إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: الجار أحق بسقبه

2258- وبه قال: (حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشير بن فرقدٍ الحنظليُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدَّ الميمنة (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) بفتح العين وسكون الميم، و«الشَّريد» بفتح الشِّين المعجمة وكسر الرَّاء المُخفَّفة آخره دالٌ مهملةٌ، ابن سُويدٍ التَّابعيِّ الثِّقة، وأبوه صحابيٌّ، أنَّه (قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَجَاءَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بكسر ميم «مِسْورٍ» وسكون السِّين، وفتح ميمَي «مَخْرمَة» وسكون الخاء المعجمة بينهما (فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيَّ) بتأنيث «إحدى»، وأنكره بعضهم لأنَّ المنكب مُذكَّرٌ، وفي نسخة الميدوميِّ: ((أحد)) بالتَّذكير، وهو بخطِّ الحافظ الدِّمياطيِّ كذلك (إِذْ جَاءَ أَبُو رَافِعٍ) أسلمُ القبطيُّ (مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم) وكان للعبَّاس فوهبه له عليه الصلاة والسلام، فلمَّا بشَّر النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بإسلام العبَّاس أعتقه، و«إذ» للمفاجأة مضافةٌ للجملة، وجوابها قوله: (فَقَالَ) أبو رافعٍ: (يَا سَعْدُ ابْتَعْ) أي [1]: اشترِ (مِنِّي بَيْتَيَّ) الكائنين (فِي دَارِكَ، فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللهِ مَا أَبْتَاعُهُمَا) أي: ما أشتريهما (فَقَالَ الْمِسْوَرُ: وَاللهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا) بفتح اللَّام المُؤكَّدة ونون التَّوكيد المُثقَّلة [2]، ووقع في رواية سفيان [خ¦6977] أنَّ أبا رافعٍ سأل المِسْور أن يساعده على ذلك (فَقَالَ سَعْدٌ) لأبي رافعٍ: (وَاللهِ [3] لَا أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ مُنَجَّمَةٍ أَوْ) قال: (مُقَطَّعَةٍ) وهما بمعنًى، أي: مُؤجَّلةٍ، والشَّكُّ من الرَّاوي، وفي رواية سفيان الآتية _إن شاء الله تعالى_ في «ترك الحيل» [خ¦6978]: أربع مئة مثقالٍ (قَالَ أَبُو رَافِعٍ: لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَ مِئَةِ دِينَارٍ) بضمِّ همزة «أُعطيت» على صيغة المجهول (وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: ((رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم يَقُولُ: الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ) بفتح السِّين المهملة والقاف وبعدها مُوحَّدةٌ، ويجوز إبدال السِّين صادًا: القرب والملاصقة، أو الشَّريك (مَا أَعْطَيْتُكَهَا) أي: البقعة الجامعة للبيتين (بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَأَنَا أُعْطَى) بضمِّ الهمزة وفتح الطَّاء مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((وإنَّما أعطى)) (بِهَا خَمْسَ مِئَةِ دِينَارٍ، فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ) قال في «معالم السُّنن»: وقد احتجَّ بهذا من يرى الشُّفعة بالجوار، وأوَّله غيره على أنَّ المراد: أنَّ الجار أحقُّ بسقبه إذا كان شريكًا، فيكون معنى الحديثين على الوفاق دون الاختلاف، واسم الجار قد يقع على الشَّريك؛ لأنَّه قد يجاور شريكه ويساكنه في الدَّار المشتركة بينهما؛ كالمرأة تُسمَّى جارةً لهذا المعنى، قال: ويحتمل أنَّه أراد: أحقُّ بالبرِّ والمعونة وما في معناهما، وكذا قال ابن بطَّالٍ وزاد: أنَّ قولهم المراد به: الشَّريك بناءً على أنَّ أبا رافعٍ كان شريك سعدٍ في البيتين، وتعقَّبه ابن المنيِّر: بأنَّ ظاهر الحديث أنَّ أبا رافعٍ كان يملك بيتين من جملة دار سعدٍ، لا شقصًا شائعًا من منزل سعدٍ. انتهى. وإنَّما عدل عن الحقيقة في تفسير السَّقب إلى المجاز؛ لأنَّ لفظ «أحقُّ» في الحديث يقتضي شركةً في نفس الشُّفعة، والذي له حقُّ الشُّفعة الشَّريكُ والجار على مذهب القائل به، ولا ريبَ أنَّ الشَّريك أحقُّ من غيره، فكيف يُرجَّح الجار عليه مع ورود تلك النُّصوص الصَّحيحة، فيُحمَل الجار على الشَّريك؛ جمعًا بين حديث جابرٍ [خ¦2257] المصرِّح باختصاص الشُّفعة بالشَّريك وحديث أبي رافعٍ إذ هو [4] مصروف الظَّاهر اتِّفاقًا؛ لأنَّ الذين قالوا بشفعة الجوار قدَّموا الشَّريك مطلقًا، ثمَّ المشارك في الطَّريق، ثمَّ الجار على من ليس بمجاورٍ، ومن ثمَّ تعيَّن التَّأويل، وقال أبو سليمان _، أي: الخطَّابيُّ [5]_ بعد أن ساق حديث أبي داود: حدَّثنا عبد الله بن محمَّدٍ النُّفيليُّ قال: حدَّثنا سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة: سمع عمرو ابن الشَّريد: سمع أبا رافعٍ: سمع النَّبيَّ
ج4ص124
صلى الله عليه وسلم يقول: «الجارُّ أحقُّ بسقبه» تكلَّم بعضهم في إسناد هذا الحديث، واضطراب الرُّواة [6] فيه؛ فقال بعضهم: عن [7] عمرو بن الشَّريد عن أبي رافعٍ: سمع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم [8]، وقال بعضهم: عن أبيه عن أبي رافعٍ، وأرسله بعضهم، وقال فيه قتادة عن عمرو بن شُعَيبٍ عن الشَّريد، قال: والأحاديث التي جاءت في «أن لا شفعة إلَّا للشَّريك» أسانيدها جيادٌ، وليس في شيءٍ منها اضطرابٌ. انتهى [9].
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «ترك الحيل» [خ¦6977] عن عليِّ بن عبد الله، عن سفيان [10] بن عيينة، وعن محمَّد بن يوسف وأبي نُعيمٍ، كلاهما عن [11] سفيان الثَّوريِّ [خ¦6978] [خ¦6980] وعن مُسدَّدٍ عن يحيى عن الثَّوريِّ [خ¦6981]، وأخرجه أبو داود في «البيوع» عن العقيليِّ [12] عن سفيان بن عيينة به [13]، وعن محمود [14] بن غيلان عن أبي نُعَيمٍ به، وأخرجه ابن ماجه في «الأحكام» من طريق ابن عيينة.
ج4ص125


[1] «أي»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[2] في (د): «الثَّقيلة».
[3] «واللهِ»: ليس في (د).
[4] «إذا هو»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[5] «أي الخطَّابيُّ»: ليس في (د).
[6] في (ص): «الرِّواية».
[7] «عن»: ليس في (د).
[8] «سمع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[9] «انتهى»: ليس في (د).
[10] زيد في (ب): «الثَّوريِّ وعن»، وليس بصحيحٍ.
[11] في (ب): «من»، وهو تحريفٌ.
[12] في (ب): «الصَّقلِّيِّ»، وهو تحريفٌ.
[13] «به»: ليس في (ب).
[14] في (د): «محمَّد»، وهو تحريفٌ.