متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

34- وبه قال المؤلِّف: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف، وكسر الموحَّدة، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وفتح المُهمَلة، (ابن عُقْبَة) بضمِّ المُهمَلة، وسكون القاف وفتح المُوحَّدة، ابن محمَّدٍ، أبو عامرٍ السَّوائيُّ الكوفيُّ، المُختلَف في توثيقه؛ من جهة كونه سمع من سفيانَ الثَّوريِّ صغيرًا، فلم يضبط، فهو حجَّةٌ إلَّا فيما رواه عنه، لكنَّ احتجاجَ البخاريِّ به في غير موضعٍ كافٍ، وقول أحمد: «إنَّه ثقةٌ لا بأسَ به، لكنْ كثيرُ الغلط» معارضٌ بقول أبي حاتم: لم أرَ من المحدِّثين من يحفظ ويأتي بالحديث على لفظٍ واحدٍ ولا يغيُّره سوى قَبِيصَة وأبي نعيمٍ ا ه. وتُوفِّي في المحرَّم سنة ثلاثَ عَشْرَةَ، وقال النَّوويُّ: سنة خَمْسَ عَشْرَةَ ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ)؛ بتثليث سينه، ابن سعيد بن مسروقٍ، أبو عبد الله الثَّوريُّ، أحد أصحاب المذاهب السِّتَّة المتبوعة، المُتوفَّى سنة ستِّين ومئةٍ بالبصرة متواريًا من سلطانها، وكان يدلِّس، (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ)؛ بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، الهَمْدانيِّ _بسكون الميم_ الكوفيِّ التَّابعيِّ، الخارفيِّ؛ بالخاء المُعجمَة وبالرَاء والفاء، المُتوفَّى سنة مئةٍ، (عَنْ مَسْرُوقٍ)؛ يعني: ابن الأجدع _بالجيم والمُهمَلتين_ ابن مالكٍ، الهَمْدانيِّ الكوفيِّ الحضرميِّ، المُتفَّق على جلالته، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو اثنتين وستِّين، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو)؛ يعني: ابن العاصِ رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَرْبَعٌ)؛ أي: أربعُ خصالٍ، أو خصالٌ أربعٌ، مبتدأٌ خبرُه: (مَنْ كُنَّ فِيهِ؛ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا)؛ أي: في هذه الخصال فقط لا في غيرها، أو شديد الشَّبه بالمنافقين، ووصفُه بالخلوص يؤيِّد قول مَنْ قال: إنَّ المُرَاد بالنِّفاق العمليُّ لا الإيمانيُّ، أو النِّفاق العرفيُّ لا الشَّرعيُّ؛ لأنَّ الخلوص بهذين المعنيين لا يستلزم الكفر الملقي في الدَّرك الأسفل من النَّار، (وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ؛ كَانَتْ)، وللأَصيليِّ في نسخةٍ [1] : ((كان)) (فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا)؛ حتَّى يتركها؛ [/ج1ص119/] (إِذَا اؤتُمِنَ) شيئًا؛ (خَانَ) فيه، (وَإِذَا حَدَّثَ؛ كَذَبَ) في كلِّ ما حدَّث به، (وَإِذَا عَاهَدَ) عهدًا (غَدَرَ)؛ أي: ترك الوفاء بما عاهد عليه، (وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) في خصومته؛ أي: مَالَ عن الحقِّ وقَالَ الباطلَ، وقد تحصَّل من الحديثين خمس خصالٍ: الثَّلاثة السَّابقة في الأوَّل، والغدر في المُعاهَدة، والفجور في الخصومة، فهي متغايرةٌ باعتبار تغاير الأوصاف واللَّوازم، ووجه الحصر فيها: أنَّ إظهار خلاف ما في الباطن؛ إمَّا في الماليَّات؛ وهو ما [2] إذا اؤتُمِنَ، وإمَّا في غيرها؛ وهو إمَّا في حالة الكدورة؛ فهو إذا خاصم، وإمَّا في حالة الصَّفاء؛ فهو إمَّا مُؤكَّدٌ باليمين؛ فهو إذا عاهد، أو لا؛ فهو إمَّا بالنَّظر إلى المُستَقبَل؛ فهو إذا وعد، وإمَّا بالنَّظر إلى الحال؛ فهو إذا حدَّث، لكن هذه الخمسة في الحقيقة ترجع إلى الثَّلاث؛ لأنَّ الغدر في العهد منطوٍ تحت الخيانة في الأمانة، والفجور في الخصومة داخلٌ تحت الكذب في الحديث.

ورجال هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون إلَّا الصحابيَّ، على أنَّه قد دخل الكوفةَ أيضًا، وفيه ثلاثةٌ من التَّابعين، يروي بعضهم عن بعضٍ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجزية» [خ¦3178] ، ومسلمٌ في «الإيمان» وأصحابُ السُّنن.

ثمَّ قال المؤلِّف: (تَابَعَهُ)؛ أي: تابع سفيان الثَّوريَّ (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج في رواية هذا الحديث (عَنِ الأَعْمَشِ)، وقد وصل المؤلِّف هذه المُتابَعَة في كتاب «المظالم» [خ¦2459] ، ومراده بالمُتابَعَة هنا: كون الحديث مرويًّا من طريقٍ أخرى عن الأعمش [3] ، والمُتابَعَة هنا ناقصةٌ؛ لكونها ذُكِرَتْ في وسط الإسناد لا في أوَّله.

ولمَّا ذكر المؤلِّف كتاب «الإيمان» الجامع لبيان باب «السلام من الإسلام»، وأردفه بخمسة أبوابٍ استطرادًا؛ لِمَا فيها من المُناسَبَة، وضمَّنها علامات النِّفاق؛ رجع إلى ذكر علامات الإيمان فقال:

[1] «في نسخةٍ»: سقط من (م).
[2] «ما»: سقط من (م).
[3] في (م): «الثَّوري»، وهو خطأٌ.





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

34-. حدَّثنا قَبِيصَةُ بنُ عُقْبَةَ، قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ، عن الأَعْمَشِ، عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ مُرَّةَ، عن مَسْرُوقٍ:

عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فيهِ كان مُنافِقًا خالِصًا، وَمَنْ كانتْ فيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كانتْ [1] فيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حتَّىَ يَدَعَها: إِذا ائْتُمِنَ خانَ، وَإِذا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذا عاهَدَ غَدَرَ، وَإِذا خاصَمَ فَجَرَ».

تابَعَهُ شُعْبَةُ عن الأَعْمَشِ.

[1] في رواية الأصيلي والحَمُّويِي: «كان»، وعزاها في (ب، ص) إلىَ نسخةٍ عن الأصيلي.





34- ( قَبِيصَةُ ): بِفَتْحِ القَافِ.


34# (قَبيصَةُ) بقاف مفتوحة وصاد مهملة.


34- قوله: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ): هذا هو ابنُ سعيدٍ الثَّوريُّ، عالمٌ فَرْدٌ ثِقَةٌ.

قوله: (عَنِ الأَعْمَشِ): تقدَّم أنَّه سليمانُ بنُ مِهرانَ، أبو محمَّدٍ الكاهليُّ، مشهورٌ.

قوله: (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ): تقدَّم الجوابُ عنه أعلاه.

قوله: (كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا): تقدَّم الجوابُ عنه أعلاه [1] .

قوله: (تَابَعَهُ شُعْبَةُ): الضمير في (تابعه) يعود على سُفيانَ الثوريِّ؛ أي: تابعَ شعبةُ سُفيانَ في روايتِهِ هذا الحديث عنِ الأعمش، وفائدةُ هذه المتابعة أنَّ سُفيانَ الثوريَّ مُدلِّسٌ، فأتى برِوايةِ شعبةَ عنِ الأعمش؛ لأجل تدليسِ سُفيانَ.

فإن قلت: إنَّ شعبةَ أيضًا عنعن عنِ الأعمش.

فجوابه: أنَّ شعبةَ مِن أنكرِ النَّاس للتدليس، حتَّى إنَّه قال: (التدليسُ أخو الكذب) ، وقال: (لَأَنْ أزنيَ أحبُّ إليَّ مِن أن أُدلِّس) ، وهذه للتَّنفيرِ عن [2] التدليس، والله أعلم، وقد سبق ذلك عنه.

ومتابعةُ شعبةَ أخرجها البخاريُّ في (المظالم) [خ¦2459] .

[1] (قوله: كان منافقًا خالصًا...): سقط من (ب) .
[2] في (ب): (من) .





34- (أَرْبَعٌ): مبتدأٌ بتقدير: أربعُ خصالٍ، أو خصالٌ أربعٌ، وإلَّا فهو نكرةٌ صِرفةٌ، والشَّرطيَّةُ خبرُه، ويَحتمل أنْ تكونَ الشرطيَّةُ صفتَه، و (إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) إلى آخره خبرُه؛ بتقدير: أربعٌ كذا هي الخيانةُ عند الإيمان ونحوه، وقد مرَّ توجيهُه قريبًا في «ثلَاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ» [خ¦16] [خ¦21] .


34- وبه قال المؤلِّف: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف، وكسر الموحَّدة، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وفتح المُهمَلة، (ابن عُقْبَة) بضمِّ المُهمَلة، وسكون القاف وفتح المُوحَّدة، ابن محمَّدٍ، أبو عامرٍ السَّوائيُّ الكوفيُّ، المُختلَف في توثيقه؛ من جهة كونه سمع من سفيانَ الثَّوريِّ صغيرًا، فلم يضبط، فهو حجَّةٌ إلَّا فيما رواه عنه، لكنَّ احتجاجَ البخاريِّ به في غير موضعٍ كافٍ، وقول أحمد: «إنَّه ثقةٌ لا بأسَ به، لكنْ كثيرُ الغلط» معارضٌ بقول أبي حاتم: لم أرَ من المحدِّثين من يحفظ ويأتي بالحديث على لفظٍ واحدٍ ولا يغيُّره سوى قَبِيصَة وأبي نعيمٍ ا ه. وتُوفِّي في المحرَّم سنة ثلاثَ عَشْرَةَ، وقال النَّوويُّ: سنة خَمْسَ عَشْرَةَ ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ)؛ بتثليث سينه، ابن سعيد بن مسروقٍ، أبو عبد الله الثَّوريُّ، أحد أصحاب المذاهب السِّتَّة المتبوعة، المُتوفَّى سنة ستِّين ومئةٍ بالبصرة متواريًا من سلطانها، وكان يدلِّس، (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ)؛ بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، الهَمْدانيِّ _بسكون الميم_ الكوفيِّ التَّابعيِّ، الخارفيِّ؛ بالخاء المُعجمَة وبالرَاء والفاء، المُتوفَّى سنة مئةٍ، (عَنْ مَسْرُوقٍ)؛ يعني: ابن الأجدع _بالجيم والمُهمَلتين_ ابن مالكٍ، الهَمْدانيِّ الكوفيِّ الحضرميِّ، المُتفَّق على جلالته، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ أو اثنتين وستِّين، (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو)؛ يعني: ابن العاصِ رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَرْبَعٌ)؛ أي: أربعُ خصالٍ، أو خصالٌ أربعٌ، مبتدأٌ خبرُه: (مَنْ كُنَّ فِيهِ؛ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا)؛ أي: في هذه الخصال فقط لا في غيرها، أو شديد الشَّبه بالمنافقين، ووصفُه بالخلوص يؤيِّد قول مَنْ قال: إنَّ المُرَاد بالنِّفاق العمليُّ لا الإيمانيُّ، أو النِّفاق العرفيُّ لا الشَّرعيُّ؛ لأنَّ الخلوص بهذين المعنيين لا يستلزم الكفر الملقي في الدَّرك الأسفل من النَّار، (وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ؛ كَانَتْ)، وللأَصيليِّ في نسخةٍ [1] : ((كان)) (فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا)؛ حتَّى يتركها؛ [/ج1ص119/] (إِذَا اؤتُمِنَ) شيئًا؛ (خَانَ) فيه، (وَإِذَا حَدَّثَ؛ كَذَبَ) في كلِّ ما حدَّث به، (وَإِذَا عَاهَدَ) عهدًا (غَدَرَ)؛ أي: ترك الوفاء بما عاهد عليه، (وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) في خصومته؛ أي: مَالَ عن الحقِّ وقَالَ الباطلَ، وقد تحصَّل من الحديثين خمس خصالٍ: الثَّلاثة السَّابقة في الأوَّل، والغدر في المُعاهَدة، والفجور في الخصومة، فهي متغايرةٌ باعتبار تغاير الأوصاف واللَّوازم، ووجه الحصر فيها: أنَّ إظهار خلاف ما في الباطن؛ إمَّا في الماليَّات؛ وهو ما [2] إذا اؤتُمِنَ، وإمَّا في غيرها؛ وهو إمَّا في حالة الكدورة؛ فهو إذا خاصم، وإمَّا في حالة الصَّفاء؛ فهو إمَّا مُؤكَّدٌ باليمين؛ فهو إذا عاهد، أو لا؛ فهو إمَّا بالنَّظر إلى المُستَقبَل؛ فهو إذا وعد، وإمَّا بالنَّظر إلى الحال؛ فهو إذا حدَّث، لكن هذه الخمسة في الحقيقة ترجع إلى الثَّلاث؛ لأنَّ الغدر في العهد منطوٍ تحت الخيانة في الأمانة، والفجور في الخصومة داخلٌ تحت الكذب في الحديث.

ورجال هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون إلَّا الصحابيَّ، على أنَّه قد دخل الكوفةَ أيضًا، وفيه ثلاثةٌ من التَّابعين، يروي بعضهم عن بعضٍ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجزية» [خ¦3178] ، ومسلمٌ في «الإيمان» وأصحابُ السُّنن.

ثمَّ قال المؤلِّف: (تَابَعَهُ)؛ أي: تابع سفيان الثَّوريَّ (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج في رواية هذا الحديث (عَنِ الأَعْمَشِ)، وقد وصل المؤلِّف هذه المُتابَعَة في كتاب «المظالم» [خ¦2459] ، ومراده بالمُتابَعَة هنا: كون الحديث مرويًّا من طريقٍ أخرى عن الأعمش [3] ، والمُتابَعَة هنا ناقصةٌ؛ لكونها ذُكِرَتْ في وسط الإسناد لا في أوَّله.

ولمَّا ذكر المؤلِّف كتاب «الإيمان» الجامع لبيان باب «السلام من الإسلام»، وأردفه بخمسة أبوابٍ استطرادًا؛ لِمَا فيها من المُناسَبَة، وضمَّنها علامات النِّفاق؛ رجع إلى ذكر علامات الإيمان فقال:

[1] «في نسخةٍ»: سقط من (م).
[2] «ما»: سقط من (م).
[3] في (م): «الثَّوري»، وهو خطأٌ.





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

34 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)) تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ.

الشرح:

أما (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) و(أَبُو هُرَيْرَةَ) و(الأَعْمَشِ) و(شُعْبَةُ) فسبق ذكرهم.

وأما (مَسْرُوقٍ) فهو أبو عائشةَ مَسْرُوقُ بنُ الأَجْدَعِ - بالجيم والدال المهملة - ابن مالك بن أمية، الهمداني الكوفي التابعي الكبير، سمع عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وخبابًا، وزيد بن ثابت، والمغيرة، وعائشة، وغيرهم من كبار الصحابة رضيَ الله عنهم.

روى عنه خلائق من كبار التابعين وصغارهم منهم: أبو وائل، وهو أكبر من مسروق، وأبو الضحى، والشعبي [1]، وعبيد الله بن عبد الله، والسبيعي، والنخعي، وآخرون.

قال الشعبي: ما علمت أن أحدًا كان أطلب [2] للعلم

#%ص156%

في أفق من الآفاق مثل مسروق [3].

وقال مرة الهمداني: ما ولَدَتْ هَمْدانية مثل مسروق، وقال ابن المديني: ما أُقَدِّم على مسروق أحدًا من أصحاب عبد الله.

قال مسروق: قال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما اسمك؟ قلت: مسروق بن الأجدع، فقال: سمعت النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: ((الأَجْدَعُ شَيْطَانٌ)) أنت مسروق بن عبد الرحمن.

قال الشعبي: فرأيته في الديوان مسروق بن عبد الرحمن.

توفي سنة اثنتين [4]- وقيل: ثلاث - وستين، رحمه الله تعالى.

وأما (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ) فهو عبدُ الله بنُ مُرَّةَ، الْهَمْدَانيُّ الكوفيُّ التابعيُّ الخَارِفيُّ، بالخاء المعجمة والفاء، منسوب إلى خَارِفٍ، وهو مالك بن عبد الله.

روى عبد الله بن مرة عن ابن عمر وغيره، روى عنه الأعمش، ومنصور، توفي سنة مائة.

وأما (سُفْيَانُ) فهو -الإمام الكبير والسيد النحرير والعالم الرباني، صاحب المناقب الباهرة والمحاسن المتظاهرة، المتفق على عظم جلالته وارتفاع منزلته, وكثرة علومه، وصلابة دينه وشدة ورعه وزهده، واجتهاده في العبادات، وإعظامه للدين، وملازمته لِهَدْي السلف الماضين، وقيامه بالحق غير خائف بالله [5] تعالى لومة لائم- أبو عبد الله سفيانُ بنُ سعيد بنِ مسروق بن حبيب بن رافع [6] بن عبد الله بن مَوْهبَة بن أُبَيّ بن عبد الله [7] ابن منقذ بن نصر [8] بن الحارث بن ثعلبة [9] بن مَلْكان بن ثور بن عبد مناة بن إدِّ [10] بن طابِخَةَ - بالطاء المهملة والباء الموحدة والخاء المعجمة - ابن إلياس بن مضر بن نزار، الثوري الكوفي، إمام أهل الكوفة، بل إمام أهل [11] العراق، وهو من تابعي [12] التابعين.

سمع خلائق من التابعين منهم: الشعبيَّ [13]، وعبدَ الملك بنَ عمير، وأبو [14] حَصِين - بفتح الحاء وكسر الصاد - وإسماعيل بن أبي خالد، وعاصم الأحول، وأيوب، والأعمش، [15]ويحيى بن أبي كثير، وآخرون من التابعين، وخلائق من غيرهم.

روى عنه محمد بن عجلان وهو تابعي ومن شيوخه، ومعمر، والأوزاعي، ومالك، وشعبة، وابن عيينة، وابن المبارك، ويحيى القطان، والفضيل بن عياض، وخلائق من الأئمة والأعلام.

واتفق العلماء على وصفه بكل جميل، ومناقبه أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تشهر.

قال أحمد بن عبد الله: أحسن [16] إسناد الكوفة:

#%ص157%

سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله.

وقال أبو عاصم: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ، ما كتبت عن أفضل من الثوري.

وقال أحمد بن جَوّاس- بفتح الجيم وتشديد الواو وبالسين المهملة-: كان ابن المبارك يتأسف على سفيان [17] ويقول: لِمَ لَمْ أطرح نفسي بين يدي سفيان؟ ما أصنع بفلان وفلان.

وقال يونس بن عبيد: ما رأيت أفضل من سفيان الثوري [18]، فقال له رجل: تقول هذا وقد رأيت سعيد بن جبير وعطاء ومجاهدًا [19] ؟ فقال: والله [20] ما رأيت أفضل من سفيان [21].

قال أحمد بن عبد الله: ولد الثوري سنة سبع وتسعين، وتوفي سنة ستين ومائة رضي الله عنه، وقال ابن سعد: أجمعوا على [22] أنه توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة رحمه الله تعالى ورضي عنه.

وأما (قَبِيْصَةُ) الراوي عن سفيان فهو أبو عامر قَبِيْصَةُ بنُ عُقْبَةَ [23] بنِ محمد بن سفيان بن عقبة بن ربيعة بن جندب بن بنان بن حبيب بن سُوَاءة، السُّوَائي الكوفي.

روى عن الكبار: كالثوري، وشعبة، والسبيعي [24]، وابن أبي إسحاق، وحماد بن سلمة.

روى عنه الأعلام منهم: أحمد بن حنبل، والوليد بن شجاع، والذهلي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، والبخاري، وخلائق.

وكان من عباد الله الصالحين، واختلفوا في توثيقه وجرحه، ويكفي في جلالته احتجاجُ البخاري به في مواضع غير هذا، وأما هذا الموضع فقد يقال: إنما ذكره متابعةً لا متأصلًا [25]، توفي سنة خمس عشرة ومائتين.

وأما (مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ) في الإسناد الأول فهو: أبو أنس [26] مالكُ بنُ أبي عامر، الأصبحي المدني التابعي، جد مالك بن أنس الإمام، تقدم باقي نسبه في نسب ابن ابنه مالك بن أنس.

سمع عمرَ بنَ الخطابِ، وعثمانَ بنَ عَفَّانَ، وطلحةَ بنَ عبيد الله، وأبا هريرة، وعائشة رضي الله عنهم.

روى عنه سليمان بن يسار، وسالم أبو النضر، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وغيرهم.

توفي سنة اثنتي [27] عشرة ومائة وهو ابن سبعين، أو ثنتين [28] وسبعين، رحمه الله تعالى.

وأما ابنه (أَبُو سُهَيْلٍ) فهو نافعُ بنُ مالكٍ، المدني، عم مالك بن أنس الإمام، وهو أخو أنس وأويس والربيع.

#%ص158%

سمع أنس بن مالك الصحابي رضي الله عنه، وأباه، وجماعة من التابعين، روى عنه الزهري، ومالك، وآخرون.

وأما (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) فهو أبو إبراهيمَ إسماعيلُ بنُ جَعْفَرِ بن أبي كثير، الأنصاريُّ الزُّرَقيُّ - مولاهم - المدني، قارئ أهل مدينة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو أخو محمد ويحيى وكثير ويعقوب بني [29] جعفر بن أبي كثير، سمع جماعات من التابعين منهم: عبد [30] الله بن دينار، وربيعة الرأي، وحميد، وآخرون، وجماعات من غيرهم. روى عنه جماعات من الكبار منهم: محمدُ بنُ جَهْضَم، ويحيى بن يحيى، وقتيبة، وسريج بن النعمان [31]، وسريج بن يونس، وهما بالسين المهملة، وخلائق، توفي ببغداد سنة ثمانين ومائة.

وأما (سُلَيْمَانُ) فهو أبو الربيع سليمانُ بنُ داودَ، الزهراني العتكي، سكن بغداد.

سمع كبار الأئمة منهم: مالك، وحماد بن زيد، وفُلَيْح، وإسماعيل بن زكريا، وابن عيينة، وابن المبارك، وآخرون، روى عنه أعلام الحفاظ، كأحمدَ بنِ حنبل، وابن راهويه، والذهلي، وابن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، وأبي يعلى الموصلي [32]، والبغوي، وآخرون كهؤلاء الأعلام الذين قلَّ اجتماع روايتهم عن رجل، توفي بالبصرة سنة أربع وثلاثين ومائتين، رحمهم الله أجمعين.

فصل: هذا الإسناد كلهم [33] مدنيون، إلا أبا الربيع، والإسناد الآخر كوفيون إلا عبد الله بن عمرو رضيَ اللهُ عنهما، وفيه ثلاثة تابعيون [34] بعضهم عن بعض: الأعمش، وابن مرة، ومسروق.

فصل: قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (آيةُ الْمُنَافِقِ) أي: علامته. وحصل [35] من الروايتين: أن خصال المنافق خمس: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، ولا منافاة بين الروايتين، فإن الشيء الواحد قد يكون له علامات، كل واحدة منها يحصل بها صفته، ثم قد تكون تلك العلامة شيئًا واحدًا، وقد تكون أشياء.

قوله [36] صلَّى الله عليه وسلَّم: (وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) أي [37]: مال عن الحق، وقال: الباطل والزور.

قال أهل اللغة: وأصل [38] الفجور الميل عن القصد، والخَصْلَة: الخلة، بفتح الخاء فيهما.

واعلم أن هذا الحديث [39] عَدَّه جماعة من العلماء مشكلًا, من حيث إن هذه الخصال قد توجد في

#%ص159%

المسلم الْمُصَدِّقِ الذي ليس فيه شك، وقد أجمعت الأمة على أن من كان مصدقًا بقلبه ولسانه، وفعل هذه الخصال، لا يحكم بكفره، ولا هو منافق يخلد في النار.

قالوا: وقد جمعت إخوة يوسف صلى الله عليه وسلم هذه الخصال، وكذا وجد لبعض السلف والعلماء [40] بعضها أو كلها، وليس في الحديث الإشكال الذي زعمه هؤلاء، بل هو واضح صحيح المعنى ولله الحمد، لكن [41] اختلف العلماء في معناه، فالذي قاله المحققون والأكثرون - وهو [42] الصحيح المختار - [43]معناه: أن هذه خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال، ومتخلق بأخلاقهم، فإنَّ [44] النفاق إظهار ما يُبْطن [45] خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه خاصًا في حَقِّ مَنْ حدثه ووعده وائتمنه وعاهده وخاصمه من الناس، لا أنه منافق في الإسلام يظهره [46] ويبطن الكفر، فهذا مراد النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، والله أعلم، لا أنه أراد نفاق الكفار الذي يخلد صاحبه في الدرك الأسفل من النار.

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا) معناه: شديدُ الشِّبَه [47] بالمنافقين، بسبب [48] هذه الخصال. قال بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذه الخصال [49] غالبة عليه، فأما من ندر ذلك [50] فليس داخلًا فيه، فهذا هو المختار الذي عليه جمهور العلماء في معنى الحديث، وقد نقل الإمام أبو عيسى الترمذي [51]، وأجاب هؤلاء عن قصة إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام: بأن هذا لم يكن عادة لهم، إنما حصل منهم مرة، واستغفروا، وحَلَّلَهُم صاحبُ المظلمة.

وقال جماعة من العلماء: المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فحدثوا [52] بإيمانهم فكذبوا [53]، وائتمنوا في دينهم فخانوا، ووعدوا في أمر الدين ونصره فأخلفوا، وفجروا في خصوماتهم، وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح، ورجع إليه الحسن بعد أن كان على خلافه، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، ويروى [54] عنهما عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم.

قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وإليه مال كثير من أئمتنا.

#%ص160%

وحكى الخطابي قولًا آخر: أن معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف على صاحبها أن يفضي به إلى حقيقة [55] النفاق.

قال: وقال بعضهم: ورد الحديث في رجل بعينه منافق، وكان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لا يواجههم بصريح القول، فيقول: فلان [56] منافق، بل يشير إشارة، كقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((مَا بَالُ أَقْوَامِ يَفْعَلُونَ كَذَا)) والله أعلم [57]، ومراد البخاري بذكر هذا الحديث هنا: أن المعاصي ينقص [58] الإيمان، كما أن الطاعة [59] تزيده، والله أعلم.

[1] في (ك): ((وأبو الشعثاء)).
[2]في (ك): ((يطلب)).
[3] زاد في (ك): ((بن الأجدع)).
[4] في (ع): ((اثنين)).
[5] في (ك): ((في الله)).
[6] في (ع): ((نافع)).
[7] في (ك) و(ع): ((بن أبي عبد الله)).
[8] في (ت): ((نضر)).
[9] في (ك): ((ثعلب)).
[10] في (ك): ((إدد)).
[11] قوله: ((أهل)) ليس في (ك) و(ع).
[12] في (ك): ((تابع)).
[13] في (ك): ((السبيعي)).
[14] في (ع): ((وأبا)).
[15] في (ك): ((والأعمش وأيوب)).
[16] قوله: ((أحسن)) ليس في الأصل (ز).
[17] زاد في (ك): ((الثوري)).
[18] قوله: ((الثوري)) ليس في (ع).
[19] في (ع): ((ومجاهد)).
[20] في (ت) و(ك): ((هو والله ما أقول))، وفي (ع): ((هو والله)).
[21] زاد في (ك): ((الثوري)).
[22] قوله: ((على)) ليس في (ع).
[23] في (ع): ((بن عقبة)).
[24] زاد في (ت) و(ك) و(ع): و(مسعر)).
[25] في (ت): ((أصلًا)).
[26] زاد في (ك): ((بن)).
[27] في (ت) و(ك) و(ع): ((ثنتي)).
[28] في (ك): ((أو ثلاث)).
[29]في (ع): ((بن)).
[30] في (ع): ((عبيد)).
[31] في (ع): ((نعمان)).
[32] في (ت) و(ك) و(ع): ((وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي، وأبو يعلى الموصلي)).
[33] في (ك): ((كله)).
[34] زاد في (ك): ((يروي)).
[35] في (ك): ((وخصاله)).
[36] في (ت) و(ك) و(ع): ((وقوله)).
[37] قوله: ((أي)) ليس في (ع).
[38]في (ع): ((أصل)).
[39] زاد في (ك): ((مما)).
[40] في (ع): ((السلف العلماء)).
[41] في (ك): ((ولكن)).
[42] في (ك): ((هو)).
[43] زاد في (ت) و(ك) و(ع): ((أن)).
[44] في (ت) و(ع): ((بأن)).
[45] في (ت): ((بطن)).
[46] في (ك): ((يظهر)).
[47] في (ت): ((التشبه)).
[48] في (ع): ((فسبب)).
[49] قوله: ((قال بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذه الخصال)) ليس في (ع).
[50] زاد في (ت) و(ك) و(ع): ((منه)).
[51] زاد في (ك): ((معناه عن العلماء مطلقًا، فقال: إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، هذا قول الترمذي)).
[52] في (ت) و(ع): ((تحدثوا)).
[53] قوله: ((فكذبوا)) ليس في (ع).
[54] في (ك): ((أو يروى)).
[55] قوله: ((حقيقة)) ليس في (ع).
[56] قوله: ((فلان)) ليس في (ك).
[57] قوله: ((أعلم)) ليس في(ت).
[58] في (ك) و(ع): ((تنقص))، وفي (ت): ((تنقض)).
[59]في (ك): ((الطاعات)).
#%ص161%





لا تتوفر معاينة

34# قوله: (وقَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ): ابن محمَّد بن سفيان، كان من الصَّالحين.


((تابعه)) ؛ أي: تابع سفيانَ الثوري ((شعبةُ)) بن الحجاج في روايته ((عن الأعمش)) ، وقد وصله في (المظالم) ، وفائدة هذه المتابعة؛ كون الحديث مرويًّا من طريق آخر.