إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء

2429- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) المشهور بـ «الرَّأي»، المدنيِّ، واسم أبيه فرُّوخ (عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيِّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) أي: أعرابيٌّ كما في السَّابقة [خ¦2427] أو هو بلالٌ كما قال ابن بشكوال، أو سويدٌ والد عقبة؛ كما رجَّحه ابن حجرٍ وقد مرَّ (إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ) أي: عن حكمها (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (اعْرِفْ عِفَاصَهَا) وعاءها الذي [1] هي فيه (وَوِكَاءَهَا) الخيط الذي يُشَدُّ به رأس الوعاء لتعرف صدق مدَّعيها عند طلبها (ثُمَّ
ج4ص244
عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) أي: فأدِّها إليه (وَإِلَّا) بأن لم يجئ صاحبها (فَشَأْنَكَ بِهَا) بالنَّصب، أي: الزم شأنَك بها، والشَّأن الحال، أي: تصرَّفْ فيها، وسبق في حديث أُبَيٍّ بلفظ [خ¦2426]: «فاستمتعْ بها»، ولمسلمٍ من طريق ابن وهبٍ: «فإن لم يأت لها طالبٌ فاستنفقها»، واستدلَّ به على أنَّ اللَّاقط يملكها بعد انقضاء مدَّة التَّعريف، وهو ظاهر نصِّ الشَّافعيِّ، لكنَّ المشهورَ عند الشَّافعيَّة اشتراطُ التَّلفُّظ بالتَّملُّك؛ كما مرَّ قريبًا، وإذا تصرَّف فيها بعد التَّعريف سنةً، ثمَّ جاء صاحبها؛ فالجمهور على وجوب الرَّدِّ إن كانت العين موجودةً، أو البدل إن كانت استُهلِكت؛ لقوله في الرِّواية السَّابقة [خ¦2428]: «ولتكن وديعةً عندك»، وقوله أيضًا عند مسلمٍ: «ثمَّ كُلْها، فإن جاء صاحبُها؛ فأدِّها إليه»، فإنَّه يقتضي وجوب ردِّها بعد أكلها، فيُحمَل على ردِّ البدل وحينئذٍ فيُحمَل قول المصنِّف في التَّرجمة «فهي لمن وجدها» أي: في إباحة التَّصرُّف إذ ذاك، وأمَّا أمر ضمانها بعد ذلك؛ فهو ساكتٌ عنه (قَالَ) السَّائل: يا رسول الله (فَضَالَّةُ الْغَنَمِ)؟ قال: (هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ، قَالَ) السَّائل: يا رسول الله (فَضَالَّةُ الإِبِلِ) ما حكمها؟ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (مَا لَكَ وَلَهَا؟! مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ) أي: ما لك وأخذها؟! والحال أنَّها مستقلَّةٌ بأسباب تُعِيْشُهَا (حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا) مالكُها.
ج4ص245


[1] في (د1) و(ص) و(م): «التي»، ولعلَّه تحريفٌ.