إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب من قال: ليس على المحصر بدل

(4) (بابُ مَنْ قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْمُحْصَرِ بَدَلٌ) أي: قضاءٌ لِما أُحصِر فيه من حجٍّ أو عمرةٍ.
1812م# (وَقَالَ رَوْحٌ) بفتح الرَّاء وسكون الواو آخره مهملةٌ ابن عُبَادة؛ بضمِّ العين وتخفيف المُوحَّدة، ممَّا وصله إسحاق بن رَاهُوْيَه في «تفسيره» (عَنْ شِبْلٍ) بكسر الشِّين المعجمة وسكون المُوحَّدة ابن عَبَّادٍ _بفتح العين وتشديد المُوحَّدة_ المكِّيِّ، من صغار التَّابعين، وثَّقه أحمد وابن معينٍ والدَّارقطنيُّ وأبو داود، وزاد: كان يُرمَى [1] بالقدر، وله في «البخاريِّ» حديثان [خ¦1817] [خ¦4531] (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) بفتح النُّون وكسر الجيم عبد الله (عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) موقوفًا: (إِنَّمَا الْبَدَلُ) أي: القضاء (عَلَى مَنْ نَقَضَ) بالضَّاد المعجمة، ولأبي ذرٍّ: ((نقص)) بالصَّاد المهملة (حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ) بمعجمتين، أي: بالجماع (فَأَمَّا مَنْ حَبَسَهُ عُذْرٌ) بضمِّ
ج3ص285
العين وسكون الذَّال المعجمة؛ وهو ما يطرأ على المُكلَّف يقتضي التَّسهيل، قال البرماويُّ _كالكرمانيِّ_: ولعلَّ المراد به هنا نوعٌ منه كالمرض ليصحَّ عطف (أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ) عليه، أي: من مرضٍ أو نفاد نفقةٍ، ولأبي ذرٍّ: ((حبسه)) عدوٌّ من العداوة (فَإِنَّهُ يَحِلُّ) من إحرامه (وَلَا يَرْجِعُ) أي: لا يقضي، وهذا في النَّفل، أمَّا الفرض فإنَّه ثابتٌ في ذمَّته، فيرجع لأجله في سنةٍ أخرى، والفرق بين حجِّ النَّفل الذي يفسد بالجماع الواجب قضاؤه، وبين النَّفل الذي يفوت عنه بسبب الإحصار التَّقصيرُ وعدمه، وقال الحنفيَّة: إذا تحلَّل لزمه القضاء، سواءٌ كان فرضًا أو نفلًا (وَإِنْ [2] كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَهُوَ مُحْصَرٌ نَحَرَهُ) حيث أُحصِر من حلٍّ أو حرمٍ (إِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْعَثَ) زاد في رواية أبوي ذرٍّ والوقت: ((به)) أي: بالهدي إلى الحرم (وَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) يوم النَّحر، وقال أبو حنيفة: لا يذبحه إلَّا في الحرم لأنَّ دم الإحصار قربةٌ، والإراقة لم تُعرَف قربةً إلَّا في زمانٍ أو مكانٍ، فلا تقع قربةً دونه، فلا يقع به التَّحلُّل، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] فإنَّ الهدي اسمٌ لِما يُهدَى إلى الحرم [3].(وَقَالَ مَالِكٌ) إمام الأئمَّة (وَغَيْرُهُ: يَنْحَرُ هَدْيَهُ، وَيَحْلِقُ) رأسه (فِي أَيِّ مَوْضِعٍ) ولابن عساكر: ((في أيِّ المواضع)) (كَانَ) الحصر، وهو مذهب الشَّافعيَّة، فلا يلزمه إذا أُحصِر في الحلِّ أن يبعث به إلى الحرم (وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ نَحَرُوا وَحَلَقُوا وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) من محظورات الإحرام (قَبْلَ الطَّوَافِ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْهَدْيُ إِلَى الْبَيْتِ) أي: ولا طواف ولا وصول هدي إلى البيت (ثُمَّ لَمْ يُذْكَرْ) بضمِّ أوَّله وفتح الكاف مبنيًّا للمفعول (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَحَدًا) من أصحابه ممَّن كان معه (أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا، وَلَا يَعُودُوا لَهُ) وكلمة: «لا» زائدةٌ؛ كهي في قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} [الأعراف: 12] (وَالْحُدَيْبِيَةُ خَارِجٌ مِنَ الْحَرَمِ) وهذا يشبه ما قرأته في كتاب «المعرفة» للبيهقيِّ عن الشَّافعيِّ، وعبارته: قال الشَّافعيُّ [4]: قال الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] قال [5]: فلم أسمع ممَّن حفظت عنه من أهل العلم بالتَّفسير مخالفًا في أنَّ الآية نزلت بالحديبية حين أُحصِر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فحال المشركون بينه وبين البيت، وأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نحر بالحديبية وحلق ورجع حلالًا، ولم يصل إلى البيت ولا أصحابه إلَّا عثمان بن عفَّان وحده، ثمَّ قال: ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلِّ، وقِيل: نحر في الحرم، قال الشَّافعيُّ: وإنَّما ذهبنا إلى أنَّه نحر في الحلِّ وبعض الحديبية في الحلِّ وبعضها في الحرم؛ لأنَّ الله تعالى يقول: {وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [الفتح: 25] والحرم كلُّه محلُّه عند أهل العلم، قال الشَّافعيُّ: فحيثما أُحصِر ذبح شاةً وحلَّ، قال الشَّافعيُّ: فيمن أُحصِر بعدوٍّ لا قضاء عليه، فإن كان لم يحجَّ حجَّة الإسلام فعليه حجَّة الإسلام من قبل قول الله [6] تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي} ولم يذكر قضاءً، قال الشَّافعيُّ: والذي أعقل من أخبار أهل المغازي شبيهٌ بما ذكرت من ظاهر الآية، وذلك أنَّا قد علمنا في متواطئ أحاديثهم أنَّه قد كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية رجالٌ معروفون بأسمائهم، ثمَّ اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة القضيَّة، وتخلَّف بعضهم بالمدينة من غير ضرورةٍ في نفسٍ ولا مالٍ علمته، ولو لزمهم القضاء لأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم _إن شاء الله_ بألَّا يتخلَّفوا عنه.
ج3ص286


[1] في غير (ب) و(س): «يرى».
[2] في (ب) و(س): «وإذا» والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[3] «إلى الحرم»: ليس في (د).
[4] «وعبارته قال الشَّافعيُّ»: ليس في (ص).
[5] «قال»: ليس في (ب).
[6] في (د): «قبل قوله».