إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: صلى بنا النبي الظهر فسلم، فقال له ذو اليدين: الصلاة

1227- وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بسكون العين [1] (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، عبد الله، أو إسماعيل بن عبد الرَّحمن ابن عوفٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: ((رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ) بالشَّكِّ، وسبق في «باب الإمامة» [خ¦715] الجزم بأنَّها الظُّهر، وكذا عند [2] مسلم في روايةٍ له، وفي أخرى له أيضًا الجزم بالعصر، والشَّكُّ من أبي هريرة كما تبيَّن من رواية ابن عونٍ، عن محمَّد بن سيرين، عند النَّسائيِّ، ولفظه: قال أبو هريرة رضي الله عنه: صلَّى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشيِّ، قال أبو هريرة: لكنِّي نسيت، فبيَّن أبو هريرة أنَّ الشَّكَّ منه [3]، وهو يعكِّر على ما حكاه النَّوويُّ عن المحقِّقين أنَّهما قضيَّتان، بل يُجمَع بأنَّ أبا هريرة رواه كثيرًا على الشَّك، ومرَّةً غلب على ظنِّه أنَّها الظُّهر فجزم بها، ومرَّةً أنَّها العصر فجزم بها [4]، وفي قول أبي هريرة: «صلَّى بنا» تصريحٌ بحضوره ذلك، ويؤيِّده ما في رواية مسلمٍ وأحمد وغيرهما، من طريق يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمة في هذا الحديث، عن أبي هريرة: بينما أنا أصلِّي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم» وهو يردُّ على الطَّحاويِّ حيث حمل قوله: «صلَّى بنا» على المجاز، وأنَّ المراد صلَّى بالمسلمين، متمسِّكًا بما قاله الزُّهريُّ، ووهَّموه فيه؛ وهو أنَّ القصَّة لذي الشِّمالين فقط [5] المستشهد ببدرٍ قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين، فالصَّواب: أنَّ القصَّة لذي اليدين فقط وهو غيره، قال أبو عمر: وقول من قال: إنَّ ذا اليدين قُتِلَ يوم بدرٍ غير صحيحٍ، وإنما المقتول يوم بدر ذو الشمالين [6] ولسنا ندافعهم [7] أنَّ ذا الشِّمالين قُتِلَ ببدر، فقد ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل السِّير ذا الشِّمالين فيمن قُتِلَ ببدرٍ، وأنَّه خزاعيٌّ، وأمَّا ذو اليدين الَّذي شهد سهو النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فسُلَمِيٌّ، واسمه الخرباق [8]، نعم؛ روى النَّسائيُّ ما يدلُّ على أنَّهما واحدٌ ذي اليدين، وذي الشِّمالين [9]، ولفظه: فقال له ذو الشِّمالين ابن عمرٍو [10]: أنقصت الصَّلاة أم نسيت؟ فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «ما يقول ذو اليدين؟» فصرَّح بأنَّ ذا الشِّمالين هو ذو اليدين، لكن نصَّ الشَّافعيُّ في اختلاف الحديث فيما نقله في «الفتح» وأبو عبد الله الحاكم والبيهقيُّ وغيرهم [11]: أنَّ ذا الشِّمالين غير ذي اليدين، وقال النَّوويُّ في «الخلاصة»: إنَّه قول الحفَّاظ وسائر العلماء إلَّا الزُّهريَّ، واتَّفقوا على تغليطه، وقال أبو عمر: وأمَّا قول الزُّهريِّ: إنَّه ذو الشِّمالين؛ فلم يُتابَع عليه، وقد اضطرب الزُّهريُّ في حديث ذي اليدين اضطرابًا أوجب عند أهل العلم بالنَّقل تركه من روايته خاصَّةً، ولم يعوِّل عليه فيه أحدٌ، فليس قوله [12]: إنَّه المقتول ببدرٍ حجَّةٌ، فقد تبيَّن غلطه في ذلك، والله أعلم (فَسَلَّمَ) عليه الصلاة والسلام في الرَّكعتين (فَقَالَ له ذُو الْيَدَيْنِ) الخِرْباق السُّلَمِيُّ: (الصَّلَاةُ _يَا رَسُولَ اللهَ_) بالرَّفع مبتدأٌ، خبره: (أَنَقَصَتْ؟) بهمزة الاستفهام وفتح النُّون، فيكون الفعل لازمًا، وبضمِّها متعدِّيًا (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم لأَصْحَابِهِ) الَّذين صلَّوا معه رضي الله عنهم: (أَحَقٌّ) بالرَّفع: مبتدأٌ، دخلت عليه همزة الاستفهام، وقوله: (مَا يَقُولُ؟) أي: ذو اليدين، سادٌّ مسدَّ الخبر، أو «أحقٌّ» خبرٌ، وتاليه مبتدأٌ (قَالُوا: نَعَمْ) حقٌّ ما يقول [13] (فَصَلَّى) عليه الصلاة والسلام (رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ) بمثنَّاتين تحتيَّتين بعد الرَّاء، ولأبي الوقت وابن عساكر: ((أخراوين)) بألفٍ ثمَّ واوٍ بعد الرَّاء على خلاف القياس (ثُمَّ سَجَدَ) عليه الصلاة والسلام (سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو، كسجدتي الصَّلاة يجلس [14] مفترشًا بينهما، ويأتي بذكر السُّجود للصَّلاة فيهما، وعن بعضهم أنَّه يُندَب له أن يقول فيهما: سبحان من لا ينام ولا يسهو، قال النَّوويُّ كالرَّافعيِّ
ج2ص365
وهو لائقٌ بالحال، قال الزَّركشيُّ: إنَّما يُتمُّ إذا لم يتعمَّد ما يقتضي السُّجود، فإن تعمَّد؛ فليس بلائقٍ [15]، بل اللائق الاستغفار، ثم يتورَّك ويسلِّم ولا يتشهَّد بعد السُّجود، وإنَّما بنى عليه الصلاة والسلام على الرَّكعتين بعد أن تكلَّم لأنَّه كان ساهيًا، لظنِّه عليه الصلاة والسلام أنَّه خارج الصَّلاة، والكلام سهوًا لا يقطعها خلافًا للحنفيَّة، وأمَّا كلام ذي اليدين والصَّحابة؛ فلأنَّهم [16] لم يكونوا على اليقين من البقاء في الصَّلاة؛ لتجويزهم نسخ الصَّلاة من الأربع إلى الرَّكعتين، وتُعقِّب بأنَّهم تكلَّموا بعد قوله عليه الصلاة والسلام: «لم تقصر»، أو أنَّ [17] كلامهم كان خطابًا له عليه الصلاة والسلام؛ وهو غير مبطلٍ عند قومٍ، أو أنَّهم لم يقع منهم كلامٌ، إنَّما أشاروا إليه، أي: نعم؛ كما في «سنن أبي داود» بإسنادٍ صحيحٍ بلفظ: «أَوْمَؤُوا».
وبالإسناد السَّابق: (قَالَ سَعْدٌ) بسكون العين، ابن إبراهيم المذكور؛ وهو ممَّا أخرجه ابن أبي شيبة عن غُندر عن شعبة (وَرَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى مِنَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فَسَلَّمَ) عقبهما (وَتَكَلَّمَ) ساهيًا (ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ) منها (وَسَجَدَ) رضي الله عنه (سَجْدَتَيْنِ) للسَّهو (وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) فإن قلت: ليس في حديث الباب إلَّا التَّسليم في اثنتين، وليس فيه التَّسليم في ثلاثٍ، وحينئذٍ فلا مطابقة بينه وبين التَّرجمة في الجزء الثَّاني، أُجِيبَ بأنَّه قد ورد التَّسليم في ثلاثٍ عند مسلمٍ من حديث عمران بن الحُصين، فكأنَّه أشار إليه في التَّرجمة.
ج2ص366


[1] زيد في (د): «ابن عبد الرَّحمن بن عوفٍ».
[2] «عند»: مثبت من (د).
[3] في (ص): «فيه»، وهو تحريفٌ.
[4] قوله: «والشَّكُّ من أبي هريرة؛ كما تبيَّن من رواية ابن عونٍ... ومرَّةً أنَّها العصر، فجزم بها»، سقط من (م).
[5] «فقط»: ليس في (ص) و(م).
[6] قوله: «وإنما المقتول يوم بدر ذو الشمالين» زياد من الاستذكار.
[7] في (د): «نوافقهم»، وهو تحريفٌ.
[8] قوله: «قال أبو عمرٍ: وقول من قال: إنَّ ذا اليدين قُتِلَ يوم بدرٍ ... فسلميٌّ، واسمه الخِرباق»، سقط من (م).
[9] قوله: «ذي اليدين، وذي الشِّمالين»، مثبتٌ من (م).
[10] في هامش (ص): (قوله: «ابن عمرو» كذا في النُّسخ، والذي في «جامع الأصول»: ابن عبد عمرو بن نضلة بن عمرو). انتهى.
[11] قوله: «وأبو عبد الله الحاكم والبيهقيُّ وغيرهم»، سقط من (م).
[12] زيد في (د): «فيه».
[13] في (ب) و(د) و(ص): «يقوله».
[14] في (م): «بجلسةٍ».
[15] في (ب) و(م): «لائقًا».
[16] في (د): «لأنَّ».
[17] في (د): «لأنَّ».