعول في {تَوَفَّاهُمُ} أي: في حال ظلمِهم أنفسهم بالكفرِ وترك الهجرةِ ({قَالُوا}) أي: الملائكةُ توبيخًا لهم: ({فِيمَ كُنْتُمْ}) في أيِّ شيءٍ كنتم من أمرِ [10] دينكم ({قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ}) عاجزين عن الهجرةِ ({فِي الأَرْضِ} [النساء: 97] ) أرض مكَّة أو عاجزين عن إظهارِ الدِّين وإعلاء كلمتهِ (إِلَى قولهِ: {وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75] ) كذا في رواية كريمةَ والأَصيليِّ والقابسيِّ، ولا يخفى ما فيه من التَّغيير؛ لأنَّ قوله: {وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} من آيةٍ أُخرى متقدِّمة على الآيةِ المذكورة، والصَّواب ما وقع في رواية أبي ذرٍّ: ((إلى قولهِ: {عَفُوًّا غَفُورًا})) [النساء: 99] أي: لعبادِه قبل أن يخلقَهم. وقال تعالى: {والْمُسْتَضْعَفِينَ} مجرورٌ بالعطفِ على {فِي سَبِيلِ اللهِ} أي: في سبيل الله وفي خلاصِ المستضعفين، أو منصوبٌ على الاختصاص، أي: واختَصَّ من سبيل الله خلاصَ المستضعفين؛ لأنَّ سبيلَ الله عامٌّ في كلِّ خيرٍ، وخلاصُ المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفَّار من أعظمِ الخيرِ وأخصِّه، والمستضعفون هم الَّذين أسلموا بمكَّة وصدَّهم المشركون عن الهجرةِ، فبقوا بين أيدِيهم مُستضعفين يلقون منهم الأذَى الشَّديد {مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} بيان للمُستضعفين، وإنَّما ذكر: {الْوِلْدَانِ} مبالغة في الحثِّ وتنبيهًا على تَناهي ظلم المشركين بحيثُ بلغ أذاهم الصِّبيان إرغامًا لآبائهم وأمَّهاتهم، وعن ابن عبَّاس: كنتُ أنا وأمِّي من المستضعفين من النِّساء والولدان الَّذين يقولون: ربَّنا أخرجنَا من هذه القريةِ _مكَّة [11]_ الظَّالم أهلها، الظَّالم وصف للقريةِ إلا أنَّه مُسْنَد إلى أهلِها، فأعطي إعرابَ القرية؛ لأنَّه صفتُها {وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [النساء: 75] يتولَّى أمرنَا ويستنقذْنَا من أعدائنَا {وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75] ينصرنا عليهم، فاستجابَ الله تعالى دُعاءهم بأن يسَّر لبعضِهم الخروج إلى المدينةِ، وجعلَ لمن بقيَ منهم وليًّا وناصرًا، ففتح مكَّة على نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم فتولَّاهم [12] ونصرهم، ثمَّ استعمل عليهم [13] عتَّاب بن أُسَيد فحمَاهم ونصرَهم حتَّى صاروا أعزَّ أهلها (فَعَذَرَ اللهُ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَرْكِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ) إلَّا إن غلبوا (وَالْمُكْرَهُ) بفتح الراء (لَا يَكُونُ إِلَّا مُسْتَضْعَفًا) بفتح العين (غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ) بضم الهمزة. قال الكِرْمانيُّ: غرضه أنَّ المستضعف لا يقدرُ على الامتناعِ من التَّرك فهو تاركٌ لأمر الله [14] وهو معذورٌ، فكذلك المكرَه لا يقدرُ على
ج10ص90
الامتناعِ من الفعل، فهو فاعل لأمر المكرِه فهو معذورٌ، أي: كلاهما عاجزان.
(وَقَالَ الْحَسَنُ) البصريُّ فيما وصله ابنُ أبي شيبة عن وكيع عن هشام عنه: (التَّقِيَّةُ) ثابتةٌ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) لا تختصُّ بعهدهِ صلَّى الله عليه وسلَّم [15].
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما فيما وصله ابنُ أبي شيبة: (فِيمَنْ يُكْرِهُهُ اللُّصُوصُ) بضم التحتية وكسر الراء، على طلاق امرأتهِ (فَيُطَلِّقُـ)ـها: (لَيْسَ بِشَيْءٍ) فلا يقع طلاقُه (وَبِهِ) بعدم الطَّلاق في ذلك (قَالَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (وَابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله، وقد أخرجها الحميديُّ في «جامعه»، والبيهقيُّ من طريقهِ (وَالشَّعْبِيُّ) عامرُ بن شراحيل فيما وصله عبد الرَّزَّاق بسندٍ صحيحٍ عنه (وَالْحَسَنُ) البصريُّ فيما وصلَه سعيدُ بن منصور (وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فيما وصلَه [16] في «الأيمان» بفتح الهمزة [خ¦6689] (الأَعْمَالُ) بدون «إنَّما» (بِالنِّيَّةِ) بالإفراد، فالمكرَه لا نيَّة له على ما أُكره عليه بل نيَّته عدمُ الفعل.
ج10ص91


[1] في (د): «ما».
[2] في (د): «عبد الملك».
[3] في (ص): «الجوزي».
[4] «وأنَّه قال: يا رسولَ الله؛ ما تُرِكت حتَّى سببتُكَ وذكرتُ آلهتَهم بخير»: ليس في (د).
[5] في (س) و(ص) و(ل): «يواتي».
[6] في (س): «تملك».
[7] في (ل): «بنقرة».
[8] في (ص): «عظم».
[9] في (د): «في الدنيا و».
[10] «أمر»: ليست في (ب).
[11] «مكة»: ليست في (س).
[12] في (د): «فوالاهم»، وفي (ع): «فولاهم».
[13] في (ص): «منهم».
[14] في (د): «أي: ترك نصر الله».
[15] «لا تختص بعهده صلَّى الله عليه وسلَّم»: ليست في (د).
[16] في (د) زيادة: «المؤلف».