متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

24- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ السَّابق، (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية الأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (مَالِكُ)، ولكريمة وأبي الوقت: ((مالك بن أنسٍ))؛ أي: إمام دار الهجرة رحمه الله (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب القرشيِّ العدويِّ، التَّابعيِّ الجليل، أحد الفقهاء السَّبعة بالمدينة في أحد الأقوال، المُتوفَّى بالمدينة سنة ستٍّ أو خمسٍ أو ثمانٍ ومئةٍ، (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ)؛ أي: اجتاز (عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ) أي: حال كونه (يَعِظُ أَخَاهُ) من الدِّين أو النَّسَب، قال في «المقدِّمة»: ولم يُسمَّيا جميعًا (فِي) شأن (الْحَيَاءِ)؛ بالمدِّ؛ وهو تغيُّرٌ وانكسارٌ عند خوفِ ما يُعَاب أو يُذَمُّ، قال الرَّاغب: وهو من خصائص الإنسان؛ ليرتدع عن ارتكاب كلِّ ما يشتهي، فلا يكون كالبهيمة، والوعظ: النُّصح والتَّخويف والتَّذكير، وقال الحافظ ابن حجرٍ: والأَوْلى أن يُشْرَح بما عند المؤلِّف في «الأدب المفرد» بلفظ: يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنك تستحيي حتَّى كأنَّه قد أضرَّ بك. قال: ويحتمل أن يكون جمع له العتاب والوعظ، فذكر بعض الرُّواة ما لم يذكره الآخر، لكن المخرج متَّحِدٌ، فالظَّاهر: أنَّه من تصرُّفِ الرَّاوي؛ بحسب ما اعتقد أنَّ كلَّ لفظٍ يقوم مقام الآخر انتهى. وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه بعيدٌ من حيث اللُّغة؛ فإنَّ معنى الوعظِ: الزَّجرُ، ومعنى العتبِ: الوجدُ، يقال: عتب عليه إذا وَجِدَ؛ على أنَّ الرِّوايتين تدلَّان على معنييَن جليِّيَن، ليس في واحدٍ منهما خفاءٌ حتَّى يُفسَّر أحدهما بالآخر، وغايته: أنَّه وعظ أخاه في استعمال الحياء وعاتبه عليه، والرَّاوي حكى في إحدى روايتيه بلفظ: الوعظ، وفي الأخرى بلفظ: المعاتبة، وكلاهما صواب [1] ، وقال التَّيميُّ: معناه الزَّجر؛ يعني: يزجره ويقول له: لا تستحي، وذلك أنَّه كان كثير الحياء، وكان ذلك يمنعه من استيفاء [2] حقوقه، فوعظه أخوه على ذلك، (فَقَالَ) له (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: دَعْهُ)؛ أي: اتركه على حيائه؛ (فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ)؛ لأنَّه يمنع صاحبَه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان، فسُمِّيَ إيمانًا كما يُسمَّى الشَّيء باسم ما قام مقامه، قاله ابن قتيبة، و«مِن»: تبعيضيَّةٌ؛ كقوله في الحديث السَّابق: «الحياءُ شعبةٌ من الإيمان» [خ¦9] ، لا يُقَال: إذا كان الحياء بعض الإيمان فينتفي الإيمان بانتفائه؛ لأنَّ الحياء من مكمِّلات الإيمان، ونفيُ الكمال لا يستلزم نفيَ الحقيقة، والظَّاهر: أنَّ الواعظ كان شاكًّا، بل كان مُنْكِرًا؛ ولذا وقع التَّأكيد بـ: «إنَّ»، ويجوز أن يكون من جهة أنَّ القصَّة في نفسها ممَّا يجب أن يُهتمَّ به ويُؤكَّد عليه، وإن لم يكن ثَمَّةَ إنكارٌ أو شَكٌّ.

ورجال هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا عبد الله، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «البرِّ والصِّلة» [خ¦6118] ، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.

[1] «وكلاهما صوابٌ»: سقط من (س).
[2] في (م): «استيعاد».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

24-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ، قالَ: أخبَرَنا [1] مالِكُ بنُ أَنَسٍ [2] ، عن ابْنِ شِهابٍ، عن سالِمِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ:

عن أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَىَ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصارِ وهو يَعِظُ أَخاهُ فِي الحَياءِ، فقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعْهُ؛ فَإِنَّ الحَياءَ مِنَ الإِيمانِ».

[1] في رواية الأصيلي: «حدَّثنا».
[2] قوله: «بن أنس» ليس في رواية أبي ذر وابن عساكر والأصيلي.





24- ( يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ ) أي: يؤنبه ويقبح له كثرته وأنه من العجز.

( الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ ) أي: لأنَّه يمنعه من الفواحش ويحمله على البِرِّ، فكان شعبة من الإيمان؛ لأنَّه يعمل عمله.


24# (يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ) بالمد؛ أي: يقبِّحُ له ارتكابه، ويخوفه منه؛ فإن كثرتَه عَجزٌ.

(دَعْهُ؛ فَإِنَّ

@%ج1ص49%

الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ) فلا يأتي إلَّا بخير، وذلك إذا كان استعماله على قانون الشرع، وحينئذٍ يكون باعثًا على الطَّاعات، ومانعًا من المعاصي.


24- قوله: (مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ): لَمْ أعرفِ الواعظَ إلَّا أنَّه مِنَ الأنصار كما هنا، والموعوظ لا أعرفه أيضًا.

قوله: (يَعِظُ أَخَاهُ): أي: يؤنِّبه ويقبِّحُ له كثرته، وأنَّه من العجز.


لا تتوفر معاينة

24- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ السَّابق، (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية الأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (مَالِكُ)، ولكريمة وأبي الوقت: ((مالك بن أنسٍ))؛ أي: إمام دار الهجرة رحمه الله (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب القرشيِّ العدويِّ، التَّابعيِّ الجليل، أحد الفقهاء السَّبعة بالمدينة في أحد الأقوال، المُتوفَّى بالمدينة سنة ستٍّ أو خمسٍ أو ثمانٍ ومئةٍ، (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ)؛ أي: اجتاز (عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ) أي: حال كونه (يَعِظُ أَخَاهُ) من الدِّين أو النَّسَب، قال في «المقدِّمة»: ولم يُسمَّيا جميعًا (فِي) شأن (الْحَيَاءِ)؛ بالمدِّ؛ وهو تغيُّرٌ وانكسارٌ عند خوفِ ما يُعَاب أو يُذَمُّ، قال الرَّاغب: وهو من خصائص الإنسان؛ ليرتدع عن ارتكاب كلِّ ما يشتهي، فلا يكون كالبهيمة، والوعظ: النُّصح والتَّخويف والتَّذكير، وقال الحافظ ابن حجرٍ: والأَوْلى أن يُشْرَح بما عند المؤلِّف في «الأدب المفرد» بلفظ: يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنك تستحيي حتَّى كأنَّه قد أضرَّ بك. قال: ويحتمل أن يكون جمع له العتاب والوعظ، فذكر بعض الرُّواة ما لم يذكره الآخر، لكن المخرج متَّحِدٌ، فالظَّاهر: أنَّه من تصرُّفِ الرَّاوي؛ بحسب ما اعتقد أنَّ كلَّ لفظٍ يقوم مقام الآخر انتهى. وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه بعيدٌ من حيث اللُّغة؛ فإنَّ معنى الوعظِ: الزَّجرُ، ومعنى العتبِ: الوجدُ، يقال: عتب عليه إذا وَجِدَ؛ على أنَّ الرِّوايتين تدلَّان على معنييَن جليِّيَن، ليس في واحدٍ منهما خفاءٌ حتَّى يُفسَّر أحدهما بالآخر، وغايته: أنَّه وعظ أخاه في استعمال الحياء وعاتبه عليه، والرَّاوي حكى في إحدى روايتيه بلفظ: الوعظ، وفي الأخرى بلفظ: المعاتبة، وكلاهما صواب [1] ، وقال التَّيميُّ: معناه الزَّجر؛ يعني: يزجره ويقول له: لا تستحي، وذلك أنَّه كان كثير الحياء، وكان ذلك يمنعه من استيفاء [2] حقوقه، فوعظه أخوه على ذلك، (فَقَالَ) له (رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: دَعْهُ)؛ أي: اتركه على حيائه؛ (فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ)؛ لأنَّه يمنع صاحبَه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان، فسُمِّيَ إيمانًا كما يُسمَّى الشَّيء باسم ما قام مقامه، قاله ابن قتيبة، و«مِن»: تبعيضيَّةٌ؛ كقوله في الحديث السَّابق: «الحياءُ شعبةٌ من الإيمان» [خ¦9] ، لا يُقَال: إذا كان الحياء بعض الإيمان فينتفي الإيمان بانتفائه؛ لأنَّ الحياء من مكمِّلات الإيمان، ونفيُ الكمال لا يستلزم نفيَ الحقيقة، والظَّاهر: أنَّ الواعظ كان شاكًّا، بل كان مُنْكِرًا؛ ولذا وقع التَّأكيد بـ: «إنَّ»، ويجوز أن يكون من جهة أنَّ القصَّة في نفسها ممَّا يجب أن يُهتمَّ به ويُؤكَّد عليه، وإن لم يكن ثَمَّةَ إنكارٌ أو شَكٌّ.

ورجال هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا عبد الله، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «البرِّ والصِّلة» [خ¦6118] ، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.

[1] «وكلاهما صوابٌ»: سقط من (س).
[2] في (م): «استيعاد».





24- ( أخبرنا مَالِك ) للأَصِيلي: «حدَّثنا»، زادت كريمة «ابن أنس».

( مَرَّ عَلَى رَجُلٍ ) في مسلم: «برجل»، و «مرَّ» بمعنى: اجتاز، يُعدَّى بعلى والباء.

( يَعِظُ ) في الأدب: «يعاتب». [خ: 6118]

( فِي ): سببيَّة.

( دَعْهُ ) أي: اتركه على هذا الخلق السِّنِّيِّ، ثمَّ زاده في ذلك ترغيبًا وتوكيدًا بقوله:

( فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ ) أي: لأنَّه يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان، فسُمِّيَ إيمانًا مجازًا من باب تسمية الشَّيء باسم ما قام مقامه، قاله ابن قتيبة.

وقال غيره: الحياء انقباض النَّفس خشية ارتكاب ما يكره. [/ج1ص174/]

[ وقال ] [1] الحَلِيميُّ: حقيقة الحياء: خوف الذَّمِّ لنسبة الشَّرِّ إليه.

[1] ما بين معقوفين زيادة توضيحية.





لا تتوفر معاينة

24- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((دَعْهُ فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ)).

الشرح:

هذا الإسناد سبق ذكر رجاله إلا سَالِمًا وهو أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله، سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، [1]القرشي العدوي المدني التابعي، الجليل الفقيه الصالح الزاهد الورع المتفق على جلالته، وهو أحد الفقهاء السبعة فقهاء المدينة على أحد الأقوال، سمع أباه، وأبا أيوب، ورافع بن خديج، وأبا هريرة، وعائشة رضي الله عنهم وخلائق غيرهم.

روى عنه جماعات من التابعين منهم: عمرو بن دينار، ونافع، والزهري، وحميد الطويل، وموسى بن عقبة، وآخرون.

وقال [2] ابن المسيب: كان عبد الله بن عمر رضيَ اللهُ عنهما أشبه ولد عمر رضيَ اللهُ عنهُ به، وكان سالم أشبه ولد عبد الله رضيَ اللهُ عنهُ به.

وقال مالك: لم يكن في زمن سالم أشبه بمن [3]مضى من الصالحين _ في الزهد والقصد والعيش _

#%ص130%

منه، كان يلبس الثوب بدرهمين.

وقال [4] إسحاق بن راهويه: أصح الأسانيد كلها: الزهري عن سالم عن أبيه.

وقال محمد بن سعد: كان سالم كثير الحديث، عاليًا [5] من الرجال، ورعًا.

قال [6] أبو نُعَيْم: توفي سنة ست ومائة، وقال [7] الأصمعي: سنة خمس [8]، وقال الهيثم: سنة ثمان رضي الله عنه.

فصل: قوله: (مَرَّ عَلَى رَجُلٍ) قال أهل اللغة: مرّ عليه، ومرّ به [9]، يمرُّ مرًا، أي: اجْتَازَ.

وقوله: (يَعِظُ أَخَاهُ) قال أهل اللغة: الوعْظُ: النُّصْحُ والتذكير بالعواقب، وقال ابن فارس: هو التخويف، قال: والعظة الاسم منه، قال الخليل: وهو التذكير بالخير فيما يرق له قلبه.

قال الزَّبِيديُّ في «مختصر العين»: الوعظُ والعِظَةُ والموعظةُ سواء، تقول [10]: وعظَه يعِظه وعظًا وموعظة، فاتعظ أي: قَبِلَ الموعظة، ومعنى: (يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ) أي: ينهاه عنه ويقبح له فعله ويخوفه [11] منه، فزجره النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عن وعظه، وقال: ( دَعْهُ فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ). وفي رواية أخرى في «الصحيح»: ( الحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ ). وفي رواية: ( الحياءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ ).

وأما فقه الحديث ومعانيه، وتحقيق كون الحياء من الإيمان وبيان معناه، فسبق [12] بيانه في باب أمور الإيمان، والله أعلم [13].

[1]زاد في (ك): ((العربي)).
[2] في (ك) و(ع): ((قال)).
[3] في (ص): ((من)).
[4] في (ع): ((قال)).
[5] في (ع): ((غالبًا)).
[6] في (ص): ((وقال)).
[7] في (ص): ((قال)).
[8] زاد في (ك): ((ومائة)).
[9] في (ص): ((مر عليهم، ومر بهم)).
[10]في (ك): ((يقال)).
[11] في (ص): ((وتخويفه)).
[12] في (ص): ((وبيان معانيه سبق)).
[13] قوله: ((والله أعلم)) ليس في (ص).
#%ص131%





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

24- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) التِّنِّيسي السابق ((قال: أخبرنا)) ، وفي رواية: (حدثنا) ((مالك)) وفي رواية: (مالك بن أنس) ، ((عن ابن شهاب)) محمد بن مسلم الزهري، ((عن سالم بن عبد الله)) بن عمر بن الخطاب، القرشي العدوي، التابعي، المتوفى بالمدينة سنة ست ومئة، ((عن أبيه)) عبد الله بن عمر رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر)) أي: اجتاز ((على رجل من الأنصار وهو)) أي: حال كونه ((يعظ أخاه)) من الدين، والرجلان لم يسمَّيا ((في)) شأن ((الحياء)) بالمد؛ وهو تغير وانكسار يحصل عند خوفِ ما يُعاب أو يذم، وهو من خصائص الإنسان، والوعظ: النصح، والتخويف، والتذكير، ومعناه كما قال التميمي: الزجر؛ أي: يزجره ويقول له: لا تستحي؛ لأنَّه كان كثير الحياء، وذلك يمنعه من استيفاء حقه، فوعظه أخوه على ذلك، ووقع هنا كلام بين ابن حجر وإمامنا الشيخ بدر الدين العيني في الرواية؛ كما بينه القسطلاني.

((فقال)) له ((رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه)) ؛ أي: اتركه على حيائه، ((فإن الحياء من الإيمان)) ؛ أي: شعبة من شعب الإيمان، فـ (مِن) للتبعيض؛ كما مر، فالحياء يمنع من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان، فسُمِّي إيمانًا كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه.

فإن قلت: إذا كان الحياء بعض الإيمان، فإذا انتفى الحياء؛ انتفى بعض الإيمان، وإذا انتفى بعض الإيمان؛ انتفت [1] حقيقة الإيمان؛ فينتج من هذه المقدمات انتفاء الإيمان عن من لم يستح، وانتفاء الإيمان كفر.

قلت: لا نسلم صدق كون الحياء من حقيقة الإيمان؛ لأنَّ المعنى: فإنَّ الحياء من مكملات الإيمان، وفي الكمال لا يستلزم الحقيقة، نعم؛ الإشكال قائم على قول من يقول: الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان، وهذا لم يقل به المحققون؛ كما قدمناه، أفاده في «عمدة القاري».

[1] في الأصل: (انتفى).