التوضيح لشرح الجامع البخاري

المقدمة

          ♫
          {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} [البقرة:250]، وصلِّ على سيِّدنا محمَّدٍ وآله وصحبِه وسلِّم.
          {رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف:10].
          أحمدُ الله على توالي إنعامِه، وأشكرُه على ترادفِ أفضالِه، بنفي الزَّيغِ والتَّحريفِ عن كلامِ أشْرفِ أصفيائه، ببقاءِ الجَهابذةِ والنُّقَّاد إلى يوم لقائِه.
          وأشهدُ أنْ لا إله الَّا الله وحدَه لا شَريكَ له، شهادةً دائمةً بدوامِه، وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، خاتمُ رسلِه ومِسْكُ ختامه، صلَّى الله عليه وَعَلى آلهِ وصَحْبِه صَلاةً مقرونةً بسلامِه.
          وبعدُ، فهذِه نُبَذٌ مهمَّةٌ، وجواهر جمَّةٌ، أرْجو نفعَها وذُخرَها، وجزيلَ ثوابِها وأجرِها، على صحيح الإمام أميرِ المؤمنين أبي عبد الله محمَّد بن إسماعيلَ البُخاريِّ، سقَى الله ثرَاه، وجَعلَ الجنَّة مأواه، الَّذي هو أصحُّ الكتبِ بعدَ القرآن، وأجلُّها وأعظمُها، وأعمُّها نَفعًا بعد الفُرقان.
          وأحَصرُ مقصودَ الكلام في عشرةِ أقسامٍ:
          أحدها: في دقائق إسنادِه ولطائفِه.
          ثانيها: في ضبطِ ما يُشكلُ مِن رِجالِه، وألفاظ متونِه ولغتِهِ وغَريبِهِ.
          ثالثها: في بيان أسْماء ذوي الكُنى، وأسْماء ذَوي الآباء والأُمَّهات.
          رابعها: فيما يَخْتلف مَنها ويَأْتلف.
          خامسها: في التَّعريف بحالِ صَحابتِه، وتابعيهم، وأتباعهِم، وضبطِ أنسابِهم، ومولدِهم ووفاتِهم. وإنْ وقعَ في التَّابعينَ أو أتباعِهم قَدْحٌ يسيرٌ بيَّنتُه، وأجبتُ عنه، كلُّ ذلكَ على سبيلِ الاخْتصار، حَذرًا مِن المَلالة والإكثار.
          سادسها: في إيضاحِ مَا فيه مِن المُرسل، والمُنقطع، والمقطوع، والمُعضل والغَريب، والمتواتر والآحاد، والمُدْرج والمُعلَّل، والجوابِ عمَّن تَكلِّم على أحاديثَ فيه بسببِ الإرْسال، أو الوقف، أو غير ذلك.
          سابعها: في بيان غامضِ فقهِهِ واسْتنباطِهِ، وتراجم أبوابِه؛ فإنَّ فيه مواضع يتحيَّر النَّاظرُ فيها، كالإحالة عَلى أصلِ الحديث ومخرجِه، وغيرِ ذلكَ ممَّا ستَراه.
          وثامنها: في إسنادِ تعاليقِه، ومُرسلاتِه، ومقاطيعِه.
          تاسعها: في بيان مُبهماتِه، وأماكنِهِ الواقعة فيه.
          عاشرها: في الإشارة إلى بعضِ ما يُستنبط مِنه مِن الأصول والفروع، والآداب والزُّهد، وغيرها، والجمع بَين مختلفها، وبيان النَّاسخ والمنسوخِ منها، والعامِّ والخاصِّ / ، والمُجمل والمبيَّن، وتبيين المَذاهب الواقعةِ فيه، وأذكرُ إنْ شاءَ الله تعالى وجْهَها، وما يظهرُ منها ممَّا لا يظهرُ، وغيرَ ذلك مِن الأقسام الَّتي نسألُ الله إفاضتَها عَلينا.
          ونذكرُ قبل الشُّروع في ذلكَ مقدِّماتٍ مهمَّةً منثورةً في فصولٍ مشتملةٍ على سببِ تصنيفِه، وكيفيَّة تأليفِه، وما سمَّاه به، وعددِ أحاديثه، ونُبذةٍ مِن حالِ مُصنِّفه، وبيانِ رِجالِ إسنادِه إلينا، وما يتعلَّق بـ«صحيحه»، كطبقاتِ رجالِه، وحالِ تعاليقِه، وبيانِ فائدة إعادتِه الحديثَ في الأبوابِ، والجواب عمَّن خرَّج حديثَه في «الصَّحيح» وتُكلِّم فيه، وفي أحاديثَ استُدركتْ عليه وعَلى مسلمٍ، وفي أحاديث أُلزما إخراجها، وفي بيان شَرطهما، ومَعرفة الاعْتبار، والمتابعة، والشَّاهد، والوَصل، والإرسال، والوقف، والانْقطاع، وزيادة الثِّقات، والتَّدليس، والعَنْعَنة، ورواية الحديثِ بالمعنى واختصاره، ومعرفة الصَّحابيِّ والتَّابعيِّ، وضبط جملةٍ مِن الأسماء المتكرِّرة، وغير ذلكَ ممَّا سترَاه إنْ شاءَ الله تعالى.
          وإذا تكرَّرَ الحديثُ شرحتُه في أوَّل موضعٍ، ثمَّ أحَلْتُ فيما بعدُ عليه، وكَذا إذا تكرَّرتِ اللَّفظة مِن اللُّغة بيَّنتُها واضحةً في أوَّل موضعٍ، ثمَّ أُحيلُ بعدُ عليه، وكذا أفعلُ في الأسماء أيضًا.
          وسمَّيتُه: «التَّوضيح لشرْحِ الجامِعِ الصَّحيحِ» نسألك اللَّهمَّ العونَ على إيضاح المشكلات، واللُّطفَ في الحركات والسَّكنات، والمَحيا والممات، ونعوذُ بكَ مِن علمٍ لا ينفع، وعملٍ لا يُرفع، وقولٍ لا يُسمع، وقلبٍ لا يَخشع، ونفسٍ لا تَشبع، ودُعاءٍ لا يُسمع.
          وعليك اللَّهمَّ أعتضدُ فيما أعتمدُ، وأنتَ حسبي ونِعم الوكيل، اللَّهُمَّ وانْفَعْ به مؤلِّفَه وكاتبَه، وقارئَه، والنَّاظرَ فيه، وجميعَ المسلمين. آمين.