إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

معلق أحمد بن سعيد: لا يعضد عضاهها ولا ينفر صيدها

2434- (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين مُضبَّبًا عليه، ولأبوي ذرٍّ والوقت: ((سعيدٍ)) بكسرها، وهو _فيما حكاه ابن طاهرٍ_ الرِّباطيُّ، وفيما ذكره أبو نعيمٍ الدَّارميُّ: (حَدَّثَنَا رَوْحٌ) بفتح الرَّاء وسكون الواو ثمَّ حاءٌ مهملةٌ، هو ابن عبادة، وقد وصله الإسماعيليُّ من طريق العبَّاس بن عبد العظيم وأبو نعيمٍ من طريق خلف بن سالمٍ، عن رَوْح بن عبادة قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ) بن إسحاق المكِّيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قَالَ) أي: عن مكَّة: (لَا يُعْضَدُ) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الضَّاد المعجمة، والرَّفع في الفرع على النَّفي، وجوَّز الكرمانيُّ الجزم على النَّهي، أي: لا يُقطَع (عِضَاهُهَا) بكسر العين المهملة وفتح الضَّاد المعجمة وبعد الألف هاءان، مرفوعٌ نائبٌ عن الفاعل: شجر أمِّ غيلان، أو كلُّ شجرٍ له شوكٌ عظيمٌ (وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا) بالرَّفع (وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ) أي: لمعرِّفٍ على الدَّوام يحفظها، وإلَّا فسائر البلاد كذلك، فلا تظهر فائدة التَّخصيص، فأمَّا من يريد [1] أن يعرِّفها ثمَّ يتملَّكها فلا، قال النَّوويُّ في «الرَّوضة»: قال أصحابنا: ويلزم الملتقط بها الإقامة للتَّعريف، أو دفعها إلى الحاكم، ولا يجيء الخلاف فيمن التقط للحفظ هل يلزمه التَّعريف؟ بل يجزم هنا بوجوبه للحديث، والله أعلم، وإنَّما اختُصَّت مكَّة بأنَّ لقطتها
ج4ص246
لا تُملَك؛ لإمكان إيصالها [2] إلى ربِّها؛ لأنَّها إن كانت للمكِّيِّ؛ فظاهرٌ، وإن كانت للآفاقيِّ فلا تخلو غالبًا من واردٍ إليها، فإذا عرَّفها واجدُها في كلِّ عامٍ؛ سَهُلَ التَّوصُّل إلى معرفة صاحبها، ولا تُلحَق لقطة المدينة الشَّريفة بلقطة مكَّة؛ كما صرَّح به الدَّارميُّ والرُّويانيُّ، وقضيَّة كلام صاحب «الانتصار»: أنَّه [3] كحرم مكَّة؛ كما في حرمة الصَّيد، وجرى [4] عليه البلقينيُّ؛ لما روى أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ في حديث المدينة: «ولا تُلتقَط لقطتها إلَّا لمن أشاد بها»، وهو بالشِّين المعجمة ثمَّ الدَّال المهملة، أي: رفع صوته، وقال جمهور المالكيَّة وبعض الشَّافعيَّة: لقطة مكَّة كغيرها من البلاد، ووافق جمهورَ الشَّافعيَّة من المالكيَّة الباجيُّ وابن العربيِّ؛ تمسُّكًا بحديث الباب، لكن قال ابن عرفة منتصرًا لمشهور مذهب المالكيَّة: والانفصال عن التَّمسُّك به على قاعدة مالكٍ في تقديمه العمل على الحديث الصَّحيح حسبما ذكره ابن يونس في «كتاب الأقضية»، ودلَّ عليه استقراء المذهب، وقال ابن المنيِّر: مذهب مالكٍ التَّمسُّك بظاهر الاستثناء؛ لأنَّه نفى الحلَّ واستثنى المنشِد، والاستثناء من النَّفي إثباتٌ، فيكون الحلُّ ثابتًا للمنشد، أي: المُعرِّف؛ يريد: بعد قيامه بوظيفة التَّعريف، وإنَّما يريد [5] على هذا: أنَّ مكَّة وغيرها بهذا الاعتبار في تحريم اللُّقطة قبل التَّعريف، وتحليلها بعد التَّعريف واحدٌ، والسِّياق يقتضي اختصاصها عن غيرها، والجواب: أنَّ الذي أشكل على غير مالكٍ [6] إنَّما هو تعطيل المفهوم؛ إذ مفهوم اختصاص مكَّة بحلِّ اللُّقطة بعد التَّعريف [7] وتحريمها قبله أنَّ غير مكَّة ليس كذلك، بل [8] تحلُّ لقطته مطلقًا، أو تحرم مطلقًا، وهذا لا قائل به، فإذا آل الأمر إلى هذا؛ فالخطب سهلٌ [9] يسيرٌ؛ وذلك أنَّا اتَّفقنا على أنَّ التَّخصيص إذا خرج مخرج الغالب؛ فلا مفهوم له، وكذلك نقول هنا: الغالب أنَّ لقطة مكَّة ييئس ملتقطها من صاحبها؛ لتفرُّق الخلق عنها إلى الآفاق البعيدة، فربَّما داخله الطَّمع فيها من أوَّل وهلةٍ، فاستحلَّها قبل التَّعريف، فخصَّها الشَّارع بالنَّهي عن استحلال لقطتها قبل التَّعريف؛ لاختصاصها بما ذكرناه، فقد ظهر للتَّخصيص فائدةٌ سوى المفهوم، فسقط الاحتجاج به [10]، وانتظم [11] الاختصاص حينئذٍ، وتناسب السِّياق؛ وذلك أنَّ المأيوس من معرفة صاحبه لا يُعرَّف؛ كالموجود بالسَّواحل، لكنَّ مكَّة تختصُّ بأن تُعرَّف لقطتها، وقد نصَّ بعضهم على أنَّ لقطة العسكر ببلد [12] الحرب إذا تفرَّق العسكر لا تُعرَّف سنةً؛ لأنَّها إمَّا لكافرٍ فهي مباحةٌ، وإمَّا لأهل العسكر فلا معنى لتعريفها في غيرهم، فظهر حينئذٍ اختصاص مكَّة بالتَّعريف، وإن تفرَّق أهل الموسم مع أنَّ الغالب كونها لهم وأنَّهم لا يرجعون لأجلها، فكأنَّه عليه الصلاة والسلام قال: ولا تحلُّ لقطتها إلَّا بعد الإنشاد والتَّعريف سنةً؛ بخلاف ما هو من جنسها؛ كمجتمعات العساكر ونحوها، فإنَّ تلك تحلُّ بنفس [13] افتراق العسكر، ويكون المذهب حينئذٍ أقعد بظاهر الحديث من مذهب المخالف؛ لأنَّهم يحتاجون إلى تأويل اللَّام وإخراجها عن التَّمليك، ويجعلون المراد: ولا تحلُّ لقطتها إلَّا لمنشدٍ فيحلُّ له إنشادها لا أخذها، فيخالفون ظاهر اللَّام وظاهر الاستثناء، ويحقِّق ما قلناه: _من أنَّ [14] الغالب على مكَّة أنَّ لقطتها لا يعود لها صاحبها_ أنَّا لم نسمع أحدًا ضاعت له نفيقةٌ [15] بمكَّة، فرجع إليها ليطلبها ولا بعث [16] في ذلك، بل ييأس منها بنفس التَّفرُّق، والله أعلم.
(وَلَا يُخْتَلَى) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون المعجمة، مقصورًا، أي: لا يُقطَع (خَلَاهَا) بفتح المعجمة، مقصورًا: كلؤها الرَّطب (فَقَالَ عَبَّاسٌ) بدون «ال» عمُّه عليه الصلاة والسلام: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا الإِذْخِرَ) بكسر الهمزة وبالذَّال [17] والخاء المكسورة المعجمتين: نبتٌ معروفٌ طيِّب الرَّائحة (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام [18]، ولأبي الوقت: ((قال)): (إِلَّا الإِذْخِرَ) بالنَّصب على الاستثناء كالأوَّل، قال ابن مالكٍ: وهو المختار على الرَّفع؛ إمَّا لكون الاستثناء متراخيًا عن المستثنى منه، فتفوت المشاكلة بالبدليَّة [19]، وإمَّا لكون الاستثناء عرض في آخر الكلام، ولم يكن مقصودًا أوَّلًا.
ج4ص247


[1] في (د): «أراد».
[2] في (م): «اتِّصالها»، وهو تصحيفٌ.
[3] في (ب) و(س): «أنَّ حرمها».
[4] في (د): «كما جرى».
[5] في (س): «يزيد».
[6] في (ص): «مكَّة»، ولعلَّه تحريفٌ.
[7] في غير (م): «التَّحريم»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[8] في (د): «قيل»، ولعلَّه تحريفٌ.
[9] «سهلٌ»: ليس في (د) و(ص) و(م).
[10] «به»: ليس في (د).
[11] في (د) و(م): «انقطع»، ولعلَّه تحريفٌ.
[12] في (ب) و(س): «بدار»، وفي (ص): «ببلاد».
[13] في (ص): «بنحو».
[14] «أنَّ»: ليس في (د).
[15] في (د): «نفقته».
[16] في (د): «يبعث».
[17] في (د) و(د1) و(ص): «والذَّال».
[18] قوله: «عمُّه عليه الصَّلاة والسَّلام: يَا رَسُولَ اللهِ... فَقَالَ عليه الصَّلاة والسَّلام» سقط من (م).
[19] «بالبدليَّة»: مثبتٌ من (د) و(س).