إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه

2435- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ نَافِعٍ) وفي «مُوطَّأ» محمَّد بن الحسن عن مالكٍ أخبرنا نافعٌ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ) وفي رواية يزيد بن الهاد عن مالكٍ عند الدَّارقُطنيِّ في «المُوطَّآت» له: أنَّه سمع رسول الله [1] (صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم قَالَ: لَا يَحْلُبَنَّ) بضمِّ اللَّام، وفي رواية يزيد بن الهاد المذكورة: «لا يحتلِبنَّ» بكسرها وزيادة مُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ قبلها (أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ) وكذا امرأةٍ، مسلمين أو ذمِّيين (بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْربَتُهُ) بضمِّ الرَّاء وفتحها في الفرع وأصله [2] وغيرهما، أي: موضعه المَصُون لما يخزِّن فيه [3]؛ كالغُرْفة (فَتُكْسَرَ) بضمِّ التَّاء وفتح السِّين والنَّصب عطفًا على «أن تُؤتَى» (خِزَانَتُهُ) بكسر الخاء وبالرَّفع [4] نائبًا عن الفاعل: مكانُه، أو وعاؤُه الذي يُخزِّن فيه ما يريد حفظه (فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟) بضمِّ الياء وسكون النُّون وفتح التَّاء والقاف من «فيُنْتَقل»، منصوبٌ [5] عطفًا على المنصوب السَّابق (فَإِنَّمَا تَخْزُنُ) بضمِّ الزَّاي، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((تُحرِز)) بضمِّ أوَّله وإهمال الحاء وكسر الرَّاء، بعدها زايٌ (لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ) نُصِب بالكسرة على المفعوليَّة لـ «ضروع»، والمراد: اللَّبن، فشبَّه عليه الصلاة والسلام ضروع المواشي في ضبطها الألبانَ على أربابها بالخزانة التي تحفظ ما أُودِعت من متاعٍ وغيره (فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ) وفيه النَّهي عن أن يأخذ المسلم للمسلم شيئًا بغير إذنه، وإنَّما خصَّ اللَّبن بالذِّكر لتساهل النَّاس فيه، فنبَّه به على ما هو أعلى منه، وقال النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»: اختلف العلماء فيمن مرَّ ببستانٍ أو زرعٍ أو ماشيةٍ؛ فقال الجمهور: لا يجوز له أن يأخذ منه شيئًا إلَّا في حال الضَّرورة، فيأخذ ويغرم عند الشَّافعيِّ والجمهور، وقال بعض السَّلف: لا يلزمه شيءٌ، وقال أحمد: إذا لم يكن على البستان حائطٌ جاز له الأكل من الفاكهة الرَّطبة في أصحِّ الرَّوايتين ولو لم يحتج إلى ذلك، وفي الرِّواية [6] الأخرى: إذا احتاج، ولا ضمان عليه في الحالتين، وعلَّق الشَّافعيُّ القول بذلك على صحَّة الحديث، قال البيهقيُّ: يعني: حديث ابن عمر مرفوعًا: «إذا مرَّ أحدكم بحائطٍ فليأكل، ولا يتَّخذ خُبْنَةً [7]» أخرجه التِّرمذيُّ واستغربه، قال البيهقيُّ [8]: لم يصحَّ، وجاء من أوجهٍ أُخَرَ غيرِ قويَّةٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: والحقُّ أنَّ مجموعها لا يَقْصُرُ عن درجة الصَّحيح، وقد احتجُّوا في كثيرٍ من الأحكام بما هو دونها. انتهى.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «القضاء»، وأبو داود في «الجهاد».
ج4ص249


[1] قوله: «وفي رواية يزيد بن الهاد عن مالكٍ ... أنَّه سمع رسول الله» ليس في (د1) و(م).
[2] «وأصله»: ليس في (م).
[3] «فيه»: ليس في (د).
[4] في (ص): «والرَّفع».
[5] في (ل): ««فيُنْتَفَل طعامه»؛ بضمِّ الياء، وسكون النُّون، وفتح التَّاء والفاء، من «فينتفل» منصوبًا»، وفي هامشها: (قوله: «والفاء من فينتفل منصوبًا» كذا بخطِّه، والصَّواب: منصوبٌ؛ لأنَّه خبر لقوله: «والفاء»، ثمَّ إنَّ في قوله: «والفاء» منصوب تجوُّز، بل هو عاطف على المنصوب، فنسبة النَّصب إليه مجاز). انتهى. والسَّابق هو قوله: «أن تؤتى».
[6] «الرِّواية»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[7] في هامش (ص): (الخُبنة: وهي معطف الإزار وطرف الثَّوب، أي: لا يأخذ في ثوبه، يُقال: أَخْبَنَ الرَّجلُ؛ إذا خبَّأ شيئًا في خُبنةِ ثوبه أو سراويله، ومنه حديث ابن عمر). انتهى. «نهاية».
[8] في (ص): «التِّرمذيُّ»، والمثبت موافقٌ لما في «الفتح» (5/109).