إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من حلف على يمين وهو فيها فاجر

2416- 2417- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابن سلامٍ كما ذكره أبو نعيمٍ وخلفٌ قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ _بالخاء المعجمة والزَّاي_ الضَّرير (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) أبي وائلٍ، هو ابن سلمة، الأسديِّ الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ) أي: محلوف يمينٍ، أو على شيءٍ بيمينٍ (وَهْوَ فِيهَا) أي: والحال أنَّه فيها (فَاجِرٌ) كاذبٌ (لِيَقْتَطِعَ بِهَا) أي: باليمين الفاجرة (مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) أو ذمِّيٍّ، والتَّقييد بالمسلم جرى على الغالب؛ كما جرى على الغالب في تقييده بمالٍ، وإلَّا فلا فرق بين المسلم والذِّمِّيِّ والمعاهد وغيرهم [1]، ولا بين المال وغيره في ذلك؛ لأنَّ الحقوق [2] كلَّها في ذلك [3] سواءٌ، ومعنى اقتطاعه المال: أن يأخذه بغير حقِّه، بل بمجرَّد يمينه المحكوم بها في ظاهر الشَّرع (لَقِيَ اللهَ) عَزَّ وَجَلَّ يوم القيامة (وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا، والغضب من المخلوقين شيءٌ يداخل قلوبهم، ولا يليق أن يُوصَف الباري تعالى بذلك، فيؤَوَّل ذلك على ما يليق به تعالى، فيُحمَل على آثاره ولوازمه، فيكون المراد: أن يعامله معاملة المغضوب عليه، فيعذِّبه بما شاء من أنواع العذاب (قَالَ [4]: فَقَالَ الأَشْعَثُ) ابن قيسٍ الكنديُّ: (فِيَّ _وَاللهِ_ كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ) اسمه الجَفْشِيش [5]؛ بالجيم المفتوحة والشِّينين المعجمتين، بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ على الأشهر، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((كان بين رجل وبيني)) (أَرْضٌ) ولـ «مسلمٍ»: أرضٌ باليمن، وفي «باب الخصومة في البئر» [خ¦2356]: كانت لي بئرٌ في أرضٍ (فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟) أي: تشهد لك باستحقاقك ما ادَّعيته؟ قال الأشعث: (قُلْتُ: لَا) بيِّنةَ لي (قَالَ: فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام (لِلْيَهُودِيِّ: احْلِفْ، قَالَ) الأشعث: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِذًا يَحْلِفَ) بالنَّصب بـ «إذًا» (وَيَذْهَبَ بِمَالِي) بنصب «يذهبَ» عطفًا على سابقه، وهذا موضع التَّرجمة؛ فإنَّه نسبه إلى الحلف الكاذب؛ لأنَّه أخبر بما كان يعلمه منه (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ}) أي: يستبدلون ({بِعَهْدِ اللهِ}) بما عاهدوا الله عليه من الإيمان بالرَّسول [6] والوفاء بالأمانات ({وَأَيْمَانِهِمْ}) وبما حلفوا عليه ({ثَمَنًا قَلِيلًا}) متاع الدُّنيا (إِلَى آخِرِ الآيَةِ) في سورة آل عمران [77]، {أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ} أي: بما يسرُّهم [7]{وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، وقيل: نزلت في أحبارٍ حرَّفوا التَّوراة، وبدَّلوا نعت [8] محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وحكم الأمانات وغيرهما [9]، وأخذوا على ذلك رشوةً، وقيل: نزلت في رجلٍ أقام سلعةً في السُّوق، فحلف لقد اشتراها بما لم يشتر به.
وقد سبق هذا [10] الحديث في «المساقاة» [خ¦2356].
ج4ص235


[1] زيد في (د1) و(ص): «في ذلك».
[2] في (م): «لا بالحقوق»، وهو تحريفٌ.
[3] في (د1) و(ص) و(م): «في ذلك كلُّها».
[4] «قال»: ليس في (د).
[5] في (د): «الجشيش»، وهو تحريفٌ.
[6] في غير (د) و(س): «بالرُّسل».
[7] «أي: بما يسرُّهم»: ليس في (ص).
[8] في (د): «نعمة»، ولعلَّه تحريفٌ.
[9] في (د) و(م): «وغيرها».
[10] «هذا»: ليس في (د).