إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة

2724- 2725- وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) بلامٍ واحدةٍ، ابن سعدٍ الإمامُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) مصغَّرًا (ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضمِّ العين وسكون المثنَّاة الفوقيَّة (ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ) لم يُسَمَّ كغيره من المبهمات في هذا الحديث (أَتَى رَسُولَ اللهِ [1] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، أَنْشُدُكَ اللهَ) بفتح [2] الهمزة وضمِّ المعجمة والمهملة، أي: سألتك الله، أي: بالله، ومعنى السُّؤال هنا القسم، كأنَّه قال: أقسمت عليك بالله، أو ذكَّرتك الله _بتشديد الكاف_ وحينئذٍ فلا حاجة لتقدير حرف جرٍّ فيه (إِلَّا قَضَيْتَ) أي: ما أطلب منك إلَّا قضاءك (لِي بِكِتَابِ اللهِ) أي: بحكم الله، أو المراد به: ما كان من القرآن متلوًّا، فنُسِخَت تلاوته، وبقي حكمه، وهو: «الشَّيخ والشَّيخة إذا زنيا فارجموهما البتَّة نكالًا من الله» (فَقَالَ الْخَصْمُ الآخَرُ وَهْوَ أَفْقَهُ مِنْهُ) أي: بحسن [3] مخاطبته وأدبه، أو أفقه منه في هذه القصَّة لوصفها على وجهها: (نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ) الفاء جواب شرطٍ محذوفٍ (وَائْذَنْ لِي) هو بهمزتين الأولى همزة وصلٍ تُحذَف في الدَّرج، والثَّانية فاء الفعل ساكنةٌ، فإذا ابتدأت بها، ظهرت همزة الوصل، وقُلِبَت همزة الفعل ياءً من جنس حركة الهمزة قبلها على قاعدة اجتماع الهمزتين، وحُذِفَ المفعول المعدَّى بحرف الخفض للعلم به من السِّياق، والتَّقدير: وائذن لي في أن أقول، وهذا الاستئذان من حسن الأدب في مخاطبة الكبير (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ. قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا) القائل: إنَّ ابني... إلى آخره هو الخصم الثَّاني كما هو ظاهر السِّياق، وجزم الكرمانيُّ: بأنَّه الأوَّل، وعبارته: ولفظ «ائذن لي» عطفٌ على «اقضِ»؛ إذ المستأذن هو الرَّجل الأعرابيُّ لا خصمه. انتهى. والظَّاهر: أنَّه استدلَّ لذلك بما تقدَّم في «كتاب الصُّلح» [خ¦2695] عن آدم، عن ابن أبي ذئبٍ، فقال الأعرابيُّ: «إنَّ ابني» بعد قوله في الحديث: «جاء أعرابيٌ»، وفيه: «فقال خصمه»، لكن قال الحافظ ابن حجر: إنَّ هذه الزِّيادة شاذَّةٌ، يعني: قوله: «فقال الأعرابيُّ»، والمحفوظ في سائر الطُّرق كما هنا. انتهى. ويُنظَر في قول الكرمانيِّ: إذ المستأذن هو الرَّجل الأعرابيُّ لا خصمه، حيث جعله علَّة لقوله: «ائذن لي»، عطفٌ على «اقض» لأنَّ ظاهره التَّدافع على ما لا يخفى، وكذا قول العينيِّ في «باب الاعتراف بالزِّنى» من «كتاب الحدود» [خ¦6827] قوله: «وائذن لي [4]»، أي: في الكلام لأتكلَّم [5]، وهذا من جملة كلام الرَّجل لا الخصم، وهذا من جملة فقهه، حيث استأذن بحسن الأدب وترك رفع الصَّوت. انتهى. فليُتَأَمَّل. والعسيف [6] _بالسِّين المهملة والفاء_ أي: كان أجيرًا (عَلَى هَذَا، فَزَنَى) أي: ابنه (بِامْرَأَتِهِ) بامرأة الرَّجل (وَإِنِّي أُخْبِرْتُ) بضمِّ الهمزة وكسر الموحَّدة (أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ) لكونه كان بكرًا واعترف (فَافْتَدَيْتُ) ابني (مِنْهُ بِمِئَةِ شَاةٍ) من الغنم (وَوَلِيدَةٍ) جاريةٍ (فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ) الصَّحابة [7] الذين كانوا يفتون في العصر النَّبويِّ،
ج4ص438
وهم الخلفاء الأربعة وأُبيُّ بن كعبٍ ومعاذ بن جبلٍ وزيد بن ثابتٍ الأنصاريُّون، وزاد ابن سعدٍ عبد الرَّحمن بن عوف (فَأَخْبَرُونِي: أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِئَةٍ) بإضافة «جلدُ» إلى «مئةٍ»، ولأبي ذَرٍّ: ((مئةُ جلدةٍ)) (وَتَغْرِيبُ عَامٍ) من البلد الَّذي وقع فيه ذلك (وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ) أي: بحكمه، أو بما كان قرآنًا قبل نسخ لفظه (الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ) أي: مردودٌ (عليك) فأُطلِقَ المصدر على المفعول، مثل: نسجُ اليمنِ، أي: يجب ردُّهما عليك [8]، وسقط قوله «عليك» لغير أبي ذرٍّ (وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ) لأنَّه كان بكرًا واعترف هو بالزِّنا، لأنَّ إقرار الأب عليه لا يُقبَل. نعم [9]، إن كان هذا من باب الفتوى فيكون المعنى: إن كان ابنك زنى وهو بكرٌ، فحدُّه ذلك (اغْدُ يَا أُنَيْسُ) بضمِّ الهمزة وفتح النُّون مصغَّرًا (إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ) بالزنا، أو شهد عليها اثنان (فَارْجُمْهَا) لأنَّها كانت محصنة (قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا) أنيس (فَاعْتَرَفَتْ) بالزِّنا (فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَتْ) يحتمل أن يكون هذا الأمر هو الَّذي في قوله: «فإن اعترفت فارجمها» وأن يكون ذكر له أنَّها اعترفت، فأمره ثانيًا أن يرجمها، وبَعْثُ أُنيس _كما قاله النَّوويُّ_ محمولٌ عند العلماء من أصحابنا على إعلام المرأة بأنَّ هذا الرَّجل قذفها بابنه، لها عليه حدُّ القذف، فتطالب به، أو تعفو عنه إلَّا أن تعترف بالزِّنا، فلا يجب عليه حدُّ القذف، بل عليها حدُّ الزِّنا وهو الرَّجم، قال: ولا بدَّ من هذا التَّأويل، لأنَّ ظاهره أنَّه بعث ليطلب إقامة حدِّ الزِّنا، وهذا [10] غير مرادٍ، لأنَّ حدَّ الزِّنى لا يُحتاط له بالتجسُّس، بل لو أقرَّ الزَّاني استُحِبَّ أن يُلقَّن الرُّجوع [11].
ومطابقة الحديث للتَّرجمة قيل في قوله: «فافتديت منه بمئة شاةٍ ووليدةٍ» لأنَّ ابن هذا كان عليه جلد مئةٍ وتغريب عامٍ، وعلى المرأة الرَّجم، فجعلوا في الحدِّ الفداء بمئةِ شاةٍ ووليدةٍ، كأنَّهما وقعا شرطًا لسقوط الحدِّ عنهما، فلا يحلُّ هذا في الحدود، كذا قالوا، وفيه تعسُّفٌ [12] لا يخفى، لأنَّ الذي وقع إنَّما هو صلحٌ. وهذا الحديث قد ذكره البخاريُّ في مواضع مختصرًا ومطوَّلًا في «الصُّلح» [خ¦2695] و«الأحكام» [خ¦7193] و«المحاربين» [خ¦6859] و«الوكالة» [خ¦2315] و«الاعتصام» [خ¦7278] و«خبر الواحد» [خ¦7260] وأخرجه بقية الجماعة [13].
ج4ص439


[1] في (ص): «النَّبيَّ».
[2] في (م): «بضمِّ».
[3] في (د): «يحسن».
[4] «لي»: ليس في (د).
[5] في (د): «للمتكلِّم».
[6] قوله: «القائل: أن ابني... والعسيف»: سقط من (م).
[7] «الصَّحابة»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[8] قوله: «الوليدة والغنم... عليك» سقط من (م).
[9] في (د): «لكن».
[10] في (د): «وهو».
[11] في (ب) و(س): «يعرض له بالرجوع».
[12] في النُّسخ: «تعسُّفًا»، ولعل المثبت هو الصَّواب.
[13] قوله: «لأن الذي وقع... الجماعة» سقط من (م).