إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر

2015- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لم يُسَمَّ أحدٌ منهم (أُرُوا ليلة القدر) بضمِّ الهمزة من «أُروا» مبنيًّا للمفعول تنصب مفعولين؛ أحدهما: النَّائب عن الفاعل، والآخر: قوله: «ليلة القدر» أي: أراهم اللهُ ليلةَ القدر (فِي الْمَنَامِ فِي) ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) جمع آخِرٍ _بكسر الخاء_ قال في «المصابيح»: ولا يجوز «أُخَر» لأنَّه جمعٌ لـ «أخرى» [1]، وهي لا دلالة لها على المقصود _وهو التَّأخير في الوجود_ وإنَّما تقتضي المغايرة، تقول: مررت بامرأةٍ حسنةٍ وامرأةٍ أخرى مغايرةٍ لها، ويصحُّ هذا التَّركيب، سواءٌ كان المرور بهذه المرأة المغايرة سابقًا أو لاحقًا، وهذا عكس العشر الأُوَل فإنَّه يصحُّ لأنَّه جمع «أُولى»، ولا يصحُّ: الأوائل لأنَّه [2] جمع «أوَّلٍ» الذي هو [3] للمُذكَّر، وواحدُ العشر [4] ليلةٌ، وهي مُؤنَّثةٌ، فلا تُوصَف بمُذَكَّرٍ، وقول الكرمانيِّ [5]: _قوله: «في السَّبع الأواخر» ليس ظرفًا للإراءة_ معناه: أنَّه صفةٌ لقوله: «في المنام» أي: في المنام الواقع أو الكائن في السَّبع الأواخر، وقول الحافظ ابن حجرٍ: أي: قيل لهم في المنام: إنَّها في السَّبع الأواخر، تعقَّبه العينيُّ بأنَّه ليس بصحيحٍ لأنَّه يقتضي أنَّ ناسًا قالوا لهم: إنَّ ليلة القدر في السَّبع الأواخر، وليس هذا تفسير قوله: «أُروا ليلةَ القدر في المنام»، بل تفسيره: أنَّ ناسًا أروهم إيَّاها فرأَوا، وعلى تفسير هذا القائل أخبروا بأنَّها في السَّبع الأواخر، ولا يستلزم هذا رؤيتهم. انتهى. وظاهر الحديث: أنَّ رؤياهم كانت قبل دخول السَّبع الأواخر لقوله: فليتحرَّها في السَّبع الأواخر، ثمَّ يحتمل أنَّهم رأوا ليلة القدر وعظمتها وأنوارها ونزول الملائكة فيها، وأنَّ ذلك كان في ليلةٍ من السَّبع الأواخر، ويحتمل أنَّ قائلًا قال لهم: هي في كذا، وعيَّن ليلةً من السَّبع الأواخر ونُسِيت، أو قال: إنَّ ليلة القدر في السَّبع، فهي ثلاث احتمالاتٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرَى) بفتح الهمزة والرَّاء، أي: أعلم (رُؤْيَاكُمْ) بالإفراد؛ والمراد: الجمع، أي: رؤاكم لأنَّها لم تكن رؤيا واحدةً، فهو ممَّا [6] عاقب الإفراد فيه الجمع لأمن اللَّبس، وقول السَّفاقسيِّ: إنَّ المحدِّثين يروونه بالتَّوحيد وهو جائزٌ، وأفصحُ منه: «رؤاكم»، جمع «رؤيا» ليكون جمعًا في مقابلة جمعٍ أصحُّ [7] فيه نظرٌ لأنَّه بإضافته إلى ضمير الجمع عُلِم منه التَّعدُّد بالضَّرورة، وإنَّما عبَّر بـ «أرى» لتجانس «رؤياكم»، ومفعول «أرى» الأوَّل: «رؤياكم»، والثَّاني قوله: (قَدْ تَوَاطَأَتْ) بالهمز، قال النَّوويُّ: ولا بدَّ من قراءته مهموزًا، قال الله تعالى: {لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ} [التَّوبة: 37] وقال في «شرح التَّقريب»: ورُوِي: ((تواطت)) بترك الهمزة [8]، وقال في «المصابيح»: ويجوز تركه، أي: توافقت (فِي) رؤيتها في ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا) أي: طالبها وقاصدها (فَلْيَتَحَرَّهَا فِي) ليالي (السَّبْعِ الأَوَاخِرِ) من رمضان من غير تعيينٍ، وهي التي تلي [9] آخره، أو السَّبع بعد العشرين، والحمل على هذا أولى لتناوله إحدى وعشرين، وثلاثًا وعشرين؛ بخلاف الحمل على الأوَّل فإنَّهما لا يدخلان، ولا تدخل ليلة التَّاسع والعشرين على الثَّاني، وتدخل على الأوَّل، وفي حديث عليٍّ مرفوعًا عند أحمد: «فلا
ج3ص431
تُغْلَبوا في السَّبع البواقي»، ولمسلمٍ من طريق عقبة [10] بن حُرَيثٍ عن ابن عمر [11]: «التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضَعُفَ أحدُكم أو عجز فلا يُغلَبنَّ على السَّبع البواقي» وهذا السِّياق يرجِّح الاحتمال الأوَّل من تفسير السَّبع، وظاهر الحديث: أنَّ طلبها في السَّبع مُستَنَده الرُّؤيا، وهو مشكلٌ لأنَّه إن كان المعنى: أنَّه قيل لكلِّ واحدٍ: هي في السَّبع فشرط التَّحمُّل التَّمييز، وهم كانوا نيامًا، وإن كان معناه: أنَّ كلَّ واحدٍ رأى الحوادث التي تكون فيها في [12] منامه في السَّبع فلا يلزم منه أن تكون في السَّبع كما لو رُؤِيت حوادث القيامة في المنام في ليلةٍ فإنَّه لا تكون تلك اللَّيلة محلًّا لقيامها، وأجيب بأنَّ الاِستناد [13] إلى الرُّؤيا إنَّما هو من حيث الاستدلال بها على أمرٍ وجوديٍّ غير مخالفٍ لقاعدة الاستدلال، والحاصل: أنَّ الاستناد إلى الرُّؤيا هنا في أمرٍ ثبت استحبابه مطلقًا؛ وهو طلب ليلة القدر، وإنَّما تُرجَّح السَّبع الأواخر لسبب [14] المَرَائي [15] الدَّالَّة على كونها في السَّبع الأواخر، وهو استدلالٌ على أمرٍ وجوديٍّ لزمه استحبابٌ شرعيٌّ مخصوصٌ بالتَّأكيد بالنِّسبة إلى هذه اللَّيالي، لا أنَّها ثبت بها حكمٌ، أو أنَّ الاستناد إلى الرُّؤيا إنَّما هو من حيث إقراره صلى الله عليه وسلم لها كأحد ما قيل في رؤيا الأذان.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، والنَّسائيُّ في «الرُّؤيا».
ج3ص432


[1] في (ب): «الأخرى».
[2] «لأنَّه»: ليس في (ب) و(م).
[3] «الذي هو»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[4] في غير (س): «العشرة».
[5] زيد في (ب): «في».
[6] في غير (ب) و(س): «ما».
[7] «أصحُّ»: ليس في (س).
[8] في (ب) و(س): «الهمز»
[9] «تلي»: ليس في (ب).
[10] في (ب) و(س): «عتبة»، وهو تحريفٌ.
[11] في غير (س): «عمرو»، وليس بصحيحٍ.
[12] «في»: ليس في (م).
[13] في غير (ب) و(س): «الإسناد».
[14] في (د): «بسبب».
[15] في (ب) و(س): «الرُّؤيا».