إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه

2014- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَفِظْنَاهُ) [1] أي: هذا الحديث (وَإِنَّمَا حَفِظَ) بكسر الهمزة، وكلمة: «إنَّ» التي أُضيفت إليها كلمة «ما» للحصر، و«حَفِظ»: بفتح الحاء وكسر الفاء على صيغة الماضي، أي: قال عليُّ بن عبد الله المدينيُّ: وإنَّما حفظ سفيان هذا الحديث (مِنَ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ، لأبي ذرٍّ: ((وأَيُّما حِفْظٍ)) بهمزةٍ مفتوحةٍ ومُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ [2] مُشدَّدةٍ، و«حِفْظٍ» بكسر الحاء وسكون الفاء، مصدر «حَفِظ يحفَظ» و«أيُّ»: مرفوعٌ بالابتداء، مضافٌ إلى «حِفْظٍ»، و«ما» زائدةٌ، والخبر «حفظناه» مُقدَّرًا بعده: أي؛ وأيُّ حِفْظٍ حفظناه من الزُّهريِّ، يدلُّ عليه «حفظناه» الأوَّل، و«من الزُّهريِّ»: متعلِّقٌ بـ «حفظناه» المذكور قبلُ، والمراد: أنَّه يصف حفظه بكمال الأخذ وقوَّة الضَّبط لأنَّ إحدى [3] معاني «أيٍّ»: الكمال كما تقول: زيدٌ رجلٌ أيُّ رجلٍ، أي: كاملٌ في صفات الرِّجال (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ) في رواية مالكٍ عن الزُّهريِّ في الباب الذي قبل هذا [خ¦2009] «من قام» بدل «من صام» (إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا) أي: تصديقًا وطلبًا لرضا الله وثوابه، لا بقصد رؤية النَّاس ولا غيرهم ممَّا ينافي الإخلاص (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصَّغائر، ولأحمد عن أبي هريرة مرفوعًا: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر» (وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ) زاد مسلمٌ: فيوافقها (إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) زاد النَّسائيُّ في «سننه الكبرى» في روايةٍ: «وما تأخَّر» [4]، وفي «مُسنَد أحمد» و«مُعجَم الطَّبرانيِّ [5] الكبير» من [6] حديث عبادة بن الصَّامت مرفوعًا: «فمن قامها إيمانًا واحتسابًا ثمَّ وُفِّقَتْ له غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر» وفيه عبد الله بن محمَّد بن عَقيلٍ، وحديثه حسنٌ، وفي «مسلمٍ» _كما مرَّ_: «من يقم ليلة القدر فيوافقها» قال النَّوويُّ: يعني: يعلم أنَّها ليلة القدر، وقال في «شرح التَّقريب»: إنَّما معنى توفيقها له
ج3ص430
أو موافقته لها: أن يكون الواقع أنَّ تلك اللَّيلة التي قامها بقصد ليلة القدر هي [7] ليلة القدر في نفس الأمر، وإن لم يعلم هو ذلك، وما ذكره النَّوويُّ من أنَّ معنى الموافقة: العلم بأنَّها ليلة القدر مردودٌ، وليس في اللَّفظ ما يقتضي هذا ولا المعنى يساعده، وقال في «فتح الباري»: الذي يترجَّح في نظري ما قاله النَّوويُّ، ولا أنكر حصول الثَّواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر، وإن لم يعلم بها ولم تُوفَّق له، وإنَّما الكلام على حصول الثَّواب المُعيَّن الموعود به، فليُتأمَّل، وقد فرَّعوا على القول باشتراط العلم بها: أنَّه يختصُّ [8] بها شخصٌ دون شخصٍ، فتُكشَف لواحدٍ ولا تُكشَف لآخر، ولو كانا معًا في بيتٍ واحدٍ.
(تَابَعَهُ) أي: تابع سفيانَ (سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ في روايته (عَنِ الزُّهْرِيِّ) وهذا ممَّا [9] وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات».
ج3ص431


[1] في (ص): «حفظنا»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[2] «تحتيَّةٍ»: ليس في (ص) و(م).
[3] في (ب) و(س): «أحد».
[4] قوله: «وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، زاد مسلمٌ... روايةٍ: وما تأخَّر» جاء في (ص) و(م) بعد قوله: «بيتٍ واحدٍ» الآتي.
[5] في (ب) «الطَّبريِّ»، وهو تحريفٌ.
[6] في (م): «في».
[7] في غير (ب) و(س): «في».
[8] في (م): «يُخَصُّ».
[9] «ممَّا»: مثبتٌ من (ب) و(س).