إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث ابن عباس: {ص} ليس من عزائم السجود

1069- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الرَّاء آخرُه موحَّدةٌ (وَأَبُو النُّعْمَانِ) بضمِّ النُّون، محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ (قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) ولأبي الوقت وللأَصيليِّ: ((حمَّاد بن زيدٍ)) ولأبي ذَرٍّ: ((هو ابن زيدٍ)) (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ): السُّجود في سورة ({ص} لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ) أي: ليست من المأمور بها، والعزم في الأصل: عقدُ القلب على الشَّيء، ثمَّ استُعمِلَ في كلِّ أمرٍ محتومٍ، وفي الاصطلاح: ضدُّ الرُّخصة؛ وهي ما ثبت على خلاف الدَّليل لعذرٍ (وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يَسْجُدُ فِيهَا) موافقةً لأخيه داود _صلوات الله وسلامه عليهما_ وشكرًا لقبول توبته، وللنَّسائيِّ من حديث ابن عبَّاسٍ، قال: «إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم سجد في {ص}»، وقال: «سجدها داود توبةً، ونسجدها شكرًا»، وفي حديث أبي سعيد الخدري عند أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ على شرط البخاريِّ: خطبَنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يومًا، فقرأ «ص»، فلمَّا مرَّ بالسُّجود تَشَزَّنَّا _بتشديد الزَّاي والنُّون_، أي: تهيَّأنا له، فلمَّا رآنا قال: «إنَّما هي توبةُ نبيٍّ، ولكن قد استعددتم للسُّجود» فنزل وسجد، فيُستحَبُّ السُّجود لـ «ص» في غير الصَّلاةِ لما ذكر، ويحرم فيها لأنَّ سجود الشُّكر لا يُشرَع داخل الصَّلاة، فإنْ سجد [1] فيها عامدًا [2] عالمًا بتحريمها بطلت صلاته، بخلاف فعلها سهوًا أو جهلًا للعذر، لكنَّه يسجد للسَّهو، ولو سجدها إمامه باعتقادٍ منه كحنفيٍّ لم يتبعه بل يفارقه، أو ينتظره قائمًا، وإذا انتظره لا يسجد للسَّهو على الأصحِّ، قال في «الرَّوضة»: لأنَّ المأموم لا سجود لسهوه، أي: لا سجود عليه في فعلٍ يقتضي سجود السَّهو لأنَّ الإمام يتحمَّله عنه، فلا يسجد لانتظاره، ووجه السُّجود: أنَّه
ج2ص282
يعتقد أنَّ إمامه زاد في صلاته جاهلًا، وأنَّ سجود السَّهو توجَّه عليهما، فإذا لم يسجد الإمام سجد المأموم، ذكره في «المجموع» وغيره، ووقع عند المؤلِّف في «تفسير سورة ص» من طريق مجاهدٍ قال: سألت ابن عبَّاسٍ: من أين سجدت؟ فقال: أوَما تقرأ {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ}... {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه}؟ [الأنعام: 84-90] ففي هذا [3] أنَّه استنبط مشروعيَّة السُّجود فيها من الآية، وفي حديث الباب أنَّه أخذه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولا تعارضَ بينهما لاحتمال أن يكون استفاد [4] من الطَّريقين، وزاد في «أحاديث الأنبياء» [خ¦3422] من طريق مجاهدٍ أيضًا [5]: فقال ابن عبَّاسٍ: نبيُّكم ممَّن أمر أن يُقتدى بهم فاستنبط منه وجه سجود النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيها من الآية، والمعنى: إذا كان نبيُّكم مأمورًا بالاقتداء بهم فأنت أَولى، وإنَّما أمره بالاقتداء بهم ليستكمل بجميع فضائلهم الجميلة وخصائلهم الحميدة؛ وهي نعمةٌ ليس وراءها نعمةٌ، فيجب عليه الشُّكر لذلك.
وفي الحديث: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أيضًا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦3422]، وأبو داود والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
ج2ص283


[1] غير (ب) و(س): «سجدها».
[2] في (ب): «عمدًا».
[3] في (ص): «هذه».
[4] في (د): «استفاده».
[5] «أيضًا»: ليس في (د).