إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

[أبواب صلاة الخوف]

(1) (بابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ) أي: كيفيَّتها؛ من حيث إنَّه يحتمل في الصَّلاة عنده ما لا يحتمل فيها عند غيره، وقد جاءت في كيفيَّتها سبعة عشر نوعًا، لكن يمكن تداخلها، ومن ثمَّ قال في «زاد المعاد»: أصولها ستُّ صفاتٍ، وبلَّغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلَّما رأوا اختلاف الرُّواة في قصَّةٍ جعلوا ذلك وجهًا من فعله صلى الله عليه وسلم، وإنَّما هو من اختلاف الرُّواة، قال في «فتح الباري»: وهذا هو المعتمد. انتهى. والإفراد في «باب» للأَصيليِّ وكريمة، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن المُستملي وأبي الوقت: ((أبواب)) بالجمع، وسقط للباقين. (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((قال الله تعالى)) ({وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ}) سافرتم ({فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ}) إثمٌ ({أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ}) بتنصيف [1] ركعاتها، ونفي الحرج فيه يدلُّ على جوازه، لا على وجوبه، ويؤيِّده أنَّه عليه الصلاة والسلام أتمَّ في السَّفر، وأوجبه أبو حنيفة لقول عمر المرويِّ في النَّسائيِّ وابن ماجه وابن حبَّان: «صلاة السَّفر ركعتان، تامٌّ [2] غير قصرٍ، على لسان نبيِّكم» ولقول عائشة رضي الله عنها المرويِّ عند الشَّيخين [خ¦1090]: أوَّل ما فُرِضَ الصَّلاة فُرِضَت ركعتين، فأُقِرَّت في السَّفر وزِيدت في الحضر [3]، وأُجيب بأنَّ الأوَّل مُؤوَّلٌ بأنَّه كالتَّامِّ في الصِّحَّة والإجزاء، والثَّاني لا ينفي جواز الزِّيادة، لكنَّ أكثر السَّلف على وجوبه، وقال كثيرٌ منهم: هذه الآية في صلاة الخوف، فالمراد: أن تقصروا من جميع الصَّلوات بأن تجعلوها ركعةً واحدةً، أو من كيفيَّتها، لا من كمِّيَّتها، والآية الآتية فيها تبيينٌ وتفصيلٌ لها كما سيجيء، وسُئِل ابن عمر رضي الله عنهما: إنَّا نجد في كتاب الله تعالى قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر، فقال ابن عمر: إنَّا وجدنا نبيَّنا يعمل، فعملنا به، وعلى هذا فقوله: ({إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا}) بالقتال والتَّعرُّض لما يُكرَه شرطٌ له [4] باعتبار الغالب في ذلك الوقت؛ ولذا [5] لم يُعتَبر مفهومه، فإنَّ الإجماع على جواز القصر في السَّفر من غير خوفٍ ({إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ}) أيُّها الرَّسول، علَّمه طريق صلاة الخوف لتقتدي [6] الأئمَّة [7] بعده به، عليه الصلاة والسلام ({فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ}) وتمسَّك بمفهومه من خصَّ صلاة الخوف بحضرته عليه الصلاة والسلام، وهو أبو يوسف، والحسن بن زيادٍ اللُّؤلؤيُّ [8] من أصحابه، وإبراهيم ابن عُلَيَّة، وقالوا: ليس هذا لغيره لأنَّها إنَّما شُرِعت _بخلاف القياس_ لإحراز فضيلة الصَّلاة معه عليه الصلاة والسلام، وهذا المعنى انعدم بعده، وأُجيب بأنَّ عامَّة الفقهاء على أنَّ الله تعالى علَّم الرَّسول كيفيَّتها ليُؤتَمَّ به كما مرَّ، أي: بيِّنْ لهم بفعلِكَ لكونه أوضح من القول، وقد أجمع الصَّحابة رضي الله عنهم على فعله بعده عليه الصلاة والسلام، وبقوله عليه الصلاة والسلام
ج2ص195
[خ¦631]: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي»، فعموم منطوقه مُقدَّمٌ على ذلك المفهوم، وادَّعى المزنيُّ نسخها [9] لتركه صلى الله عليه وسلم لها يوم الخندق، وأُجيب بتأخُّر نزولها عنه لأنَّها نزلت سنة ستٍّ، والخندق كان سنة أربعٍ أو خمسٍ ({فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ}) فاجعلهم طائفتين، فلتقم إحداهما معك يصلُّون، وتقوم الطَّائفة الأخرى في وجه العدوِّ ({وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ}) أي: المصلُّون، حزمًا، وقِيلَ: الضَّمير للطَّائفة الأخرى، وذكر الطَّائفة الأولى يدلُّ عليهم ({فَإِذَا سَجَدُوا}) يعني: المصلِّين ({فَلْيَكُونُوا}) أي: غير المصلِّين ({مِنْ وَرَائِكُمْ}) يحرسونكم؛ يعني: النَّبيَّ ومن يصلِّي معه، فغلَّب المخاطب على الغائب ({وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا}) لاشتغالهم بالحراسة ({فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ}) ظاهره أنَّ الإمام يصلِّي مرَّتين، بكلِّ طائفةٍ مرَّةً كما فعله عليه الصلاة والسلام ببطن نخلٍ ({وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ}) جعل الحذر وهو التَّحرُّز والتَّيقُّظ آلةً يستعملها الغازي، فجمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ ({وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً}) بالقتال، فلا تغفلوا ({وَلَا جُنَاحَ}) لا وزر ({عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ}) رخصةٌ لهم في وضعها إذا ثَقُلَ عليهم أخذُها بسبب مطرٍ أو مرضٍ، وهذا يؤيِّد أنَّ الأمر للوجوب دون الاستحباب ({وخُذُوا حِذْرَكُمْ}) أمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلَّا [10] يهجم عليهم العدوُّ ({إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 101-102] ) وعدٌ للمؤمنين بالنَّصر، وإشارةٌ إلى أنَّ الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوِّهم، بل لأنَّ الواجب في الأمور التَّيقُّظ.
وقد ثبت سياق الآيتين بلفظهما إلى آخر قوله: {مُهِينًا} كما ترى في رواية كريمة [11]، ولفظ رواية أبي ذَرٍّ (({فَلتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُم مَعَكَ} إلى قوله: {عَذَابًا مُهِينًا})) وله أيضًا ولابن عساكر وأبي الوقت: (({وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ}... إلى قوله: {عَذَابًا مُهِينًا})) ولابن عساكر: (({إِنَّ اللهِ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا})) [12] وزاد الأَصيليُّ: (({أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ}... إلى قوله: {عَذَابًا مُهِينًا})).
ج2ص196


[1] في (م): «بنصف».
[2] في (ص): «تمامٌ من»، وهو موافقٌ لما في كتب الحديث.
[3] في هامش (ص): (قوله: «أوَّل ما فُرِضَ...» الحديثَ، هكذا في النُّسخ؛ فليُحرَّر لفظ الشَّيخين، فإنِّي لم أجده كذلك، بل الَّذي فيهما رواياتٌ متعدِّدةٌ ليس فيها هذا اللَّفظ، نعم في «تفسير البيضاويِّ» ما نصُّه: ولقول عائشة: أوَّل ما فُرِضَت الصَّلاة فُرِضَت ركعتين، فأُقِرَّت في السَّفر، وزِيدت في الحضر، لكنَّه لم يُعرَف ذلك للشَّيخين، ولا لغيرهما). انتهى عجمي.
[4] «له»: ليس في (د)، وزيد في (م): «لا».
[5] «ولذا»: ليس في (م)، وفي (ب): «إنَّما»، وفي (د): «ولا يُعتبَر».
[6] في غير (ص) و(م): «ليقتدي».
[7] في (د): «الأمَّة».
[8] في هامش (ص): (قوله: «اللُّؤلؤيُّ»، قال في «اللُّباب»: بضمِّ اللَّامين، بينهما واوٌ ساكنةٌ في آخرها واوٌ ثانيةٌ، هذه النِّسبة لجماعةٍ يبيعون اللُّؤلؤ؛ منهم الحسن بن زيادٍ أبو عليٍّ اللُّؤلؤيُّ، صاحب أبي حنيفة، مولى الأنصار، وُلِّيَ القضاء، ومات سنة أربع ومئتين، وهو غير راوي «سنن أبي داود»). انتهى عجمي.
[9] في (د): «فسخها»، وهو تحريفٌ.
[10] في غير (ص) و(م): «كيلا».
[11] «في رواية كريمة»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[12] قوله: «ولابن عساكر: {إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا}» ليس في (ص).