متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

48- وبالسَّند السَّابق إلى المصنِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ)؛ بالعينين والرَّاءين المُهمَلات، غير منصرفٍ؛ للعلميَّة والتَّأنيث، ابن البِرِنْد؛ بكسر المُوحَّدة والرَّاء، أو بفتحهما وبسكون النُّون، البصريُّ، المُتوفَّى سنة ثلاث عشْرةَ ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنْ زُبَيْدٍ)؛ بضمِّ الزَّاي وفتح المُوحَّدة، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخرُه دالٌ مُهملَةٌ، ابن الحارث بن عبد الكريم، اليامِيِّ _بالمُثناَّة التَّحتيَّة، وميمٍ خفيفةٍ مكسورة_ الكوفيِّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئةٍ، (قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ)؛ بالهمز بعد الألف، شقيق بن سلمة الأسديَّ، أسد خزيمة، الكوفيَّ التَّابعيَّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وتسعين أو سنة اثنتين وثمانين، (عَنِ) المقالة المنسوبة للطَّائفة (الْمُرْجِئَةِ)؛ بضمِّ الميم، وكسر الجيم، ثمَّ همزةٍ؛ نسبةً إلى الإرجاء؛ أي: التَّأخير؛ لأنَّهم أخَّروا الأعمال عن الإيمان؛ حيث زعموا أنَّ مرتكب الكبيرة غير فاسقٍ، هل هم مصيبون فيها أو مخطئون؟ (فَقَالَ) أبو وائلٍ في جوابه لزُبَيْدٍ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ رضي الله عنه (أَنَّ)؛ أي: بأنَّ (النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: سِبَابُ)؛ بكسر السِّين المُهمَلَة، وتخفيف المُوحَّدة، مصدرٌ مُضَافٌ للمفعول؛ أي: شتم (الْمُسْلِمِ)، والتَّكلُّم في عِرْضه بما يعيبه ويؤلمه (فُسُوقٌ)؛ أي: فجورٌ وخروجٌ عن الحقِّ، ويحتمل أن يكون على بابه من «المُفاعَلَة»؛ أي: تشاتمهما فسوقٌ، (وَقِتَالُهُ)؛ أي: مقاتلته (كُفْرٌ)؛ أي: فكيف يُحكَم بتصويب قولهم: إنَّ مرتكبَ الكبيرة غيرُ فاسقٍ، مع حكم النبيِّ صلى الله عليه وسلم على من سبَّ المسلم بالفسق، ومن قاتله بالكفر؟ وقد عُلِمَ بهذا خطؤهم، ومُطابقة جواب أبي وائلٍ لسؤال زُبَيْدٍ عنهم، وليس المُرَاد بالكفر هنا حقيقته التي هي: الخروج عن الملَّة، وإنَّما أطلق عليه الكفر؛ مُبالَغَةً في التحذير، معتمدًا على ما تقرَّر من القواعد على عدم كفره بمثل ذلك، أو أطلقه عليه؛ لشبهه به؛ لأنَّ قتال المسلم من شأن الكافر، أو المُرَاد: الكفر اللُّغويُّ؛ وهو: السَّتر؛ لأنَّه بقتاله له سَتَرَ ما له عليه من حقِّ الإعانة، والنُّصرة وكفَّ الأذى.

وفي هذا الحديث: تعظيمُ حقِّ المسلم، والحكم على من سبَّه بالفسق، ورجاله كلُّهم أئمَّةٌ أَجِلَّاء، ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، مع التَّحديث إفرادًا وجمعًا، والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦6044] ، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «المُحارَبَة».


إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

48-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ، قالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ، عن زُبَيْدٍ، قالَ: سَأَلْتُ أَبا وائلٍ عن المُرْجِئَةِ [1] فقالَ:

حدَّثني عَبْدُ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتالُهُ كُفْرٌ».

[1] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«المُرْجِيَةِ».





48- ( عَرْعَرَةَ ) بعينين وراءين مهملات.

( زُبَيْدٍ ) بزاي مضمومة ثم باء موحدة ثم ياء مثناة آخر الحروف.

( الْمُرْجِئَةِ ) بتشديد الياء [1] ، مع الهمز وتركه، قاله الجوهري [2] .

( سِبَابُ الْمُسْلِمِ ) بكسر السين: مصدر سبَّ سبًّا وسبابًا: شتم، وفسَّره الراغب بالشتم الوجيع.

[1] أي: المُرْجِيَّةُ، وإلَّا فلا تشديد مع الهمز.
[2] هكذا في ( ت )، وفي غيرها: «قاله الزمخشري».
جاء في هامش [ب] : أي فيقال: مرجئيَّة، بتشديد الياء بعد الهمز، نسبة للمرجئ مع كونه جمعًا، ومرجية بالتشديد من غير همز، نعم يكون المصنف قد أسقط المشهور فيها، وهو مرجيئة، بوزن مرجعية، وقد ذكرها الجوهري وغيره.
قال محب الدين البغدادي: قوله: ( المرجئة ) بتشديد الياء مع الهمز وتركه، قاله الجوهري. المرجئة مثل المرجعة يقال: رجل مرجئ مثل مرجع، والنسبة إليه مرجئي مثال مرجعي، هذا إذا همزت فإذا لم تهمز قلت: مُرجٍ مثل مُعطٍ، وهم المرجِّيَة بالتشديد؛ لأن بعض العرب تقول: أرجيت وأخطيت وتوضيت فلا يهمز، انتهى. [/ج1ص45/]





48# (عَرْعَرَةَ) بعينين مفتوحتين ورائين أولاهما ساكنة، وكلاهما [1] مهملة [2] .

(زُبَيْدٍ) بزاي مضمومة وباء موحدة ومثناة [3] من تحت، وليس هو في «الصحيحين» إلا كذلك.

(سِبَابُ الْمُسْلِمِ) بكسر السين، مصدرُ سَبَّ؛ أي: شتمَ، وفسَّره الراغب بالشَّتم الوجيع.

(وَقِتَالُهُ) يحتمل ما يؤدي إلى إزهاق نفسه، أو تناوله

@%ج1ص65%

باليد من غير قتل [4] ، كما ورد في المار بين يدي المصلي ((فَلْيُقَاتِلْهُ [5] )).

(كُفْرٌ) أي: كفر لِحَقِّه [6] ، وليس المراد به ما يُخرج [7] عن الإسلام، وقيل: المراد: قتاله بغير حقٍّ، مع استحلالِ ذلك، فالكفرُ على بابه [8] ، وصُحِّح الأولُ؛ إذ به يحصلُ الزجر عن انتهاك حُرمة المسلم، فهو أكثرُ فائدةً.

[1] في (م) و(ج) و(ق): ((وكليهما)).
[2] في (د) و(ج): ((مهمل)).
[3] في (ق): ((وياء مثناة)).
[4] في (د) و(ق): ((قتال)).
[5] في (د) و(ج): ((فليقاتل)).
[6] في (د): ((بحقه)).
[7] في (ق): ((يخرجه)).
[8] في (م) و(ج) و(د): ((فالكفر بابه)).





48- قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ): هو بفتح العينينِ المهملتين، وراءين؛ الأُولى ساكنة، ابنُ البِرِنْد -بموحَّدة، ثمَّ راء، مكسورتين، ويقال: بفتح الباء، وفي كلام بعض الناس: أنَّه بفتح الباء والراء، والكسرُ أصحُّ وأشهر، ثمَّ نون ساكنة، ثمَّ دال مهملة- ابنِ النُّعمان القرشيُّ السَّاميُّ -بمهملة- إلى سامةَ بنِ لُؤيٍّ، روى عن شعبةَ، وعُمرَ بن أبي زائدةَ، وطائفةٍ، وعنه: البخاريُّ، وبُنْدَارٌ، والكَجِّيُّ، تُوفِّي سنةَ (213 هـ ) ، أخرج له مع البخاريِّ مسلمٌ وأبو داودَ، قال أبو حاتم: (ثقةٌ صدوقٌ) ، وقال النَّسائيُّ: (ليس به بأس) [1] .

قوله: (عَنْ زُبَيْدٍ): هو بزايٍّ مضمومةٍ، ثمَّ موحَّدةٍ مفتوحة، ثمَّ مُثنَّاة تحتُ، وهو زُبَيْد بن الحارث بن عبد الكريم الياميُّ، ويام؛ بطنٌ مِن هَمْدان، ويقال: الأياميُّ، الكوفيُّ، قال يحيى القطَّان: (ثَبْتٌ) ، وقال أبو حاتم وغيرُه: (ثقةٌ) ، مات سنةَ (122 هـ ) ، وقيل: سنةَ أربعٍ، أخرج له الجماعةُ [2] .

فائدة: زُبَيْد هذا تقدَّم ضبطُه، ولهم زيَيْد -بضمِّ الزاي وكسرها أيضًا، وفتح المُثنَّاة تحت، بعدَها مُثنَّاةٌ أُخرى ساكنة- ابنُ الصلت بن مَعدي كرب الكِنديُّ، له ذِكْرٌ في «الموطَّأ» من رواية: هشام بن عُروة عنه أنَّه قال: (خرجتُ مع عمرَ بن الخطَّاب إلى الجُرف [3] ، فنظر فإذا هو قد احتلم وصلَّى...) وذكر القِصَّة، ورَوى مالكٌ في «الموطَّأ» أيضًا: عنِ الصَّلْتِ بن زُيَيْدٍ عن غير واحدٍ من أهله: أنَّ عمر بن الخطَّاب وجدَ ريحَ طِيبٍ وهو بالشجرة وإلى جنبه كثيرُ بنُ الصلت، قال عمر: ممَّن هذا الطيب؟...؛ فذكر القِصَّة، قال عبدُ الغنيِّ بن سعيد: (إنَّ الصلتَ بنَ زُيَيْد هو زُيَيْد بن الصَّلت المتقدِّم) ، وحَكى ابنُ الحذَّاء قولين آخرين فيهما بُعدٌ، والصلتُ بنُ زُيَيْد هذا وُلِّي قضاء المدينة [4] ، وأمَّا قولُ ابنِ الحذَّاء: (إنَّ أباه زُيَيْد بن الصلت كان قاضي المدينة في زمان هشام بن عبد الملك) ؛ فوهمٌ منه، وهذا ليس له ذكر في «البخاريِّ» و«مسلم»، بل ولا في بقيَّة الكتب السِّتَّة راوٍ يُقال له: زُيَيْد؛ بمُثنَّاة تحتُ مكرَّرة، بل ولا راوٍ اسمُه [5] (زُبَيد) ؛ بموحَّدة إلَّا الأياميَّ المذكور، وفيها أبو زُبَيد كنيةُ عَبْثَر بن القاسم، وثَّقه ابنُ مَعينٍ وأحمدُ، وقال أبو داود: (ثقةٌ ثقةٌ) [6] .

قوله: (أَبَا وَائِلٍ [7] ): هو شقيقُ بن سلَمة -بفتح اللَّام- الأسديُّ، مخضرمٌ، سمع عمرَ، ومعاذًا، وعبدَ الله بن مسعود، وعنه: منصورٌ، والأعمش، قال: (أدركتُ سبعَ سِنينَ مِن سِنِيِّ الجاهليَّة) ، أخرج له الجماعة، قال ابن معينٍ: (ثقةٌ) ، تُوفِّي سنة (82 هـ ) ، وكان مِنَ العلماء العاملين [8] .

تنبيهٌ: المخضرمون ذكرتُهم في مؤلَّفٍ مفردٍ؛ فسارع إليه إن أردته.

قوله: (عَنِ الْمُرْجِئَةِ): هم قومٌ مبتدعةٌ يقولون: لا تضُرُّ الذنوب مع الإيمان، ولا يدخلُ مؤمنٌ النار وإنْ كان مذنبًا، وهم في الإيمان صِنفان؛ صنفٌ يقولون: إنَّ [9] الإيمان تصديقُ القلب فقط، وصنفٌ يقولون: الإيمان قولٌ باللِّسان وتصديقٌ بالقلب، وغَلَا منهم غالون فقالوا: هو الإقرارُ باللسان فقط.

تنبيهٌ: قد نقل أبو محمَّدِ ابنُ حزم الحافظُ الظاهريُّ: (قال ابنُ كَرَّام -يعني: محمَّد بن كَرَّام السجستانيُّ العابدُ المتكلِّمُ، شيخُ الكرَّاميَّة، وهو ساقطُ الحديث على بِدعتِه-: الإيمانُ قولٌ باللِّسان، وإنِ اعتقدَ الكُفْرَ بقلبه؛ فهو مؤمنٌ) انتهى.

وهذا منافقٌ محضٌ مخلَّدٌ في الدرك الأسفل من النار، وأيُّ شيءٍ يَنفعُ ابنَ كرَّامٍ أن نسمِّيَهُ مؤمنًا، وابنُ كرَّامٍ مبتدعٌ، ومِنْ بِدَع الكرَّاميَّة: أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ جسمٌ، لا كالأجسام.

و (كرَّام) ؛ مُثَقَّلٌ كما قيَّده غيرُ واحدٍ، لا كما قاله متكلِّمُهم محمَّدُ بن الهيصم [10] من أنَّه (كَرَام) ؛ بالتخفيف والفتح، والثاني: أنَّه (كِرَام) على لفظ جمع (كريم) ، قال ابن الصلاح: (ولا مَعْدِل عنِ الأوَّل) ؛ يعني: أنَّه بالفتح والتشديد، وأخبارُ ابنِ كَرَّام معروفةٌ [11] ، نسأل الله السلامة والعافية.

فائدة: أوَّلُ المرجئةِ: الحسنُ بنُ محمَّدِ بن عليِّ بن أبي طالب ابنُ ابنِ الحنفيَّة، وله فيه تأليفٌ، وقد أخرج له الجماعة، وهو تابعيٌّ [12] .

تنبيه [13] : نقل الذهبيُّ في «ميزانه» في ترجمة ذرِّ بن عبد الله بن زرارة الهَمْدانيِّ: (قال أحمدُ: لا بأس به، هو أوَّلُ مَن تكلَّم في الإرجاء) انتهى [14]

وظاهرُ عبارته: أنَّه مِن تتمَّة كلام أحمدَ، فلعلَّ الحسن بن محمَّد ابن الحنفيَّة أوَّلهم، وهذا [15] أوَّل مَن أظهرَ ذلك وتكلَّم فيه، والله أعلم.

قوله: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ): هذا هو ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه، صحابيٌّ جليلُ القدر.

قوله: (وَقِتَالُهُ كُفْرٌ): لا بُدَّ مِن تأويل هذا الكلام، فإنَّ قتالَه بغير حقٍّ لا يُخرجه عنِ المِلَّةِ عندَ أهل الحقِّ ولا يُكفَّرُ به، وفي التأويلِ أقوالٌ؛ أصحُّها [16] : المراد به: كفْرُ الحقوق؛ فإنَّ للمسلم حقًّا على أخيه، فإذا قاتله؛ فقد كفرَ تلك الحقوق؛ أي: جَحَدَها، ثانيها: أنَّ المراد به: مَنِ استحلَّه بغير موجب ولا تأويل، ثالثها: أنَّه شابَه فِعْلَ الكفَّار، رابعُها: أنَّ المراد بالمقاتلة: المشارة، والتناوُل باليد، والتطاوُل على أخيه.

[1] انظر «تهذيب الكمال» (26/108) .
[2] انظر «تهذيب الكمال» (9/289) .
[3] الجرف: بضم الجيم والراء وفاء، موضع على ثلاثة أميال من المدينة من جانب الشام، كذا ضبطه بضمتين الحافظ والسيوطي وغيرهما، واقتصر مجد الدين الشيرازي على أنه بسكون الراء وكذا المصباح فقال: الجرف بضم الراء وتسكن للتخفيف: ما جرفته السيول وأكلته من الأرض، وبالمخفف سمي به ناحية قريبة من أعمال المدينة على نحو من ثلاثة أميال.
[4] في (ب): (ولي القضاء بالمدينة) .
[5] (اسمه): ليس في (ب) .
[6] انظر «تهذيب الكمال» (14/269) .
[7] في هامش (ق): (واسمه شقيق بن سلمة كوفيٌّ) .
[8] انظر «تهذيب الكمال» (12/548) .
[9] (إنَّ): ليس في (ب) .
[10] انظر «الوافي بالوفيات» (5/112) .
[11] انظر «سير أعلام النبلاء» (11/523) .
[12] انظر «تهذيب الكمال» (6/316) .
[13] في (ب): (فائدة) .
[14] انظر «ميزان الاعتدال» (*) ، وانظر ترجمة ذر بن عبد الله في «تهذيب الكمال» (8/511) .
[15] أي: ابن كرام.
[16] في (ب): (أحدها) .





لا تتوفر معاينة

48- وبالسَّند السَّابق إلى المصنِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ)؛ بالعينين والرَّاءين المُهمَلات، غير منصرفٍ؛ للعلميَّة والتَّأنيث، ابن البِرِنْد؛ بكسر المُوحَّدة والرَّاء، أو بفتحهما وبسكون النُّون، البصريُّ، المُتوفَّى سنة ثلاث عشْرةَ ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنْ زُبَيْدٍ)؛ بضمِّ الزَّاي وفتح المُوحَّدة، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخرُه دالٌ مُهملَةٌ، ابن الحارث بن عبد الكريم، اليامِيِّ _بالمُثناَّة التَّحتيَّة، وميمٍ خفيفةٍ مكسورة_ الكوفيِّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئةٍ، (قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ)؛ بالهمز بعد الألف، شقيق بن سلمة الأسديَّ، أسد خزيمة، الكوفيَّ التَّابعيَّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وتسعين أو سنة اثنتين وثمانين، (عَنِ) المقالة المنسوبة للطَّائفة (الْمُرْجِئَةِ)؛ بضمِّ الميم، وكسر الجيم، ثمَّ همزةٍ؛ نسبةً إلى الإرجاء؛ أي: التَّأخير؛ لأنَّهم أخَّروا الأعمال عن الإيمان؛ حيث زعموا أنَّ مرتكب الكبيرة غير فاسقٍ، هل هم مصيبون فيها أو مخطئون؟ (فَقَالَ) أبو وائلٍ في جوابه لزُبَيْدٍ: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ رضي الله عنه (أَنَّ)؛ أي: بأنَّ (النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: سِبَابُ)؛ بكسر السِّين المُهمَلَة، وتخفيف المُوحَّدة، مصدرٌ مُضَافٌ للمفعول؛ أي: شتم (الْمُسْلِمِ)، والتَّكلُّم في عِرْضه بما يعيبه ويؤلمه (فُسُوقٌ)؛ أي: فجورٌ وخروجٌ عن الحقِّ، ويحتمل أن يكون على بابه من «المُفاعَلَة»؛ أي: تشاتمهما فسوقٌ، (وَقِتَالُهُ)؛ أي: مقاتلته (كُفْرٌ)؛ أي: فكيف يُحكَم بتصويب قولهم: إنَّ مرتكبَ الكبيرة غيرُ فاسقٍ، مع حكم النبيِّ صلى الله عليه وسلم على من سبَّ المسلم بالفسق، ومن قاتله بالكفر؟ وقد عُلِمَ بهذا خطؤهم، ومُطابقة جواب أبي وائلٍ لسؤال زُبَيْدٍ عنهم، وليس المُرَاد بالكفر هنا حقيقته التي هي: الخروج عن الملَّة، وإنَّما أطلق عليه الكفر؛ مُبالَغَةً في التحذير، معتمدًا على ما تقرَّر من القواعد على عدم كفره بمثل ذلك، أو أطلقه عليه؛ لشبهه به؛ لأنَّ قتال المسلم من شأن الكافر، أو المُرَاد: الكفر اللُّغويُّ؛ وهو: السَّتر؛ لأنَّه بقتاله له سَتَرَ ما له عليه من حقِّ الإعانة، والنُّصرة وكفَّ الأذى.

وفي هذا الحديث: تعظيمُ حقِّ المسلم، والحكم على من سبَّه بالفسق، ورجاله كلُّهم أئمَّةٌ أَجِلَّاء، ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، مع التَّحديث إفرادًا وجمعًا، والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦6044] ، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «المُحارَبَة».


48- ( زُبَيْدٍ ) بالزَّاي والموحَّدة مصغَّرًا.

( عَنِ الْمُرْجِئَةِ ) أي: مقالتهم، وللطَّيالسيِّ: «لمـَّا ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل فذكرت ذلك له»، ووفاة أبي وائل سنة تسع وسبعين، وذلك يدل على أنَّ بدعة [الإرجاء] [1] قديمة.

( سِبَابُ ) بكسر السِّين وتخفيف الموحَّدة: مصدر سبَّ، [وهو] [2] أشدُّ من السَّبِّ، وهو أن يقول في الرَّجل ما فيه وما ليس فيه، يريد بذلك عيبه، وقيل: هو من باب المفاعلة.

( الْمُسْلِمِ ) لأحمد: «المؤمن». [/ج1ص205/]

[1] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (الأب جاء) والمثبت من غيرها
[2] ما بين معقوفين زيادة من [ع] .





19/48# قال أبو عبد الله: حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ، عن زُبَيْدٍ، عن أَبي وائلٍ، قَالَ:

حدَّثني عَبْدُ اللهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «سِبابُ [1] المُسْلِمِ فُسُوقٌ [2] ، وَقِتالُهُ كُفْرٌ».

هذا فيمن سَبَّ رجلاً بغير تأويل، أو قاتله على غير معنىً من معاني أمر الدِّين يَتأَوَّلُه في قتاله، ويدخل في هذا المعنى مَنْ كَفَّرَ رجلاً مسلماً على غير مَذْهَب يحتملُ التأويلَ.

فأمَّا مَنْ فعل شيئاً منهُ مُتأوِّلاً به معنىً يحتمله وجهُ الكلام ضرباً من الاحتمال في تحقيقٍ لأمرٍ من أمور الكفر، أو تشبيه له به، أو تقريبٍ في بعض معانيه، كان خارجاً عن هذا الحكم، ألست ترى أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه لمَّا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر حاطب بن أبي بلتعة، حين كتب إلى قريش يخبرهم بشأن [3] رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقَصْده إيَّاهم: دَعني يا رسول الله أضرب عُنقَ هذا المنافق. فلم يُعَنِّفه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأكثر من قوله: «لا تَقُلْ ذلك، أليس [4] قد شهد بدراً؟ وما يُدريك لعلَّ اللهَ قد [5] اطَّلع على أهل بَدْر فقال: افعلوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم» [6] . فبرَّأه رسول الله صلى الله عليه وسلم من النفاق، وعذر عُمَرَ فيما تناولَه به [7] من ذلك القول، إذ كان الفعل الذي جرى منه مضاهياً لأفعال المنافقين الذين كانوا [8] يكيدون رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، ويُعاونون عليه [9] كُفَّارَ قريش.

وكذلك [10] قصَّة معاذ بن جبل حين [11] افتتح في صلاة العشاء سورة [12] البقرة، فخفَّفَ رجل صلاته

@%ص33%

خلفه؛ لعذر [13] كان له، فلمَّا لقيه معاذ قال له: نافَقتَ. فعذره [14] رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك بعد أن قال له [15] : «أَعُدْتَ فَتَّاناً؟» [16] وأمره بتخفيف الصلاة إذا كان إماماً.

وعلى هذا المعنى يُتأوَّل قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم : «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر؛ فقد باءَ به أحدهما» [17] ؛ وذلك إذا كان هذا القول منه خالياً عن وجه يحتمله التأويل، فإنَّه لا يبقى حينئذ هناك شيءٌ يُعْذَرُ [18] به، فَيُحملُ أمرُه على أنَّه رآه [19] _وهو مسلم_ كافراً، ورأى دينَ الإسلام _وهو حَقٌّ_ باطلاً، فلزمه الكفر لذلك؛ إذَ لم يجد الكفر محلّاً فيمن قيل له ذلك.

وقوله: (وقتاله كفر) فإنَّما هو على أن يستبيح دَمَه، ولا يرى [20] أنَّ الإسلام قد عَصمه منه [21] ، وحرَّمه عليه، فيكون مرجعُ ذلك إلى اعتقاده أنَّ اللهَ عز وجل لم يحرِّم دماء المسلمين بغير حقِّها، ومن أَنكر شيئاً من معاظم أمرِ الدِّين [22] المُجَمع عليه المستفيض في الخاصِّ والعامِّ عِلْمُه كفر بذلك.

وقد يُتأوَّل هذا الحديثُ وما جاءَ في معناه من الأحاديث على وجه التشبيه لأفعالهم بأفعال الكفَّار من غير تحقيق للحكم فيه، ومن غير إلحاقٍ لهم بأهل الكفر إذا [23] كان فاعلُه مضاهياً به فعلَ الكفَّار؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : «لا ترجعُوا بعدي كُفَّاراً؛ يضربُ بعضُكم رِقابَ بعض» [24] . أي: لا تكونوا كالكفار الذين من شأنهم وعادتهم أنْ يضربَ بعضُهم رقاب بعض [25] .

وما يُشبه [26] ذلك قولُه صلى الله عليه وسلم : «كُفْر بالله انتفاءٌ [27] من نَسبٍ وإن دَقَّ [28] ، وادعاءُ نَسَبٍ لا يُعْرَف» [29] . وهذا لا يوجب أن يكون مَن فعل ذلك كافراً به، خارجاً عن المَّلة، وإنَّما فيه مَذَمَّةُ هذا الفِعل، وتشبيهُهُ بالكفر على وجه التغليظ لفاعله [30] ؛ ليجتنبه [31] فلا يستَحِلَّه، ومثله في الحديث كثير.

[1] في (ف): (إن سباب).
[2] في الأصل: (فسق)، وفي هامشها كالمثبت.
[3] في (م): (بسر).
[4] في النسخ الفروع: (إنه).
[5] (قد) سقط من (ط)
[6] انظر في البخاري (3983) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
[7] في النسخ الفروع: (فيما تأوله)، وفي هامش (ف) إشارة إلى أنه في نسخة كما في الأصل.
[8] قوله: (كانوا) زيادة من (ط).
[9] (عليه): سقط من (ط).
[10] في (ط): (ولذلك).
[11] في الأصل (حتى)، والمثبت من (ط).
[12] في النسخ الفروع: (بسورة).
[13] في (ط): (بعذر)، وفي النسخ الفروع زيادة: (ومضى).
[14] في (ط): (بعدره) تصحيفاً.
[15] (له) سقطت من (ط).
[16] في (ر): (اعدب قباما) تصحيفاً وتحريفاً، وانظر: البخاري (704) عن جابر رضي الله عنه .
[17] انظر البخاري (6104) عن أبي هريرة رضي الله عنه .
[18] في (ط): (يعرى).
[19] (في ط): زيادة (رآه مسلماً).
[20] في (ط): (ولا يدري).
[21] (من) سقط من (ط).
[22] (الدين) سقط من (ط).
[23] في هامش الأصل: (إذ) وأشار إلى أنها في نسخة.
[24] رواه البخاري عن جرير بن عبد الله (121).
[25] قوله: (أي لا تكونوا.... رقاب بعض) سقط من (ط).
[26] في (ط): (ومما نبسه).
[27] في (أ) و (ف): (من انتفى)، وتكررت في (م) كلمة (انتفاء).
[28] في (م): (وإن رد) مصحفاً.
[29] أخرجه أحمد في المسند (2/215)، وقوله: (وإن دَقَّ) أي: غمض وخفي، (انظر: التاج: دقق).
[30] في (ط): (كالفاعله).
[31] في (أ): (فيجتلب).





48 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَن المُرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ رضيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)).

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

48- وبه قال: ((حدثنا محمد بن عرعرة)) ؛ بالعينين والراءين المهملات، غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث، ابن البَِرَِنْد؛ بكسر الموحدة والراء وبفتحهما وبسكون النون، البصري، المتوفى سنة ثلاث عشرة ومئتين ((قال: حدثنا شعبة)) هو ابن الحجاج، ((عن زُبَيد)) ؛ بضم الزاي، وفتح الموحدة، وسكون المثناة التحتية آخره دال مهملة: ابن الحارث بن عبد الكريم اليامِي؛ بالمثناة تحت، وميم مخففة مكسورة، الكوفي، المتوفى سنة اثنين وعشرين ومئة ((قال: سألت أبا وائل)) ؛ بالهمزة بعد الألف: شقيق بن سلمة الأسدي؛ أسد خزيمة، الكوفي، التابعي، المتوفى سنة تسع وتسعين أو اثنين وثمانين ((عن)) قول ((المُرجِئة)) ؛ بضم الميم، وكسر الجيم، ثم همزة؛ نسبة إلى الإرجاء؛ وهو التأخير؛ لأنَّهم أخروا الأعمال عن الإيمان؛ حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة غير فاسق، هل هم مصيبون فيه أم مخطئون؟ ((فقال)) أبو وائل في جوابه لزُبَيد: ((حدثني)) بالإفراد ((عبد الله)) بن مسعود رضي الله عنه: ((أن)) أي: بأن ((النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم قال: سِبَاب)) ؛ بكسر السين المهملة وتخفيف الموحدة، مصدر مضاف للمفعول؛ أي: شتم ((المسلم)) والتكلم في عِرضه بما يَعيبه ويؤلمه ((فسوق)) ؛ أي: فجور وخروج عن الحق، ويَحتمل أن يكون على بابه من المفاعلة؛ أي: تشاتمهما فسوق، قلت: وهذا هو الظاهر لما في «المطالع»: (السباب: المشاتمة؛ وهي من السب؛ وهو القطع، وقال إبراهيم الحربي: السباب أشد من السب؛ وهو أن يقول في الرجل ما فيه وما ليس فيه) انتهى، وهذا صريح بأن السباب ليس بمصدر؛ فافهم.

((وقتاله)) أي: مقاتلته[/ص30/] ((كفر)) ؛ أي: فكيف يحكم بتصويب قولهم: إن مرتكب الكبيرة غير فاسق مع حكم النبي الأعظم عليه السلام على من سب المسلم بالفسق ومن قاتله بالكفر، وقد عُلِم بهذا خطؤهم ومطابقة جواب أبي وائل لسؤال زُبَيد عنهم، وليس المراد بالكفر هنا حقيقته التي هي الخروج عن الملة، وإنما أطلق عليه الكفر؛ مبالغة في التحذير، معتمدًا على ما تقرَّر في القواعد على عدم كفره بمثل ذلك، أو أطلقه عليه؛ لشبهه به؛ لأنَّ قتال المسلم من شأن الكافر، أو المراد: الكفر اللغوي؛ وهو الستر؛ لأنَّه بقتاله له ستر ما له عليه من حق الإعانة والنصرة وكف الأذى، ولا نعني بهذا إلا هذا، فقد قال أئمتنا الأعلام: لا يُفتى بتكفير مسلم مهما أمكن، ولو وُجِدَ مئة قول بتكفيره وقولٌ واحد بعدم تكفيره؛ فالمفتى به عدم التكفير؛ لأنَّ تكفير المسلم أمر صعب، وهذا في غاية الاحتياط؛ فليحفظ.