إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

[أبواب المحصر]

(1) (بابُ) بيان أحكام (الْمُحْصَرِ) بضمِّ الميم وسكون الحاء وفتح الصَّاد المهملتين آخره راءٌ، ولأبي ذرٍّ: ((أبواب)) بالجمع، و«المُحصَر»: الممنوع من الوقوف بعرفة أو الطَّواف بالبيت؛ كالمعتمر الممنوع منه (وَ) أحكام (جَزَاءِ الصَّيْدِ) الذي يتعرَّض إليه المحرم (وَقَوْلهُ تَعَالَى) بالرَّفع على الاستئناف، أو بالجرِّ عطفًا على «المُحصَر» أي: وبيان المراد من قوله تعالى: ({فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ}) مُنِعتم، يُقال: حصره العدوُّ وأحصره إذا حبسه ومنعه عن المضيِّ؛ مثل: صدَّه وأصدَّه ({فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}) أي: فعليكم ما استيسر، أو: فأهدوا ما استيسر، والمعنى: إن مُنِعتم عن المضيِّ إلى البيت وأنتم محرمون بحجٍّ أو عمرةٍ فعليكم إذا أردتم [1] التَّحلُّل أن تتحلَّلوا بذبح هديٍ يُسِّر عليكم؛ من بدنةٍ أو بقرةٍ أو شاةٍ حيث أُحصِرتم عند الأكثر ({وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] ) حيث يحلُّ ذبحه [2] حلًّا [3] كان أو حرامًا، أو: لا تحلُّوا [4] حتَّى تعلموا أنَّ الهدي المبعوث به إلى الحرم بلغ محلَّه، أي: مكانه الذي يجب أن يُنحَر فيه، وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله «{وَلَا تَحلِقُوا}....إلى آخره».
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (الإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ) والذي في «اليونينيَّة»: ((يَحْبِسه)) بفتح التَّحتيَّة وسكون المهملة وكسر المُوحَّدة بعدها سينٌ مهملةٌ، فلا يختصُّ بمنع العدوِّ فقط، بل هو [5] عامٌ في كلِّ حابسٍ من عدوٍّ ومرضٍ وغيرهما، وبه قال الحنفيَّة ككثيرٍ من الصَّحابة وغيرهم، حتَّى أفتى ابن مسعودٍ رجلًا لُدِغ بأنَّه محصرٌ، أخرجه ابن حزمٍ بإسنادٍ صحيحٍ والطَّحاويُّ، ولفظه: عن علقمة قال: لُدِغ صاحبٌ لنا وهو محرمٌ بعمرةٍ، فذكرناه لابن مسعودٍ، فقال: يبعث بهديٍ ويواعد أصحابه موعدًا، فإذا نَحَرَ عنه حلَّ، قالوا: وإذا قامت الدَّلالة على أنَّ شرعيَّته للحابس مطلقًا استُفيد جوازه لمن سُرِقت نفقته ولا يقدر على المشي، وقال مالكٌ والشَّافعيُّ وأحمد: لا إحصار إلَّا بالعدوِّ لأنَّ الآية وردت لبيان حكم انحصاره عليه الصلاة والسلام وأصحابه وكان بالعدوِّ، وقال في سياق الآية: {فَإِذَا أَمِنتُم} [البقرة: 196] فعُلِم
ج3ص281
أنَّ شرعيَّة الإحلال في العدوِّ كان [6] لتحصيل الأمن منه، وبالإحلال لا ينجو من المرض، فلا يكون الإحصار بالمرض في معناه، فلا يكون النَّصُّ الوارد في العدوِّ واردًا في المرض، فلا يلحق به دلالةً ولا قياسًا لأنَّ شرعيَّة التَّحلُّل قبل أداء الأفعال بعد الشُّروع في الإحرام على خلاف القياس، فلا يُقاس عليه، وفي «المُوطَّأ»: عن سالمٍ عن أبيه قال: من حُبِس دون البيت بمرضٍ فإنَّه لا يحلُّ حتَّى يطوف بالبيت، واحتجَّ الحنفيَّة بأنَّ الإحصار هو المنع، والاعتبار بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، وبأنَّ إجماع أهل اللُّغة على أنَّ مدلول لفظ: «الإحصار بالعمرة» المنع الكائن بالمرض، والآية وردت بذلك اللَّفظ، وبحث فيه المحقِّق الكمال بن الهمام: بأنَّه ظاهرٌ في أنَّ [7] الإحصار خاصٌّ بالمرض، والحصر خاصٌّ بالعدوِّ، ويحتمل أن يُراد كون المنع بالمرض مِنْ مَاصدقات الإحصار، فإن أراد الأوَّل ورد عليه كون الآية لبيان حكم الحادثة التي وقعت للرَّسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، واحتاج إلى جواب صاحب «الأسرار» [8]، وحاصله: أنَّ كون النَّصِّ الوارد لبيان حكم حادثةٍ قد ينتظمها لفظًا، وقد ينتظم غيرها ممَّا يُعرَف به حكمها دلالةً، وهذه الآية كذلك؛ إذ يُعلَم منها حكم منع العدوِّ بطريق الأَوْلى [9] لأنَّ منع العدوِّ حسِّيُّ لا يتمكَّن معه من المضيِّ؛ بخلافه في المرض إذ يمكن بالمحمل والمركب والخدم، فإذا جاز التَّحلُّل مع هذا فمع ذلك أولى، وفي «نهاية ابن الأثير»: يُقال: أحصره المرضُ أو السُّلطانُ إذا منعه من مقصده، فهو مُحصَرٌ، وحَصَرَه إذا حبسه، فهو محصورٌ، وقال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ} [البقرة: 273] والمراد: منعهم الاشتغال بالجهاد، وهو أمرٌ راجعٌ إلى العدوِّ، أو المراد: أهل الصُّفَّة منعهم تعلُّم القرآن، أو: شدَّة الحاجة والجهد عن الضَّرب في الأرض للتَّكسُّب، وليس هو بالمرض. انتهى. وزاد أبو ذرٍّ عن المُستملي: ((قال أبو عبد الله)) أي: المؤلِّف على عادته في ذكر تفسير ما يناسب ما هو بصدده ((حصورًا)) في قوله تعالى في يحيى بن زكريَّا: {وَحَصُورًا} [آل عمران: 39] معناه: ((لا يأتي النِّساء))، وهو بمعنى محصورٍ لأنَّه مُنِع ممَّا يكون من الرِّجال، وقد ورد «فعولٌ» بمعنى: «مفعولٍ» كثيرًا، وهذا التَّفسير نقله الطَّبريُّ عن سعيد بن جبيرٍ وعطاءٍ ومجاهدٍ، وليس المراد: أنَّه لا يأتي النِّساء لأنَّه كان هَيُّوبًا لهنَّ أو لا ذَكَرَ له لأنَّ هذه نقيصةٌ لا تليق بالأنبياء عليهم السلام، بل معناه: أنَّه معصومٌ عن الفواحش والقاذورات والملاهي، رُوِي: أنَّه مرَّ في صباه بصبيانٍ فدعوه إلى اللَّعب، فقال: ما للَّعبِ خُلِقت.
ج3ص282


[1] «أردتم»: سقط من غير (ب) و(س).
[2] في هامش (ص): (قوله: «حيث يحلُّ ذبحه...»إلى آخره، هذا مذهب إمامنا الشَّافعيِّ، وقوله: «أو لَا تحلُّوا....» إلى آخره، هذا مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، وقد صرَّح بذلك القاضي البيضاويُّ حيث قال: والمعنى: إن أُحصِر المحرم وأراد أن يتحلَّل تحلَّل بذبح هديٍ تيسَّر عليه؛ من بدنةٍ أو بقرةٍ أو شاةٍ حيث أُحصِر عند الأكثر لأنَّه عليه السلام ذبح عام الحديبية بها وهي من الحلِّ، وعند أبي حنيفة يبعث به إلى الحرم، ويجعل للمبعوث بيده يوم أمانٍ، فإذا جاء اليوم وظنَّ أنَّه ذبح تحلَّل). انتهى.
[3] في (د): «حلالًا».
[4] في (م): «تحلقوا».
[5] «هو»: ليس في (د).
[6] في (ب) و(س): «كانت».
[7] في (ص): «بأنَّ».
[8] في هامش (ص): (قوله: صاحب «الأسرار»: هو الإمام أبو زيدٍ الدَّبُوْسيُّ؛ بفتح الدَّال وضمِّ الباء المُوحَّدة وبعدها واوٌ ساكنةٌ وسينٌ مهملةٌ، هذه النِّسبة إلى دبوسيَّة؛ وهي بليدةٌ بين بخارى وسمرقند، نُسِب إليها جماعةٌ كثيرةٌ من العلماء؛ منهم: القاضي أبو زيدٍ عبد الله بن عمر بن عيسى الدَّبُوسِيُّ، صاحب كتاب «الأسرار والتَّقويم للأدلَّة»، تُوفِّي ببخارى سنة «43هـ»). انتهى «لباب».
[9] في (د): «أولى».