إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين

2738- وبه قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) وسقط لأبي ذَرٍّ «عبد الله» (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا) أي: ليس (حَقُّ امْرِئٍ) رجلٍ (مُسْلِمٍ) أو ذميٍّ، ولمسلمٍ عن أيوبَ عن نافعٍ: «ما حقُّ امرىءٍ يؤمن بالوصيَّة» [1]، قال ابن عبد البرِّ: فسَّره ابن عيينة: أي: يؤمن بأنَّها حقٌّ (لَهُ شَيْءٌ) صفةٌ لـ «امرىءٍ»، وعند البيهقيِّ [2]: «له مالٌ» بدل [3] «شيءٌ»، حال كونه (يُوصِي فِيهِ) [4] صفةٌ لـ «شيءٌ» حال كونه (يبيت ليلتين) صفةٌ أخرى لـ «امرىءٍ» ومفعول «يبيت» محذوفٌ، تقديره: آمنًا أو ذاكرًا أو موعوكًا، وعند البيهقيِّ: «ليلةً أو ليلتين» ولمسلمٍ والنَّسائيِّ: «ثلاث ليالٍ» والاختلاف دالٌّ على التَّقريب لا التَّحديد، والمبتدأ الَّذي هو «ما حقُّ» محصورٌ في خبره المقدَّر بعد «إلَّا» من قوله: (إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ) أي: ما حقُّه إلَّا المبيت ووصيته (مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ) مشهودٌ بها، فإنَّ الغالب إنَّما يكتب العدول، قال الله تعالى: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ} [المائدة: 106] ولأنَّ أكثر النَّاس لا يحسن الكتابة، فلا دلالة فيه على اعتماد الخط، ونقل في «المصابيح»: فيما إذا وُجِدَت وصيَّةٌ بخطِّ الميِّت من غير إشهادٍ في تَرِكَته، ويُعرَف أنَّها خطُّه بشهادة عدلين، عن الباجي أنَّها لا يثبت شيءٌ منها؛ لأنَّه قد يكتب ولا يعزم. رواه ابن القاسم في «المجموعة» و«العتبية»، ولم يحكِ ابن عرفة فيها خلافًا، والواو في «ووصيَّته» للحال، قال في «العُدَّة»: ويحتمل أن يكون خبر المبتدأ «يبيت» بتأويله بالمصدر، تقديره: ما حقُّه بيتوتة [5] ليلتين إلَّا وهو بهذه الصِّفة، وهذا معنى قوله في «المصابيح»: أن يبيت ليلتين [6]، ارتفع بعد حذف «أن» مثل قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ} [الرُّوم: 24] وقال في «الفتح» نحوه، وتعقَّبه العينيُّ، فقال: هذا قياسٌ فاسدٌ، وفيه تغيير المعنى أيضًا، وإنَّما قدَّر «أنْ» في قوله تعالى: {يُرِيكُمُ البَرْقَ} لأنَّه في موضع الابتداء؛ لأنَّ قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ} في موضع الخبر، والفعل لا يقع مبتدأً، فَتُقَدَّر [7] «أنْ» فيه حتَّى يكون في معنى المصدر، فيصحُّ حينئذٍ وقوعه مبتدأً، فمن له ذوقٌ في العربية يفهم هذا، ويعلم تغيير المعنى فيما قال. انتهى. ولم يجب عن ذلك في «انتقاض الاعتراض» بشيءٍ بل بيَّض له ككثيرٍ من الاعتراضات الَّتي أوردها العينيُّ عليه، لكن يدلُّ لِمَا قالوه رواية النَّسائيِّ من طريق فُضَيل بن عياضٍ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر، حيث قال فيها: «أَنْ يبيتَ» فصرَّح بـ «أن» المصدريَّة، والتَّعبير بالمسلم جرى على الغالب، وإلَّا فالذِّميُّ كذلك، فإن الكفَّار مخاطَبون بالفروع. فإن قلت: الوصيَّة شُرِعَت زيادةً في العمل الصَّالح، والكافر لا عمل له بعد الموت. أُجِيبَ: بأنَّهم نظروا إلى أنَّ الوصيَّة كالإعتاق، وهو صحيحٌ من الذِّميِّ والحربيِّ، أو التَّعبير بالمسلم من الخطاب المسمَّى عند البيانيِّين بالتَّهييج، أي: الَّذي يمتثل أمر الله ويجتنب نواهيه إنَّما هو المسلم، ففيه إشعارٌ بنفي الإسلام عن تارك ذلك، وقال الشَّافعيُّ فيما حكاه النَّوويُّ: معنى الحديث: ما الحزم [8] والاحتياط للمسلم إلَّا أن تكون وصيَّته مكتوبةً عنده، وروى البيهقيُّ في «المعرفة» ممَّا قرأته فيها عن الشَّافعيِّ أيضًا أنَّه قال في قوله: «ما حقُّ امرىءٍ» يحتمل ما لامرىء أن يبيت ليلتين إلَّا ووصيَّته مكتوبةٌ عنده، ويحتمل: ما المعروف في الأخلاق إلَّا هذا، لا من وجه الفرض. انتهى. وقد أُجمِعَ على الأمر بها، لكن مذهب الأربعة أنَّها مندوبةٌ لا واجبةٌ، ولا دلالة في حديث الباب لمن قال بالوجوب، وكيف وفي رواية مسلمٍ من طريق عبيد الله بن عمر [9] وأيُّوب: «يريد أن يوصي فيه» [10] فجعل ذلك متعلِّقًا [11] بإرادته. سلَّمنا أنَّه يدلُّ على الوجوب، لكن صرفه عن ذلك أدلَّةٌ أخرى، كقوله تعالى فيما قاله السُّهيلي: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}[النِّساء: 11-12]
ج5ص3
فإنَّه نكَّر الوصيَّة كما نكَّر الدِّين، ولو كانت الوصية واجبةً، لقال: من بعد الوصيَّة. نعم، روى ابن عون عن نافعٍ عن ابن عمر الحديث بلفظ: «لا يحلُّ لامرىءٍ مسلمٍ» وقال المنذريُّ: إنَّها تؤيِّد القائل [12] بالوجوب، لكن لم يتابع ابن عون على هذه الرِّواية، وقد قال المنذريُّ: إنَّها شاذَّة. نعم، تجب الوصيَّة على من عليه حقٌّ لله [13] كزكاةٍ وحجٍّ أو حقٍّ لآدميٍّ بلا شهودٍ، بخلاف ما إذا كان به شهودٌ فلا تجب، وهل الحكم كذلك في اليسير الَّتي جرت العادة بردِّه مع القرب، فيه كلام لبعضهم مال [14] فيه إلى أنَّ مثل هذا [15] لا تجب الوصيَّة فيه على التَّضييق والفور مراعاةً للشَّفقة.
وهذا الحديث رواه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
(تَابَعَهُ) أي: تابع مالكًا في أصل الحديث (مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ) الطَّائفيُّ، فيما رواه الدَّارقطنيُّ في الإفراد (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينار (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
ج5ص4


[1] هكذا عزاه القسطلاني رحمه الله ولم أجد من سبقه إلى هذا العزو، وسبب ذلك الاختصار المخل من «الفتح»، إذ الحديث الذي أورده هو من رواية الشافعي عن ابن عيينة عن أيوب كما في السنن المأثورة (538) أما حديث مسلم عن أيوب (1627) فهو بلفظ: «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده».
[2] في (د): «وعند النَّسفيِّ» وليس بصحيحٍ.
[3] زيد في (د): «من».
[4] في (د): «يوصي به».
[5] في (د): «بيتوتته».
[6] «ليلتين»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[7] في (د): «فيقدَّر» كذا في العمدة.
[8] في (ص): «أحزم».
[9] في (د): «عبد الله بن عمرو» وليس بصحيحٍ.
[10] في (د): «به».
[11] في (د): «معلَّقًا».
[12] في (ب) و(س): «القول».
[13] في (د1) و(م): «حقُّ الله».
[14] في (د): «قال».
[15] في (د): «هذه».