التوضيح لشرح الجامع البخاري

باب في الشرب

          (♫)
          ░42▒ (بَابٌ: فِي الشِّرْبِ
          وَقَوْلِ اللهِ _تعالى_: {وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:30]، وَقَوْلِهِ _جَلَّ ذِكْرُهُ_: {أَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ} إلى قوله: {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} [الواقعة:69] الأُجَاجُ: الْمُرُّ، الْمُزْنُ: السَّحَابُ).
          الشَّرح: (الشِّرْبِ) بكسر الشِّين النَّصيبُ والحظُّ مِنَ الماء، قاله ابن التِّيْنِ، قال: ومَنْ ضبطه بضمِّ الشِّين أراد المصدرَ، وسبقَه إلى ذلك أبو المعالي في «المنتهى» فقال: الشِّرب _بالكسر_ النَّصيب والحظُّ مِنَ الماء، يُقال: كم شِرْبُ أرضك، وفي المثَل: آخرُها شِربًا أقلُّها شُربًا، وأصلُه في سقي الماء لأنَّ آخرَ الإبل تَرِدُ وقد نُزِفَ الحوضُ، وقد سمعَ الكِسائيُّ عن العرب أقلُّها شَـُُِربًا على الوجوه الثَّلاثة، يعني الفتحَ والضَّمَّ والكسرَ، قال: وسمعَهم أيضًا يقولون: أعذبَ الله شِربكم _بالكسر_ أي ماءكم، وقيل: الشِّربُ أيضًا وقت الشُّرب، وعن أبي عبيدة: الشَّرب بالفتح المصدرُ وبالضَّمِّ والكسر، يُقال: شَرِب يشرَب شربًا، بالحركات الثَّلاثة، وقُرئ: {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} [الواقعة:55] بالوجوه الثَّلاثة.
          وقوله _تعالى_: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء:30] قال قَتادة: مخلوق مِنَ الماء، فإنْ قلتَ: قَد رأينا مخلوقًا مِنَ الماء / غيرَ حيٍّ؟ قلتُ: أجاب عنه قُطربٌ أنَّه لم يقل: لم يخلق مِنَ الماء إلَّا حيًّا، وقيل: معناه أنَّ كلَّ حيوان أرضيٍّ لا يعيش إلَّا بالماء، وقال الرَّبيع بن أنسٍ: {مِنَ الْمَاءِ}، أي مِنَ النُّطفة، قال ابن بطَّالٍ: أراد به حياة جميع الحيوان الَّذِي يعيش في الماء، قال: ومَنْ قرأ: {حَيًّا} يدخُل فيه الحيوان والجمادُ، لأنَّ الزَّرع والشَّجر لهما موتٌ، إذا جفَّت ويبست، وحياتُها: خضرتُها ونضرتُها.
          و(الْمُزْنُ: السَّحَابُ) كما سلف؛ قاله مجاهدٌ وقَتادة، والقطعة منها: مُزنةٌ، ويُقال للهلال: ابنُ مُزنةٍ. و(الأُجَاجُ: الْمُرُّ) كذا فسَّره البُخارِيُّ، وهو قول أبي عُبيدة، وفي بعض النُّسخ بدله: <المِلْحُ>، وقال ابن سِيدَه: الأُجاج المِلْحُ، وقيل: الشَّديدُ المرارةِ، وقيل: الشَّديد الحرارة، وقال ابن فارسٍ: هو الملحُ، ويُقال: الحارُّ.
          عدَّد الله _تعالى_ على عباده نعمتَه في خلقِه لهم الماءَ عذبًا يتلذَّذون بشربه وتنمو به ثمارهم، وَلو شاء لجعله مالحًا فلا يشربون منه ولا ينتفعون به في زروعهم وثمارهم {فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ} [الواقعة:70] أي فهلَّا تشكرون الله على ما فعل بكم.