إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة

1810- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) المعروف بمَرْدُوْيَه السِّمسار المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ [1] (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ) هو ابن عبد الله بن عمر (قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما يَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟) بنصب «سنَّةَ» في «اليونينيَّة»، خبر «ليس»، واسمها: «حسبُكم»، والجملة الشَّرطيَّة؛ وهي قوله: (إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ) بأن مُنِع عن الوقوف بعرفة (طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي: إذا أمكنه ذلك، تفسيرٌ للسُّنَّة، وهل لها حينئذٍ محلٌّ أو لا؟ قولان، وقال القاضي عياضٌ: بالنَّصب على الاختصاص، أو على إضمار فعلٍ، أي: تمسَّكوا ونحوه [2]، وقال السُّهيليُّ: من نصب «سنَّة» فالكلام أمرٌ بعد أمرٍ، كأنَّه قال: الزموا سنَّةَ نبيِّكم كما قال: [من الرَّجز]
~يا أيُّها المائحُ دلوي دونكا
فـ «دلوي»: منصوبٌ عندهم بإضمار فعل أمرٍ، و«دونك»: أمرٌ آخر (ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) حرم عليه (حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا) نُصِب على الظَّرفيَّة والصِّفة (فَيُهْدِي) بذبح [3] شاةٍ؛ إذ التَّحلُّل لا يحصل إلَّا بنيَّة التَّحلُّل والذَّبح والحلق (أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) حيث شاء، ويتوقَّف تحلُّله على الإطعام كتوقُّفه على الذَّبح لا على الصَّوم لأنَّه يطول زمنه فتعظم المشقَّة في الصَّبر على الإحرام إلى فراغه.
(وَعَنْ عَبْدِ اللهِ) بن المبارك بالسَّند السابق (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ ساكنةٌ، والظَّاهر أنَّ ابن المبارك كان يحدِّث به تارةً عن يونس، وتارةً عن مَعْمَرٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ، عَنِ) أبيه (ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ) وقد أخرجه التِّرمذيُّ: عن أبي كُرَيبٍ عن ابن المبارك عن مُعْمَرٍ، ولفظه: كان ينكر الاشتراط ويقول: أليس حَسْبُكم سنَّة نبيِّكم؟ وأخرجه الإسماعيليُّ من وجهٍ آخر عن عبد الرَّزَّاق بتمامه، وكذا أخرجه النَّسائيُّ، وأمَّا إنكار ابن عمر الاشتراط فثابتٌ في رواية يونس أيضًا إلَّا أنَّه حُذِف في رواية البخاريِّ هذه، فأخرجه البيهقيُّ من طريق السَّرَّاج عن أبي كُرَيبٍ عن ابن المبارك عن يونس، وقرأت في كتاب «معرفة السُّنن والآثار» له ما لفظه: قال أحمد: ابن شهابٍ إنَّما يرويه في رواية يونس بن يزيد عنه عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: أنَّه كان ينكر الاشتراط في الحجِّ، ولو بلغه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضُبَاعة بنت الزُّبير لم ينكره. انتهى. وحديث ضُبَاعة أخرجه الشَّافعيُّ عن ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بضُبَاعة بنت الزُّبير، فقال: «أما تريدين الحجَّ؟» فقالت: إنِّي شاكيةٌ، فقال لها: «حجِّي واشترطي أنَّ مَحِلِّي حيث حبستني» وأخرجه البخاريُّ في «النِّكاح» [خ¦5089] وقول الأَصيليِّ _فيما [4] حكاه عياضٌ عنه: لا يثبت في الاشتراط إسنادٌ صحيحٌ_ تعقَّبه النَّوويُّ بأنَّ الذي قاله غلطٌ فاحشٌ؛ لأنَّ الحديث مشهورٌ صحيحٌ من طرقٍ متعدِّدةٍ، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، وقِيس بالحجِّ العمرة فإذا شرطه بلا هديٍ لم يلزمه هديٌ عملًا بشرطه، وكذا لو أطلق لعدم الشَّرط ولظاهر حديث ضُبَاعة، فالتَّحلُّل فيهما يكون بالنِّيَّة فقط، فإن شرطه بهديٍ لَزِمَهُ عملًا بشرطه [5]، ولو قال: إن مرضت فأنا حلالٌ، فمرض، صار حلالًا بالمرض من غير نيَّةٍ، وعليه حملوا حديث: «من كُسِرَ أو عرج فقد حلَّ، وعليه الحجُّ من قابلٍ» رواه أبو داود وغيره بإسنادٍ صحيحٍ، وإن شرط قلب الحجِّ عمرةً بالمرض أو نحوه جاز؛ كما لو شرط [6] التَّحلُّل به، بل أَوْلى، ولقول عمر
ج3ص284
لأبي أميَّة سويد بن غَفَلة [7]: «حُجَّ واشترط، وقل: اللَّهمَّ الحجَّ أردتُ، وله عمدتُ، فإن تيسَّر، وإلَّا فعمرة» رواه البيهقيُّ بإسنادٍ حسنٍ، ولقول عائشة لعروة: «هل تستثني إذا حججتَ؟ فقال: ماذا أقول؟ قالت: قل: اللَّهمَّ الحجَّ أردتُ، وله عمدتُ، فإن يسَّرته فهو الحجُّ، وإن حبسني حابسٌ فهو عمرةٌ» رواه الشَّافعيُّ والبيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ على شرط الشَّيخين، فله في ذلك إذا وُجِد العذرُ أن يقلب حجَّه عمرةً، وتجزئه عن عمرة الإسلام، ولو شرط أن يقلب [8] حجَّه عمرةً عند العذر فوُجِد العذر [9] انقلب حجُّه عمرةً، وأجزأته عن عمرة الإسلام؛ كما صرَّح به البلقينيُّ؛ بخلاف عمرة التَّحلُّل في الإحصار لا تجزئ عن عمرة الإسلام لأنَّها في الحقيقة ليست عمرة، وإنَّما هي أعمال عمرةٍ [10].
ج3ص285


[1] في (د): «محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ».
[2] في (د): «أو نحوه».
[3] في (ص): «يذبح».
[4] في (د): «ممَّا».
[5] قوله: «وكذا لو أطلق لعدم الشَّرط ولظاهر... بهديٍ لزمه عملًا بشرطه» ليس في (م).
[6] في (ب) و(س): «اشترط».
[7] في هامش (ص): (قوله: «بن غَفَلة» بفتح الغين المعجمة والفاء، أبو أميَّة الجعفيُّ، من كبار التَّابعين، مخضرمٌ قدم المدينة وقت النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان مسلمًا في حياته، ثمَّ نزل الكوفة، ومات بها سنة ثمانين، وله مئةٌ وثلاثون سنةً). انتهى «تقريب».
[8] في (د): «ينقلب».
[9] «فوُجِد العذر»: سقط من (ب).
[10] في (د): «العمرة».